إشارة: في ظل كون الفن الموسيقي أحد أكثر فروع الفنون تأثيرًا في المجتمع الإيراني، تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة وتحليل فقهي حديث لهذه الظاهرة أكثر من أي وقت مضى. تسعى إدارة الفضاء الافتراضي والفنون والإعلام التابعة لمكتب الإعلانات الإسلامية في محافظة خراسان، بالتعاون مع مجموعة فقه الثقافة والفنون والإعلام التابعة لمركز دراسات الفقه المعاصر، كمؤسسة رائدة في مجال التفاعل بين الدين والفن، إلى تحديث تحديد موضوع الموسيقى والنهج الفقهية المرتبطة بها من خلال تنظيم سلسلة من الجلسات المتخصصة بنهج علمي ومنضبط.
عُقدت الجلسة العلمية الـ٢١٠ لإدارة الفضاء الافتراضي والفنون والإعلام التابعة لمكتب الإعلانات الإسلامية في محافظة خراسان، بالتعاون مع مجموعة فقه الثقافة والفنون والإعلام التابعة لمركز دراسات الفقه المعاصر، يوم الأحد ٢٩ تير ١٤٠٤ هـ.ش (٢٠ يوليو ٢٠٢٥م) الساعة العاشرة صباحًا. تناولت الجلسة موضوع “العناصر الجديدة في تحديد موضوع الموسيقى ونهج حديث في فقه الموسيقى”، وقدّمها سماحة آية الله أبو القاسم عليدوست، أستاذ دروس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم، بإدارة السيد محمد جواد استاذي، رئيس إدارة الفضاء الافتراضي والفنون والإعلام التابعة لمكتب الإعلانات الإسلامية في محافظة خراسان.
في بداية الجلسة، رحّب السيد استاذي بسماحة آية الله عليدوست، مشيرًا إلى تاريخ وأهمية مكتب الإعلانات الإسلامية، ومؤكدًا أن هذا المكتب يسعى دائمًا للاستفادة من طاقات الحوزات العلمية لإقامة علاقة فعّالة بين احتياجات المجتمع الحديثة والمعرفة الدينية. وأضاف: “إن أحد الاحتياجات الأساسية اليوم هو الربط بين الفقه والفن، وهو أمر للأسف لم يُعطَ الاهتمام الكافي حتى الآن”.
استهل سماحة آية الله عليدوست كلمته بحمد الله وشكره، معبرًا عن تقديره لمنظمي الجلسة، ومشيرًا إلى تعقيد موضوع الموسيقى في الفقه. وأكد أن نهج هذه الجلسات يهدف إلى فتح آفاق جديدة مع الالتزام بالانضباط الفقهي. وأوضح أن الهدف من هذه السلسلة هو تقديم مباحث مبتكرة وعلمية تسهم في فهم أعمق وأكثر تطبيقًا لموضوع الموسيقى في الفقه الإسلامي، وليس مجرد إعادة سرد الآراء السابقة.
وفي معرض شرحه لتحديد موضوع الموسيقى، قال سماحته: “إن تحديد الموضوع في الفقه يعني تشخيص ما يترتب عليه الحكم الشرعي، ويجب فصله عن مصاديق الموسيقى التي نراها في الواقع”. وأوضح الفرق بين الغناء (الأداء الصوتي) والموسيقى (العزف على الآلات)، مشيرًا إلى ضرورة تناول الفقه للعناصر والموضوعات الحديثة في الموسيقى التي لم تكن مطروحة في الماضي، مثل دور الموسيقى كأداة للإضلال أو الهداية، ومفهوم “دفع الأفسد بالفاسد” في الإنتاجات الإعلامية والموسيقية، وتأثيراتها السياسية والاجتماعية.
وأكد سماحة آية الله عليدوست أن هذه المناقشات يجب أن تظل مبتكرة دون الخروج عن الإطار الفقهي والشرعي لتجنب أي انحراف.
وتناول سماحته تاريخ فقه الموسيقى بشكل موجز وموثق، مؤكدًا على شرطين أساسيين للنهج الحديث: “فتح الآفاق” و”الانضباط الفقهي”، مرحبًا بالنقد العلمي والنظريات المبتكرة. كما استعرض آراء اثنين من كبار الفقهاء الشيعة، المحقق السبزواري والشيخ الأنصاري، حول موضوع الموسيقى والغناء. فمن وجهة نظر السبزواري، ليس العزف على الآلات الموسيقية بحد ذاته محرمًا، بل الظروف والمقارنات المحرمة مثل اختلاط الرجال والنساء، عدم الحجاب، ومجالس اللهو هي التي تجعلها محرمة. أما الشيخ الأنصاري فقد نسب حرمة الموسيقى إلى كونها لهوًا ولغوًا وباطلاً، مؤكدًا أن الصوت الجميل والرفيع إذا لم يكن مصحوبًا باللهو، لا يمكن اعتباره محرمًا.
وتطرق سماحة آية الله عليدوست إلى موضوع الغناء، وناقش لغويًا ومن خلال الروايات والآيات القرآنية ذات الصلة، إجماع الفقهاء على حرمة الغناء، لكنه اعتبر هذه الحرمة “في الجملة”، أي قابلة للاستثناء. واستشهد بالآية ٢٩ من سورة لقمان حول “لهو الحديث”، واقترح إمكانية إعادة قراءة فقهية لهذا الموضوع بنظرة أدق تتماشى مع محتوى الصوت ونيته ونتائجه.
وفي ختام الجلسة العلمية، أكد سماحة آية الله عليدوست على ضرورة استمرار البحوث والجلسات المتخصصة، وأعلن عن تنظيم جلسات قادمة في قم تركز على سياسات الفقه الموسيقي ومبادئه من منظور سماحة القائد الأعلى. وأعرب عن شكره لدعم مكتب الإعلانات الإسلامية في محافظة خراسان ومركز دراسات الفقه المعاصر، معربًا عن أمله في أن تكون هذه السلسلة من الجلسات مقدمة لفتح آفاق علمية وفقهية جديدة في مجال الفن والموسيقى الإسلامية.
جدير بالذكر أن مكتب الإعلانات الإسلامية في محافظة خراسان قد خطط لعقد ثماني جلسات متخصصة في مجال الموسيقى خلال عام ١٤٠٤ هـ.ش (٢٠٢٥م). وتهدف هذه البرامج إلى دراسة الموسيقى علميًا وفقهيًا كفن له تاريخ طويل ودور محوري في الثقافة الإيرانية المعاصرة، وتبشر بإيجاد نهج جديد وعملي في مجال فقه الفن والإعلام، وخاصة الموسيقى.