انعقاد الندوة العلمية السادسة من سلسلة ندوات مؤتمر «العودة إلى الاقتصاد المقاوم في اقتصاد الحرب وما بعد الحرب»

أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بأن هذه الندوة عُقدت تحت عنوان «دور المنهج الفقهي السائد في دراسة الموضوعات المالية ومدى كفايته لتحليل الاقتصاد المقاوم»، برعاية مؤسسة الإمام الخميني (قدس سره) للتعليم والبحث العلمي، وجمعية الاقتصاد الإسلامي في حوزة قم العلمية، وبالتعاون مع سائر المراكز، وذلك في مقر المعهد.

في بداية الندوة، هنأ حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد جوشقاني، المقرر العلمي للندوة، بمناسبة أيام تكريم مقام المعلم وأيضاً ذكرى وفاة أستاذ الجيل الدكتور داودي، وتسمية العام الجديد باسم «الاقتصاد المقاوم»، مشيراً إلى أهداف إقامة هذه السلسلة من الندوات.

وأوضح أمين مركز أبحاث فقه الاقتصاد والموارد والتكنولوجيا بمعهد دراسات الفقه المعاصر أن الندوة الراهنة عُقدت بالتركيز على «نقد ومراجعة التوجهات والدراسات الفقهية السائدة في تحليل الاقتصاد المقاوم».

وأعلن المقرر العلمي في أدراج كلامه عن استعداد مركز دراسات الفقه المعاصر لاستضافة الندوات والمشاريع البحثية المحورية في فقه الاقتصاد، بما في ذلك المقالات العلمية المحكمة والمشاريع التحقيقية.

عقب ذلك، قدم حجة الإسلام والمسلمين الدكتور غلام علي معصومي نيا طروحاته، مؤكداً على ضرورة النقد والتقييم وإعادة التفكير في المناهج الفقهية السائدة عند مواجهة القضايا الاقتصادية المستحدثة؛ وهو توجه يمكن – بحسب قوله – أن يؤدي إلى تعزيز مسار البحث في مجال الاقتصاد الإسلامي وارتقاء الدقة العلمية في تحليل القضايا المالية الناشئة.

وأشار حجة الإسلام الدكتور معصومي نيا في هذه الندوة إلى أن جانباً مهماً من القضايا الاقتصادية الجديدة، ولا سيما في مجال المعاملات، والعقود، والنظام النقدي، والنظام المالي، والتأمين، مرتبط بالطاقات الفقهية، مضيفاً: «خلال العقود الأخيرة، بُذلت جهود قيمة من قبل باحثي الاقتصاد الإسلامي للدراسة الفقهية للقضايا المستحدثة؛ ومع ذلك، فإن هذا المسار يتطلب مراجعة مستمرة لتعزيز نقاط القوة وإصلاح النواقص».

وتأكيداً منه على أن النقد العلمي لا يعني نفي الإنجازات السابقة، صرح بأن الأعمال التي أنجزها الباحثون في هذا المجال قيمة ومحترمة، ولكن أي حركة علمية تتطلب لضمان مزيد من الحيوية والفاعلية تقييماً دورياً وإصلاحاً للمناهج. وبحسب الدكتور معصومي نيا، فإن مثل هذه المراجعة لا تقلل من قيمة الجهود السابقة فحسب، بل تساعد على تعميقها وتكاملها.

وأشار الدكتور معصومي نيا إلى مسار البحوث المنجزة في السنوات الأخيرة، مذكرين بأن الحجم الأكبر من الدراسات الفقهية والاقتصادية تركز في ثلاثة مجالات: النظام النقدي، والنظام المالي، والتأمين. واعتبر حجة الإسلام والمسلمين الدكتور معصومي نيا هذا التركيز مؤشراً على أهمية هذه المحاور في بحوث الاقتصاد الإسلامي، لكنه أكد أن نطاق القضايا الاقتصادية الجديدة يتجاوز هذه المجالات الثلاثة بكثير ويتطلب اهتماماً أعم وأكثر منهجية.

وتجاوزاً لمستوى النقد النظري، قدم حجة الإسلام الدكتور معصومي نيا في استمرار الندوة حلاً تنفيذياً لتحقيق الاقتصاد المقاوم، مؤكداً أن إصلاح الهيكل الاقتصادي للبلاد غير ممكن دون إنشاء آلية مؤسسية جديدة.

واقترح تشكيل هيئة عليا وطنية بمهمة إعادة تصميم القطاع الحقيقي للاقتصاد بما يتناسب مع متطلبات الاقتصاد المقاوم؛ هيئة تستطيع في الخطوة التالية القيام بإجراء “جراحة” هادفة في النظام النقدي والمالي للبلاد. وأشار الدكتور معصومي نيا إلى أن «التجربة أثبتت أن الاعتماد على المؤسسات النقدية والمالية القائمة لتطبيق سياسات الاقتصاد المقاوم بشكل كامل لم يكن فاعلاً، وأن هذه المؤسسات تعجز بسبب طبيعتها الهيكلية عن التكيف الجذري مع هذا التوجه».

وشدد حجة الإسلام والمسلمين معصومي نيا على لزوم التجنب من التوجهات الفجائية وغير الواقعية، محذراً: «إن الإغلاق المفاجئ للبنوك أو سوق رأس المال ليس ممكناً ولا عملياً؛ مثلما أن محاولة التطبيق الكامل للاقتصاد المقاوم على الهيكل الحالي للنظام النقدي والمالي لم تؤدِ إلى نتيجة حتى الآن. ومن هنا، فإن الحل المقترح هو إنشاء مؤسسات نقدية ومالية موازية ومنطبقة مع ضوابط الشريعة إلى جانب النظام القائم؛ مؤسسات تتشكل بناءً على النماذج المصممة في القطاع الحقيقي للاقتصاد المقاوم».

وبحسب قوله، فإن العديد من المبادئ والمواد الفقهية اللازمة لتصميم هذه المؤسسات قد صُيغت سابقاً في البحوث المتاحة، ولكن ما أُهمل هو تجنب “الحلول الالتفافية” والتحرك نحو التطبيق الشفاف والصريح للأحكام والضوابط الشرعية. وأكد أن هذا النموذج، خلافاً للتصور السائد، يمتلك قابلية التنفيذ السريع بشرط تبلور إرادة قاطعة ومستمرة على مستوى وضع السياسات.

وفي معرض شرحه للهيكل المقترح، تحدث عن ضرورة تشكيل غرفة فكر تخصصية تحت مظلة الهيئة العليا؛ غرفة فكر تتألف من متخصصي الاقتصاد الإسلامي الذين يمتلكون إلى جانب الإلمام النظري بمبادئ هذا العلم، إشرافاً كاملاً على النظام النقدي والمالي القائم ومعرفة دقيقة بمتطلبات الاقتصاد الإيراني. وفي اعتقاده، يجب أن يكون أعضاء غرفة الفكر هذه قد وصلوا إلى قناعة مفادها أن السياسات الاقتصادية القائمة تعاني من إشكاليات جادة وتتطلب إصلاحات هيكلية.

وأضاف حجة الإسلام والمسلمين معصومي نيا: «إن التحول المطلوب عملية تدريجية ولكنها ممكنة، ومع بدايتها يمكن فتح مسار جديد في مدى زمني غير طويل؛ مسار تُقوى فيه المؤسسات الجديدة باحتياط وقراءة مستمرة وإصلاح مرحلي، ويتقلص فيه تدريجياً سهم النظام النقدي والمالي الحالي دون أن يتعرض اقتصاد البلاد لصدمة أو عدم استقرار».

وفي الختام، أشار إلى تعقيد العقود القائمة في سوق رأس المال، موضحاً أن الدراسة التفصيلية لهذه العقود من المنظور الفقهي يمكن أن تكشف بوضوح عن حدود الجهود السابقة لأَسْلَمَة الهيكل القائم، وأن الندوات والدخول في تحليل المصاديق العينية كفيلان بتوفير الدعم العلمي اللازم لإصلاح المسار واتخاذ القرارات الكلية في مجال الاقتصاد المقاوم.

وفي استمرار هذه الندوة التخصصية، تطرق الدكتور إبراهيمي إلى أحد التحديات الرئيسية في مجال رسم السياسات والبحوث المالية في البلاد. وبطرحه سؤالاً حول وضع الأسواق المالية، أشار إلى الفجوة بين الأدوات المالية الحديثة والواقع الاقتصادي في إيران.

وبيّن الدكتور إبراهيمي أن العديد من الأدوات المالية، ولا سيما في مجال الأدوات المشتقة، ضعيفة الصلة بالأنشطة الاقتصادية الحقيقية. وأوضح أن هذه الأدوات تُقدَّم غالباً تحت عنوان “تغطية المخاطر”، ولكن في التطبيق العملي، لا يرتبط سوى جزء ضئيل منها بالأنشطة الاقتصادية الإنتاجية.

وبطرحه هذا السؤال: لماذا تصر بعض التيارات العلمية والخبروية في إيران، رغم هذه الفجوة، على إدخال هذه الأدوات إلى الأسواق المالية في البلاد؟ أشار إلى أن هذه الجهود تُبذل غالباً عبر إيجاد وجوه شرعية لها، ولكن دون أن تتضح بدقة نسبة هذه الأدوات للمنافع الحقيقية للاقتصاد الوطني وقدرتها على حل مشاكل البلاد. ويعكس هذا التوجه ضرورة المراجعة الجادة في كيفية توطين واستخدام الأدوات المالية في الاقتصاد الإيراني.

ورداً على هذا السؤال، أرجع حجة الإسلام والمسلمين الدكتور معصومي نيا جذر هذا الوضع إلى الهيكل التعليمي وتشكل الذهنية لدى الاقتصاديين والباحثين، موضحاً أنه منذ بداية تعليم الاقتصاد تقوم الأطر النظرية للاقتصاد التقليدي بصياغة ذهن الباحث، وتترسخ أمامه تدريجياً منظومة النظام النقدي والمالي القائم كبنية منسجمة وطبيعية وجذابة. ومن هذا المنظور، فإن النزوع إلى إعادة إنتاج الأدوات والمؤسسات المالية السائدة هو نتيجة لنوع من التربية العلمية في سياق النماذج المهيمنة للاقتصاد الغربي، أكثر من كونه ناتجاً عن دراسة مستقلة ونقدية.

وبحسب قوله، فإن هذه الافتراضات الذهنية المسبقة تتسبب في أن يتركز جانب من الجهود العلمية في المجال المالي – بدلاً من التركيز على حل المشاكل الحقيقية للاقتصاد الإيراني – على تبرير وإعادة إنتاج الأدوات نفسها التي تشكلت في سياق آخر ولا تتناسب بالضرورة مع احتياجات ومتطلبات الاقتصاد المقاوم.

وواصل حجة الإسلام والمسلمين الدكتور معصومي نيا بتوضيح أحد المصاديق الجلية لنقده للمناهج الفقهية السائدة ذاكراً نموذج «الأسهم». فوفقاً لقوله، فإن معظم البحوث الفقهية والحقوقية المتاحة حول الأسهم والمعاملات المرتبطة بها – من وقف الأسهم وإجارتها إلى البيع المكشوف والشراء الائتماني – تستند إلى فرضية ضِمنية غير مكتوبة مفادها أن «أصل الأسهم» ظاهرة مقبولة ومطلوبة. في حين أنه يرى وجوب دراسة هذه الظاهرة ذاتها من حيث ماهيتها، ومبادئها النظرية، وجذورها التاريخية، ونسبتها إلى الهيكل الرأسمالي، قبل الورود في الأحكام والفروع.

وصرح بأنه في كثير من البحوث السائدة، تم إغفال هذا السؤال الأساسي: ما هي ماهية الأسهم أساساً وعلامَ تستند من المبادئ النظرية والفلسفية؟ وأشار إلى الاختلاف الواسع بين الحقوقيين حول ماهية الأسهم – من الملكية المشاعة والحق العيني إلى الدين أو الامتياز أو الاعتبار – موضحاً أن هذا الارتباك المفهومي يُظهر أن الدخول المباشر في الأحكام الفرعية دون حل المسألة المبدئية لا يمكن أن يلبي احتياجات فقه الاقتصاد.

وبتحليله لنسبة الأسهم والشركات المساهمة العامة بالنظام الرأسمالي، اعتبر هذا الهيكل جزءاً من البنية المؤسسية للرأسمالية، مؤكداً أنه لا ينبغي الاكتفاء في التحليلات الفقهية بصورة المعاملات والعقود، بل يلزم جعل «الظاهرة الاقتصادية» نفسها بوصفها مؤسسة اجتماعية وتاريخية موضوعاً للدراسة.

وبناءً على ذلك، كانت إحدى الرسائل الرئيسية لهذا الجزء من الندوة هي أن فقه الاقتصاد، لكي يؤدي دوره الفاعل في الاقتصاد المقاوم، ملزم بالعبور من الدراسات الجزئية والفرعية والتحرك نحو تحليل الظواهر الاقتصادية الكلية؛ تحليل تُفحص فيه ماهية الأدوات والبنى الاقتصادية، ووظيفتها، وسياقها التاريخي، وآثارها المؤسسية بدقة قبل إصدار الحكم أو تقديم النموذج البديل.

وفي ختام الندوة، قدم حجة الإسلام والمسلمين جوشقاني الشكر لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور معصومي نيا، والدكتور إبراهيمي، وسائر الحاضرين، مشيراً إلى بعض المباحث المطروحة وموضحاً تحليلات جون ديوي حول تحول الهيكل الرأسمالي، وبين أنه بناءً على هذه الرؤية، فإن الشركات القانونية المستقلة ومديري الشركات أخذوا تدريجياً مكان الرأسماليين والعمال، وتشكّل نمط جديد من الحوكمة في الاقتصاد؛ حوكمة يتطلب سندها النظري دراسة أكثر دقة.

وتابع بتأييد الكلام المطروح حول مسألة الأسهم والشركات المساهمة، مؤكداً على هذه النقطة: «إن كثيراً من الفتاوى والدراسات الفقهية المتاحة بنيت على التسليم بصحة أصل الظواهر المستوردة من النظام الرأسمالي؛ بينما تحتاج هذه الفرضية المسبقة ذاتها إلى مراجعة جادة».

وأشار المقرر العلمي إلى الخلافات الأصولية حول «أصالة الصحة» في المعاملات، موضحاً أنه حتى هذه القاعدة يجب فهمها بدقة مفهومية ومبدئية أكبر، ولا يمكن تطبيقها ببساطة على جميع المصاديق دون تحليل الخلفيات النظرية لنشوء الأدوات والمؤسسات الجديدة.

كما ذكر مقولة عن الأستاذ الشهيدي مفادها أن «ما أبدعه الآخرون في سياق خاص لا ينبغي تصحيحه ببساطة تحت عنوان بناء العقلاء»، لأن هذه المؤسسات والأدوات تشكلت في سياقها الفكري والفلسفي الخاص. وبحسب قوله، فإن جانباً كبيراً من الآثار العلمية، والرسائل الجامعية، وحتى قرارات المؤسسات الفقهية والمالية في البلاد، لا تزال تُنظم بناءً على هذه الافتراضات المسبقة الخلافية.

واختتم المقرر العلمي الندوة بتوجيه الشكر لمعهد دراسات الفقه المعاصر، وجمعية الاقتصاد الإسلامي، ومؤسسة الإمام الخميني (قدس سره)، وجميع القائمين على التنظيم، معتبراً هذه الندوة منصة لطرح الأسئلة الأساسية والملاحظات النقدية للتوجهات القائمة، ومؤكداً على لزوم اتخاذ توجه أكثر تحليلياً ومعرفة بالوضوع ومحلياً في المباحث الاقتصادية وفقه الاقتصاد.