ندوة علمية بمعهد دراسات الفقه المعاصر تناقش مسؤولية الفقيه الأخلاقية في تشكل الاعتقاد الفقهي، وقبوله، وإعلانه في ضوء أطر الأخلاق التطبيقية وأخلاقيات الاعتقاد
هل الفقيه مسؤول فقط أمام صحة استنباطه أم يتحمل أيضاً مسؤولية أخلاقية تجاه تشكل الاعتقاد الفقهي، وقبوله، وإعلانه؟ كان هذا السؤال، الذي يُعد من المسائل المستحدثة في فلسفة الفقه والأخلاق التطبيقية، المحور الرئيسي للندوة العلمية «أخلاقيات الاعتقاد الفقهي؛ التوجهات والأصول» المقامة برعاية فريق فقه المجتمع والأخلاق والتربية بمعهد دراسات الفقه المعاصر. وفي هذه الندوة، دافع حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد محمد باقر ميرصانع عبر تقديم مقالة عن ضرورة صياغة «أخلاقيات الاعتقاد الفقهي» بوصفها جزءاً من عملية الاجتهاد، ومؤكداً عبر تبيين التوجهات الثلاثة «الفضيلية»، «الواجبية»، و«الغائية» على الرؤية القائلة بأن عملية الاستنباط تتطلب ضوابط أخلاقية فضلاً عن القواعد المعرفية. وقد خضعت هذه الرؤية في الاستمرار للفحص والنقد من قبل ناقدي الندوة.

أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بأن الندوة العلمية «أخلاقيات الاعتقاد الفقهي؛ التوجهات والأصول» عُقدت برعاية فريق فقه المجتمع والأخلاق والتربية بهذا المعهد بتاريخ ٣ رمضان ١٤٤٦هـ؛ وهي ندوة جرى فيها سبر نسبة «الأخلاق» و«الاعتقاد الفقهي» من زاوية جديدة.

وفي هذه الندوة، سعى حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد محمد باقر ميرصانع، الأستاذ المساعد بقسم الأخلاق النظرية بمعهد القرآن والحديث البحثي، عبر تقديم مقالة «أخلاقيات الاعتقاد الفقهي؛ التوجهات والأصول» لتقديم إطار نظري لتبيين أخلاقيات الاعتقاد في عملية الاجتهاد، وتصدى في الاستمرار حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حسن بوسليكي، عضو المجلس العلمي بفريق فقه المجتمع والأخلاق والتربية بمعهد دراسات الفقه المعاصر، لنقد ومراجعة الرؤى المطروحة.

في بداية كلمته، اعتبر الدكتور ميرصانع الفكرة الرئيسية للمقالة ثمرة سنوات من الدراسة في الفقه والأصول، وقال: «العديد من المباحث المتابعة اليوم في العلوم الأخرى بشكل منسجم ومستقل موجودة في الفقه والأصول أيضاً، غير أنها أُطرحت بشكل متشتت وفي مطاوي المباحث المختلفة. فإذا جُمعت هذه المباحث ونُظمت، فيمكن الاستفادة من طاقة كلا العلمين لإثراء أحدهما الآخر».

وأشار إلى أن «أخلاقيات الاعتقاد» إحدى الفروع المستحدثة للأخلاق التطبيقية، موضحاً أن هذا الحقل يتحدث عن المسؤولية الأخلاقية للإنسان في تشكيل اعتقاداته، ويطرح هذا السؤال: هل يمكن قبول أي اعتقاد دون تحقيق ودليل كافٍ أم لا؟ وفي اعتقاده، فإن هذه المسألة ذاتها قابلة للطرح في عملية الاجتهاد أيضاً، وتملك أصول الفقه طاقة إنتاج نوع من «أخلاقيات الاعتقاد الفقهي» في ذاتها.

وأشار المحاضر في الندوة إلى آراء المرحوم الوحيد بهبهاني، متحدثاً عن وجود مجموعة من الضوابط الأخلاقية للاستنباط، وتصريحاً: «إن الاستبداد بالرأي، والوسواس الفكري، واللجاجة، والتمتع بروحية الإنصاف، ليست مجرد توصيات أخلاقية؛ بل هي مؤثرة في كيفية فهم الفقيه للأدلة أيضاً». وأضاف الأستاذ المساعد بقسم الأخلاق النظرية بمعهد القرآن والحديث البحثي مؤكداً أن «الأخلاق المهنية للفقاهة» لم تُدون بشكل مستقل بعد: «مثلما يجري الحديث عن الأخلاق المهنية لسائر المهن، ينبغي نشوء مثل هذا العلم حول الفقاهة أيضاً».

ثم تطرق حجة الإسلام والمسلمين ميرصانع لبيان أهم أسئلة أخلاقيات الاعتقاد الفقهي: «متى يكون من الصحيح أخلاقياً قبول اعتقاد فقهي ما؟ وهل الفقيه مكلف بوضع كل نتيجة يستنبطها من النصوص دون أي ملاحظة تحت تصرف المجتمع؟ وهل يمكن القاء أمر مشكوك فيه كـ سنة عملية للمعصومين (ع) للناس، أو حتى نشر حقيقة لا يصب بيانها في مصلحة المجتمع أو الدين دون تأمل؟»

وشرح في الاستمرار نظريته القائمة على التوجهات الثلاثة «الفضيلية»، «الواجبية»، و«الغائية». وفي رأيه، ففي التوجه الفضيلي يكون قبول الاعتقاد الفقهي موجهاً أخلاقياً عندما ينبع من فضائل كـ العدالة، والورع، والملكة القدسية. وفي التوجه الواجبي، المقياس الرئيسي هو طاعة الأمر الإلهي وسلوك المسار الصحيح لكشف الحكم، دون إدخال النتائج العملية للحكم في اعتباره. أما في التوجه الغائي، فإن التبعات والمصالح الناشئة عن الاعتقاد الفقهي تؤدي دوراً في قبوله أيضاً، ولا يستطيع الفقيه إهمال الآثار الاجتماعية والدينية لاعتقاده.

وأكد الدكتور ميرصانع على لزوم التماسك المبدئي في الاجتهاد تصريحاً: «إذا قبلنا التوجه الفضيلي فيجب علينا قبول كافة لوازمه؛ وإذا كنا غائيين فيجب علينا الالتزام بالمبنى نفسه في كافة فرآیند الاستنباط. لا يمكن أن نكون نتائجيين في جانب من الفقه وواجبيين صرفاً في جانب آخر، دون أن يتضح مبنى هذا التفاوت». كما اعتبر تجربة الفقه الحكومي أرضية لإعادة التفكير في هذه المسألة وأضاف: «يجب إضفاء الضابطة على هذا الحقل؛ ويجب تشكل أخلاقيات اعتقاد فقهية منسجمة لكي يتضح بأي منطق يصل الفقيه للاعتقاد الفقهي في كل حقل».

وفي قسم النقد، استقبل حجة الإسلام والمسلمين الموسوي كيا طرح هذا البحث، واعتبر أهم أسئلته ناظرة إلى نسبة هذه التوجهات الثلاثة بـ منهج الفقهاء، متسائلاً: «هل استخدم الفقهاء التوجهات الثلاثة متزامنة أم التزم كل منهم بتوجه خاص؟ وإذا كانت هذه التوجهات الثلاثة غير قابلة للجمع، فهل يجب على الفقيه اختيار أحدها فقط منذ البداية؟»

كما أكد عضو المجلس العلمي بفريق فقه المجتمع والأخلاق والتربية بمعهد دراسات الفقه المعاصر على أن الفقه كسائر العلوم يسعى لكشف الواقع، ولا ينبغي اعتبار «المعذورية» هي الهدف الرئيسي له. وبحسب قوله، فإن المعذورية في حال الخطأ هي لازمة عملية الكشف لا غايتها؛ ومن ثم لا ينبغي إلقاء أن الفقيه يسعى مجرد إيجاد طريق ليكون معذوراً بين يدي الله.

وفي استمرار الندوة، تصدى حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حسن بوسليكي أيضاً لطرح أسئلة حول ماهية «أخلاقيات الاعتقاد الفقهي»، مبيناً أن العديد من المباحث المطروحة ناظرة في الحقيقة لتعريف الفقه ذاته وعملية الاجتهاد لا كـ أمر خارج عنه؛ ومن ثم يجب أن يتضح هل أخلاقيات الاعتقاد علم برون-فقهي أم جزء من الهيكل الداخلي للفقاهة. كما أكد على ضرورة التفكيك بين «أخلاق الفقاهة»، و«أخلاق التقليد»، و«أخلاق العمل بالفقه».

وفي الختام، استقبل الدكتور ميرصانع النقود المطروحة، واعتبر مقالته بداية مسار لمزيد من الحوارات العلمية، تصريحاً: «ليست هذه المقالة نهاية البحث، بل بداية مسار بحثي. فالعديد من الأسئلة المطروحة في هذه الجلسة تتطلب دراسات مستقلة وحوارات أكثر عمقاً». وأضاف أن تنظيم مباحث أخلاقيات الاعتقاد الفقهي يستطيع المساعدة في مزيد من الشفافية لمبادئ الاجتهاد والتبيين الأكثر دقة لنسبة الأخلاق والفقه في القضايا المستحدثة.