ندوة علمية لبحث محدودية الأحاديث في بناء أنظمة «فقه المجتمع»

ترافقت الندوة العلمية «تأثير محدودية التراث الحديثي على التوجه النظامي لفقه المجتمع» مع طرح هذا السؤال المحوري: هل تكفي المصادر الحديثية المتاحة لإنتاج الأنظمة الاجتماعية في الفقه أم لا؟ وفي هذه الندوة جرى فحص ونقد الآراء حول نظرية «عدم كفاية المصادر المتأخرة»، ومدى بقاء التراث الروائي، وإمكان استمرار بناء الأنظمة الدينية في ضوء السنة.

أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بأن الندوة العلمية «تأثير محدودية التراث الحديثي على التوجه النظامي لفقه المجتمع» عُقدت بتقديم من حجة الإسلام والمسلمين محمد صادق روحاني، ونقد من الأستاذ السيد كاظم الطباطبائي؛ وهي ندوة تناولت دراسة أحد تحديات الفقه المعاصر حول التراث الحديثي المتاح لاستنباط الأنظمة الاجتماعية للإسلام وإنتاج المعرفة الدينية.

في بداية الندوة، أشار حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حسن بوسليكي، المقرر العلمي للجلسة، إلى خصائص العلوم الدينية – الاستناد، والكفاءة، والعقلانية، وفي بعض العلوم الشمولية – متطرقاً إلى الدور المفصلي لـ «الاستناد» في إسلامية العلوم الدينية.

وأشار إلى الآية الكريمة: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ»، مذكرين: «لكي نعتبر علماً ما إسلامياً، يجب أن نتمكن من نسبة مقولاته بشكل معتبر وموجه إلى الدين. وهذه النسبة قد تكون مباشرة أو بوسطة، ولكن على أي حال يجب أن تمتلك سنداً موثوقاً في المصادر الدينية».

وأكد المقرر العلمي في الاستمرار: «إن التحدي الرئيسي يظهر عندما نتجاوز استنباط الأحكام الجزئية ونلج عرصة بناء الأنظمة الاجتماعية. وبحسب اعتقاده، فلو لم يصلنا جانب مهم من السنة والروايات، فإن ادعاء الوصول إلى أنظمة شاملة اقتصادية وتثقيفية وحوكمية قائمة على الدين سيواجه صعوبات جادة».

وأضاف عضو المجلس العلمي بفريق فقه المجتمع والأخلاق والتربية بمعهد دراسات الفقه المعاصر: «إن النقطة التي تشكل موضوع هذه الجلسة هي في الواقع الشمولية ونصاب الشمولية لمصادرنا الروائية لتدوين المعرفة الدينية أو إنتاجها».

طرح نظرية «عدم كفاية المصادر المتأخرة لبناء الأنظمة»

في استمرار هذه الندوة العلمية، أشار حجة الإسلام والمسلمين محمد صادق روحاني، عضو جمعية الأخلاق بالحوزة، في تقديمه إلى طرح نظرية «عدم كفاية المصادر المتأخرة لبناء الأنظمة»، موضحاً أن فكرته انطلقت من هذا السؤال: «هل يكفي وجود رواية أو بضع روايات لنسبة نظرية كبرى إلى الدين؟»

وصرح: «يجب أن يكون دليلنا وسندنا الروائي بحجم وضخامة استنباطنا وفهمنا من الرواية».

وأشار حجة الإسلام والمسلمين روحاني إلى مجموعة من المقدمات والشواهد التاريخية والحديثية، مدعياً أن جانباً ملحوظاً من التراث الروائي للشيعة قد ضاع عبر التاريخ ولم يصل إلينا. وادعى أن ما بقي ليس سوى أكثر من عُشر تراثنا الروائي.

ولإثبات هذا المدعى، استند إلى شواهد متعددة؛ ومنها الاختلاف الهائل بين عدد الروايات المنقولة عن كبار الراواة وبين ما هو موجود اليوم في المصادر الحديثية المتاحة. وأشار إلى أبان بن تغلب في علم الحديث مبيناً: «نُقل في حق أبان بن تغلب أنه روى ثلاثين ألف حديث عن الإمام الصادق (ع)، غير أننا لا نملك في المصادر الفعلية سوى نحو مائتي رواية عنه».

كما أشار عضو جمعية الأخلاق بالحوزة إلى فقدان عدد كبير من الكتب الحديثية، وآثار كبار المؤلفين الشيعة، ونقصان بعض المصادر الروائية، وحذف الأسانيد في عدد من الآثار، وتصريحات علماء الرجال بضياع جانب من التراث الحديثي، واعتبر هذه الموارد قرائن على محدودية المصادر المتاحة.

ومؤكداً على ضرورة التناسب بين سعة المدعى وحجم الأحاديث والأدلة، أشار المحاضر إلى تحدي بناء الأنظمة في فقه المجتمع، لافتاً إلى أن «دليلنا يجب أن يكون بالضبط بحجم الحكم الذي نريد إصداره؛ لا أقل ولا أكثر».

وهو يعتقد أنه كلما اتسع نطاق المدعى الفقهي ووصل إلى مستوى بناء الأنظمة الاجتماعية، زادت الحاجة إلى سند روائي أكثر اتساعاً وشمولية. ومن هنا فإن محدودية التراث الحديثي المتاح تستطيع التأثير في الادعاءات الكبرى المتعلقة بفقه المجتمع وبناء الأنظمة الإسلامية.

وشرح في الاستمرار نظرية «عدم كفاية المصادر المتأخرة» في الاستنباطات الكلية الفقهية، وعرض آراءه لبيان ضرورة إعادة النظر في كيفية الانتفاع بالروايات لبناء الأنظمة وإنتاج النظريات الاجتماعية.

ومبيناً أن نظريته أُقيمت على سبع مقدمات، أوضح هذه المقدمات بأنها وُضعت في الواقع لرفع الفراغات القائمة في المباحث الفقهية والمنهجية.

واعتبر المقدمة الأولى «حجية الكلام بعد الفحص عن المعارض»، مؤكداً: «ليست هذه المسألة مجرد قاعدة شرعية، بل هي أصل عقلائي وشامل. ففي كافة المجالات تتثبت حجية مقولة ما عندما يُجرى الفحص اللازم عن معارضاتها».

وتحدث في المقدمة الثانية عن مفهوم «الفحص القائم على الواقع»، وانتقد بعض التوجهات قائلاً: «أحياناً يضع الفقيه نفسه مكان العرف بدلاً من كشف رأي العرف، ويحكم مباشرة بكيفية الواقع؛ بينما يجب عرض الواقع على العرف وإجراء التحكيم العرفي حوله».

وفي تبيين المقدمة الثالثة قال: «إذا وقعت حادثة وطُلب منا القضاء حولها، فإن العقل يقتضي فحص أقوال شهود متعددين. فلو أتيح شاهد واحد فقط، فلن يعتد العقلاء بمثل هذه الشهادة لإصدار الحكم؛ ومن ثَمّ فإن هذا المنطق العقلائي نفسه يجري في الاستنباطات الدينية أيضاً ولا يمكن بناءً على تقرير محدود نسبة نتائج واسعة وكلية إلى الدين، وهذا النهج العقلائي لا يحمل أي منع شرعي بل أيدت الشريعة في موارد متعددة هذا الأسلوب العقلائي نفسه».

وفي المقدمة الخامسة، تطرق المحاضر إلى مكانة كتاب «رجال النجاشي» واعتبره من أهم الآثار الشيعية في حقل النساخة والببليوغرافيا والفهرسة. ورغم إشادته بجهود النجاشي، أشار إلى بعض النواقص في هذا الأثر وقال: «في بعض الموارد يمكن الحديث عن عدم الدقة الكافية لبعض التوارخ والتقارير؛ بنحو لا تتلاءم أحياناً المطالب المطروحة مع البيانات التاريخية المسلمة، وبمقارنة هذا الأثر مع بعض المصادر التاريخية المعاصرة له، ومنها آثار الخطيب بغدادي، يمكن التأكيد على ضرورة النظرة النقدية للمصادر الرجالية».

واعتبر عضو جمعية الأخلاق بالحوزة أن أهم أجزاء استدلاله يكمن في المقدمة السادسة، صريحاً: «النقطة المركزية في البحث هي أن جانباً ملحوظاً من روايات الشيعة قد ضاع عبر التاريخ».

وأشار إلى مجموعة من القرائن والشواهد التاريخية مضيفاً: «حتى لو لم تكن كل واحدة من هذه القرائن وحدها كافية لإثبات المدعى، غير أن مجموعها على الأقل يثير أسئلة جادة حول مستوى بقاء التراث الحديثي المتاح تحت أيدينا، وإحدى أهم شواهدنا هي الفاصلة الهائلة بين عدد الروايات المنقولة عن بعض كبار الرواة وبين حجم الروايات الباقية منهم في المصادر الفعلية».

وأشار هذا الباحث إلى الشخصية الحديثية المرموقة «أبان بن تغلب» صريحاً: «ورد في رواية عن الإمام الصادق (ع) أن أبان بن تغلب نقل ثلاثين ألف حديث عن سماحته؛ ولكن عندما نراجع المصادر الحديثية المتاحة، نجد زهاء مائتي رواية عنه فقط في وسائل الشيعة».

كما أشار إلى تقرير محمد بن مسلم وقال: «يصرح محمد بن مسلم بأنه كان يحتفظ بـ ٤٦ ألف رواية؛ ٣٠ ألف رواية عن الإمام الباقر (ع) و١٦ ألف رواية عن الإمام الصادق (ع). وتُظهر هذه الأرقام أهميتها عندما نعرف أن مجموع روايات وسائل الشيعة مع كافة التكرارات الموجودة يُقدر بنحو ٣٥ ألف رواية».

وأكد: «هذا التفاوت الفاحش يُظهر أن جانباً عظيماً من التراث الروائي لم يبقَ بين أيدينا، وهذه المسألة ذاتها تلعب دوراً حاسماً في تقييم مستوى اعتبار الاستنباطات الكلية القائمة على عدد ضئيل من الروايات».

واختتم المحاضر بالتأكيد على ضرورة إعادة التفكير في أسلوب الانتفاع من المصادر الحديثية، لافتاً إلى أن مسألة «عدم كفاية المصادر المتأخرة» لا تقتصر على حقل بناء الأنظمة فحسب، بل يمكن الاهتمام بها وفحصها في سائر ساحات الاستنباط الفقهي أيضاً.

الحداثة وظروف عصر الغيبة

وتطرق حجة الإسلام والمسلمين روحاني في جانب آخر من كلمته إلى مسألة الحداثة وظروف عصر الغيبة، ومبيناً القيود القائمة تصريحاً بأنه لا يمكن اللامبالاة تجاه تحولات العالم الجديد وتوهم أن المسائل ستُحل بإهمالها.

واعتبر الحداثة ظاهرة تؤثر في الموضوعات، والأحكام، وحتى أدلة الأحكام الفقهية، وأضاف: «تغيرت العديد من المسائل والموضوعات في العالم الجديد، وتجعل هذه التغييرات إعادة التفكير الفقهي أمراً ضرورياً».

وأشار هذا الباحث إلى بعض التطورات العلمية والطبية، مبيناً أن جانباً من الموضوعات المبحوثة في الفقه التقليدي تواجه اليوم ظروفاً ومواصفات متفاوتة، وهذه المسألة ذاتها تضاعف ضرورة الاهتمام الأكثر بالنسبة بين الفقه والتحولات الحضارية الجديدة.

وتابع عضو جمعية الأخلاق بالحوزة معتبراً ظروف عصر الغيبة من الملاحظات المهمة الأخرى في عملية الاستنباط، تصريحاً: «في عصر الغيبة لا يمكن بسهولة إصدار الحكم في كافة المسائل وادعاء أن الإجابة عن كافة الأسئلة المستحدثة معدة سلفاً». وأشار إلى محدودية الوصول المباشر للمعصوم (ع)، مؤكداً على لزوم الاحتياط والواقعية في نسبة الرؤى الكلية إلى الدين.

كما اعتبر روحاني الرؤية القائلة بأن كافة المسائل المطلوبة للمجتمعات حتى القيامة قد توقعت وصُممت مسبقاً وبشكل جاهز في المصادر الدينية محلاً للتأمل، وقال إن لمثل هذا المدعى حاجة إلى مستندات واضحة وقابلة للدفاع. وفي اعتقاده، فإن الفقه المعاصر عند مواجهة القضايا الناشئة ملزم بتوضيح نسبته مع مقتضيات عصر الغيبة وتحديات العالم الحديث إلى جانب حفظ الترابط مع السنة.

نقد الأستاذ السيد كاظم الطباطبائي

في استمرار الندوة، تصدى الأستاذ السيد كاظم الطباطبائي لطرح هذا السؤال: «ما هي المعرفة الدينية؟»، مؤكداً أن المعرفة الدينية هي أساساً معرفة ينبع أصلها من الكتاب والسنة. ومبيناً أن العقل يؤدي دوراً مهماً في عملية الفهم والاستنباط من المصادر الدينية، أضاف أن المدركات العقلية بحد ذاتها لا تُعتبر معرفة دينية ما لم تستند بنحو ما إلى الكتاب والسنة.

وأشار رئيس معهد علوم ومعارف الحديث بمعهد القرآن والحديث البحثي إلى المكانة البنيوية للقرآن والسنة في إنتاج المعرفة الدينية، تصريحاً بأنه لا يمكن في عملية الوصول إلى المعرفة الدينية الفصل بين السنة والقرآن. واستناداً إلى آيات متعددة من القرآن حول طاعة النبي الأكرم (ص)، ذكّر بأن التعاليم الوحيانية طالما أكدت على الترابط بين الكتاب الإلهي والسنة النبوية.

كما أشار إلى حديث الثقلين المتواتر، واعتبر التمسك المتزامن بالقرآن والعترة من أركان الهداية الدينية، موضحاً أن تنحي السنة لا يتلاءم مع مبادئ المعرفة الدينية والتعاليم الإسلامية. وبحسب قوله، فعلى الرغم من إمكان طرح أسئلة وتحديات حول جانب من التراث الحديثي، غير أن هذه المسألة لا تستطيع إضعاف مكانة السنة في إنتاج المعرفة الدينية.

وذكّر هذا الأستاذ الباحث في الحديث أيضاً بأن ضياع العديد من الكتب لا يعني بالضرورة ضياع النسبة نفسها من المعارف؛ لأن جانباً كبيراً من الروايات قد جُمع في الآثار الجامعية اللحوقية وتكررت العديد من المطالب في كتب مختلفة.

وفي الوقت نفسه، اعتبر الأستاذ الطباطبائي جانباً من الإشكالات المطروحة حول وضع التراث الحديثي ملحوظاً، غير أنه أكد أن المسألة الرئيسية هي تقديم حل لإحراز السنة والوصول إلى المعرفة الدينية في عصر الغيبة، مبيناً: «إن بعض الإشكالات والشبهات موجودة واقعاً، غير أن علاجها ليس تنحي السنة؛ بل يجب تقديم حلول لتقييم الاعتبار وإحراز السنة».

اختتمت هذه الندوة بفحص أحد التحديات القائمة بدراسة النسبة بين محدودية المصادر الحديثية المتاحة وإمكان بناء الأنظمة الدينية. وفي هذه الندوة جرى سبر هذا السؤال: كيف يمكن مع قبول النواقص التاريخية للتراث الروائي الاستفادة في الوقت ذاته من طاقة السنة لإنتاج المعرفة الدينية والإجابة عن القضايا المستحدثة؟