أكد حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد ميرخندان، مع التأكيد على أن التحولات الإعلامية أحدثت تحولاً في عملية إنتاج الموسيقى وعرضها واستهلاكها، قائلاً: «في عصر وسائل الإعلام الحديثة، لا يمكن القضاء بالحرمة أو الحلية للموسيقى بناءً على النغمة واللحن فحسب؛ بل إن ظروف العرض، والوسيلة الناشرة، والصورة المرافقة، وفضاء الاستهلاك تؤدي دوراً في تشخيص الموضوع الفقهي للموسيقى أيضاً».
أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بأن ندوة التفكير المشترك «تأثير وسائل الإعلام الحديثة على الحكم الفقهي للموسيقى» عُقدت برعاية فريق فقه الثقافة والفن والإعلام بهذا المعهد وبحضور جمع من أساتذة وباحثي الحوزة والجامعة بتاريخ ١٣ رمضان ١٤٤٦هـ (الموافق ٢٣ اسفند ١٤٠٣ش / ١٣ آذار/مارس ٢٠٢٥م).
وفي هذه الندوة، تطرق حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد حميد ميرخندان لدراسة نسبة التحولات الإعلامية بمبادئ فقه الموسيقى.
وفي بداية كلمته، تصدى عضو المجلس العلمي بفريق فقه الثقافة والفن والإعلام بمعهد دراسات الفقه المعاصر للتفكيك بين الموسيقى الغنائية (الصوتية) والموسيقى الآلاتية (الآلية)، واعتبر الغناء أحد أنواع الموسيقى الصوتية، تصريحاً: «حرمة الموسيقى في الفقه لم تترتب على عنوان الموسيقى ذاته، بل انطبقت على ثلاثة عناوين هي “اللهو”، “الزور”، و”اللغو”، وفي الحقيقة فإن حكم الحرمة تعلق بهذه العناوين».
وأشار الدكتور ميرخندان إلى أن الفهم الدقيق لهذه المفاهيم يملك دوراً حاسماً في تشخيص الموسيقى المحرمة والمباحة، وأضاف: «إن الغناء المحرم هو الغناء الذي يُعد مصداقاً لـ “اللهو المضل”؛ أي يصد الإنسان عن الصراط الإلهي وذكر الله».
واستناداً إلى الآيات والروايات، اعتبر مفهوم «اللهو» في قبال «الذكر»، مبيناً: «الذكر في ثقافة القرآن والروايات لا يعني مجرد إجراء الأذكار على اللسان، بل إن طاعة الله تُعد مصداقاً للذكر أيضاً. ومن هنا فإن التقييم الفقهي للموسيقى يجب أن يقع بالنظر لنسبتها بمفاهيم كـ الذكر، والحق، والطاعة الإلهية».
وتابع هذا الباحث في حقل الفقه بشرح عنواني «الزور» و«اللغو» مؤكداً أيضاً أن هـذه المفاهيم تُعد، إلى جانب عنوان «اللهو»، المعايير الرئيسية للفقه لتمييز الموسيقى الحلال عن الموسيقى المحرمة، ودون تبيينها الدقيق لن يتاح تقديم ضابطة واضحة للمكلفين والمؤسسات صاحبة القرار.
ثم فكك حجة الإسلام والمسلمين ميرخندان بين «الشكل» و«المحتوى» في الموسيقى، وقال: «في الموسيقى الصوتية، فضلاً عن اللحن، تؤدي محتوى الشعر دوراً في التقييم الفقهي أيضاً؛ ولكن لا تقتصر كل المسألة على الشعر، إذ حتى لو كان المحتوى صحيحاً، فقد يقع نوع الأداء واللحن موضعاً للبحث الفقهي».
وأضاف: «في الموسيقى الآلاتية أيضاً، برغم طرح رؤى مختلفة حول وجود أو عدم وجود المحتوى، فإن الشكل الموسيقي يُعد لا يزال أحد أهم العناصر في فحصها الفقهي».
وخصص المحاضر في هذه الندوة الجزء الرئيسي من كلمته لدراسة تأثير وسائل الإعلام الحديثة على تشخيص موضوع فقه الموسيقى، مشيراً إلى أنه في عصر التشريع كانت عمليات إنتاج وعرض واستهلاك الموسيقى تُنجز غالباً متزامنة وفي مجلس واحد، مبيناً: «وسائل الإعلام الحديثة ثم الوسائل الإعلامية التفاعلية الحديثة فصلت هذه المراحل الثلاث عن بعضها البعض، وهـذا التحول بذاته زاد العناصر السياقية المؤثرة في التقييم الفقهي للموسيقى بشكل ملحوظ».
وأوضح أن الموسيقى اليوم قد تُنشر في قالب فيلم، أو مسلسل، أو فيديو كليب، أو ألعاب إلكترونية، أو شبكات اجتماعية، أو وسائل إعلام رسمية، وكل إحدى هـذه الحواضن توجد ظروفاً ومقتضيات متفاوتة للتقييم الفقهي.
واعتبر الدكتور ميرخندان الصورة، ونوع الوسيلة الناشرة، والأهداف وهوية الوسيلة، وفضاء أداء الموسيقى، وبيئة استهلاكها من جملة أهم العناصر السياقية والظرفية، تصريحاً: «قد تكتسب قطعة موسيقية ما، في قالب بناء شخصية سينمائية في فيلم أو في سياق وسيلة إعلامية مشخصة، وظيفة متفاوتة عن تلك الموسيقى عينها خارج ذلك الفضاء، وهذا التفاوت قابل للفحص في تشخيص الموضوع الفقهي».
وأكد المحاضر في تلخيص كلمته: «إذا كان تشخيص حرمة بعض الألحان في عصر التشريع أيسر بسبب النسيج الاجتماعي والمجالس الشائعة، فاليوم ونظراً للتنوع الواسع لأساليب العرض والاستهلاك للموسيقى، لم يعد ممكناً القضاء بحرمتها أو حليتها مجرد الاعتماد على اللحن؛ بل اكتسبت العناصر السياقية والظرفية دوراً حاسماً في تشخيص الموضوع واستنباط الحكم الفقهي».
نقد آية الله الشيخ جعفر نجفي بستان
في استمرار الندوة، أشاد آية الله الشيخ جعفر نجفي بستان بتقديم حجة الإسلام والمسلمين ميرخندان، وتصدى لنقد بعض المبادئ المطروحة في هذه الرؤية، مبيناً: المسألة الرئيسية في فحص الروايات المتعلقة بالموسيقى هي هل إن تطبيق عناوين كـ «لهو الحديث» على الغناء والموسيقى يحمل جنبة تقييدية أم هو مجرد من باب التنزيل وبيان المصداق.
ومؤكداً على أنه لا يمكن اعتبار هذه الروايات مقيدة للحكم، قال: لو كان الشارع قد قدم الموسيقى أو الغناء كـ مصداق لـ «لهو الحديث»، فهذا التطبيق هو من باب التنزيل لا التقييد؛ ومن هنا لا يمكن الاستناد لـ هـذه العناوين لتقسيم الموسيقى إلى قسمين حلال وحرام.
وأضاف عضو المجلس العلمي بفريق فقه الثقافة والفن والإعلام بمعهد دراسات الفقه المعاصر: في العرف العام أيضاً يُعتبر الغناء والموسيقى عنوانين مستقلين، وبناءً على هذا المبنى نفسه فحص العديد من الفقهاء أحكام هذين الأمرين بشكل منفصل.
وأشار آية الله بستان إلى آراء بعض الفقهاء المعاصرين، ومنهم الآيات العظام الخوئي، والسيستاني، وقائد الثورة المعظم، لافتاً إلى أن: اختلاف الفتاوى في هذه المسألة، أكثر من كونه يعود لتقييد الروايات، ينبع من التفاوت في المبادئ الأصولية وكيفية فهم الأدلة، وبناءً على هذا فلو كان أحد يرى التفكيك بين الموسيقى الحلال والحرام، فيجب عليه تبيين هذا التفكيك بناءً على مبادئه الاجتهادية والأصولية، لا بناءً على تقييد الروايات التي تحمل جنبة تنزيلية.
وأكد في الختام: البحث حول معايير تشخيص الموسيقى المحرمة يتطلب فحصاً أكثر دقة للمبادئ الفقهية والأصولية، ولا يمكن الحكم بتقسيم الموسيقى إلى قسمين حلال وحرام مجرد الاستناد لعناوين كـ «لهو الحديث» أو «قول الزور».
طروحات ونقود حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي نهاوندي
وفي استمرار الندوة، أشاد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي نهاوندي بتقديم حجة الإسلام والمسلمين ميرخندان، وطرح عدة أسئلة ناظرة لمبادئ البحث، مبيناً: يبدو أنه بين عناوين كـ «اللهو»، «اللغو»، و«الزور»، يُعد عنوان «الباطل» أجمع معيار لفحص الحكم الفقهي للموسيقى ويملك طاقة أكبر لتحليل روايات هذا الباب.
واستناداً لرواية الإمام الباقر (ع) حول وقوع الغناء في جبهة الباطل، أضاف: العديد من القيود المطروحة لتحديد الموسيقى المحرمة؛ كـ الإطراب، وشدة الطرب، والتناسب مع مجالس أهل الفسوق، والريتم، والنظم الموسيقي، والظروف البيئية و… لا تُستفاد من ظاهر الآيات والروايات ولا يمكن اعتبارها الدلائل الرئيسية لحرمة الغناء.
وبالإشارة للنظرية المطروحة حول تأثير وسائل الإعلام الحديثة على تشخيص موضوع الموسيقى، طرح هذا السؤال: لو كانت الموسيقى مصداقاً لـ «الباطل» ذاتاً، فكيف يمكن مجرد تغيير حاضنة العرض أو إضافة عناصر سياقية كـ الصورة أن يوجب تغيير حكمها؟
وأشار الدكتور نهاوندي لبعض التجارب الإعلامية، ومنها استخدام الموسيقى إلى جانب الصور الثورية، تصريحاً: التفكيك بين الإنتاج والعرض والاستهلاك للموسيقى وتأثير العناصر السياقية والظرفية على الحكم الفقهي هي من المباحث التي لا تزال تتطلب الحوار العلمي والفحص الأكثر عمقاً.
اختتمت هذه الندوة أعمالها في أجواء علمية وبطرح رؤى ونقود مختلفة حول نسبة وسائل الإعلام الحديثة وفقه الموسيقى. وكان أكثر ما أُكد عليه في هذه الندوة هو ضرورة إعادة التفكير في تشخيص موضوع فقه الموسيقى متناسباً مع التحولات الإعلامية وكذا استمرار الحوارات الاجتهادية حول تأثير العناصر السياقية والظرفية على استنباط الأحكام الفقهية؛ وهو موضوع يستطيع فتح آفاق جديدة أمام أبحاث الفقه المعاصر.
