الدكتور مهدي مقدادي داودي، في حوار خاص مع الفقه المعاصر:

الأصول العملية القضائية/1

الأصول العملية الشرعية تهدف بشكل رئيسي إلى حل المسائل الشرعية وخلق عذر أمام الشارع، ولكن يمكن في بعض الحالات الاستفادة من هذه الأصول لإثبات الأمور الدنيوية وموضوعات الحقوق المدنية، بشرط أن تكون متوافقة مع المبادئ القانونية والمعايير القانونية.

الفقه المعاصر: هل للفقه والحقوق المدنية أصول عملية خاصة بهما ومختلفة عن غيرها من فروع الحقوق مثل الحقوق الجزائية، الحقوق الدولية، والحقوق الدستورية؟

مقدادي داودي: نعم، للفقه والحقوق المدنية أصول عملية خاصة بهما تم تهيئتها وفقاً لموضوعات هذه المجالات. هذه الأصول تختلف، بناءً على خصائص واحتياجات الحقوق المدنية، عن الأصول المستخدمة في الحقوق الجزائية، الحقوق الدولية، والحقوق الدستورية.

في الفقه والحقوق، تُستخدم الأصول العملية كقواعد لرفع الشبهات وحل المشكلات، خاصة في الحالات التي لا توجد فيها قوانين وأحكام واضحة وقطعية. المقصود بالأصول العملية الخاصة هو أن هذه الأصول تم تهيئتها وفقاً لاحتياجات وخصائص مجال قانوني معين. كل مجال قانوني قد يكون له أصول عملية خاصة به تناسب مسائل وتحديات ذلك المجال.

في مجال الحقوق المدنية، تُستخدم أصول عملية مثل مبدأ البراءة، مبدأ الاحتياط، مبدأ الاستصحاب، ومبدأ التخيير بشكل أكبر لحل المشكلات والمسائل الغامضة في هذا المجال. هذه الأصول قد تختلف عن تلك المستخدمة في الحقوق الجزائية، الحقوق الدولية، أو الحقوق الدستورية، لأن كل مجال قانوني له خصائص واحتياجات مختلفة.

على سبيل المثال، في الحقوق الجزائية، تكتسب مبادئ مثل مبدأ البراءة ومبدأ التفسير لصالح المتهم أهمية أكبر، بينما في الحقوق الدولية، تُعطى الأولوية لمبادئ مثل احترام سيادة الدول والالتزام بالتعهدات الدولية. هذه الاختلافات تُظهر الحاجة إلى تهيئة واستخدام أصول عملية خاصة لكل مجال قانوني.

١-١. الأصول العملية الخاصة بالحقوق الجزائية

في الحقوق الجزائية، تم تهيئة الأصول العملية بشكل خاص لحماية حقوق الأفراد المتهمين وضمان محاكمة عادلة. من بين هذه الأصول:

  • مبدأ البراءة: وفقاً لهذا المبدأ، يُعتبر جميع الأفراد أبرياء حتى تثبت إدانتهم. هذا المبدأ الأساسي في الحقوق الجزائية يهدف إلى حماية المتهمين من الاتهامات الباطلة والحفاظ على حقوقهم الإنسانية.
  • مبدأ التفسير لصالح المتهم: في الحالات التي تكون فيها قوانين الحقوق الجزائية غامضة، يجب تفسير القوانين لصالح المتهم. هذا المبدأ يساعد في تقليل مخاطر العقوبات غير العادلة ويوفر حماية أكبر للمتهمين.

٢-١. الأصول العملية الخاصة بالحقوق الدولية

تتناول الحقوق الدولية العلاقات بين الدول والمؤسسات الدولية، ولها أصول عملية تم تهيئتها للحفاظ على التوازن واحترام سيادة الدول:

  • مبدأ احترام سيادة الدول: ينص هذا المبدأ على أن لكل دولة سيادة مطلقة على أراضيها وشؤونها الداخلية، ولا يجوز للدول الأخرى التعدي على هذه السيادة.
  • الالتزام بالتعهدات الدولية: وفقاً لهذا المبدأ، يجب على الدول الالتزام بالتعهدات الدولية التي أبرمتها والتقيد بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها.

٣-١. الأصول العملية الخاصة بالحقوق المدنية

تتناول الحقوق المدنية العلاقات بين الأفراد والمسائل الخاصة، ولها أصول عملية خاصة تم تهيئتها لحل النزاعات ورفع الغموض في العلاقات المدنية:

  • مبدأ الاستصحاب: يعني هذا المبدأ بقاء الحالة السابقة حتى يثبت العكس. يساعد هذا المبدأ في الحفاظ على الاستقرار والتنبؤ بالعلاقات القانونية، مثل استصحاب الملكية.

الفقه المعاصر: ما هي الأصول العملية الخاصة أو الأكثر استخداماً في الفقه المدني؟

مقدادي داودي: الأصول العملية الأكثر استخداماً في الفقه المدني تشمل مبدأ الاستصحاب، مبدأ البراءة، ومبدأ الاحتياط. هذه الأصول تساعد في حل المسائل الغامضة والاحتياجات القانونية في ظروف مختلفة.

  • مبدأ الاستصحاب: يعني بقاء الحالة القائمة حتى يثبت العكس. مثال: إذا ادعى شخص أن فرداً كان مالكاً لقطعة أرض في الماضي ولم يقدم دليلاً على تغيير الملكية، فإن مبدأ الاستصحاب يحكم بأن الملكية الحالية هي نفسها الملكية السابقة ما لم يثبت العكس.
  • مبدأ البراءة: يعني أن الفرد بريء حتى تثبت إدانته. مثال: إذا اتهم شخص بجريمة، فإن مبدأ البراءة يحكم ببراءته حتى تثبت المحكمة إدانته بأدلة قطعية وموثوقة.

الفقه المعاصر: هل يمكن باستخدام الأصول العملية الشرعية، التي أساسها خلق عذر أمام الشارع، إثبات الأمور الدنيوية المتعلقة بالحقوق المدنية؟

مقدادي داودي: الأصول العملية الشرعية تهدف بشكل رئيسي إلى حل المسائل الشرعية وخلق عذر أمام الشارع، ولكن يمكن في بعض الحالات الاستفادة منها لإثبات الأمور الدنيوية وموضوعات الحقوق المدنية، بشرط أن تكون متوافقة مع المبادئ القانونية والمعايير القانونية.

الفقه المعاصر: في ضوء الحلول الحديثة لكشف الحقيقة، هل لا يزال اللجوء إلى الأصول العملية في الحقوق المدنية أمراً مرغوباً، أم أن هذه الأصول وُضعت لزمن التشريع حين كانت وسائل كشف الحقيقة محدودة؟

مقدادي داودي: على الرغم من وجود حلول حديثة لكشف الحقيقة، تظل الأصول العملية ذات قيمة ومرغوبة، لأنها تُعدّ المبادئ الأساسية للحقوق المدنية في مواجهة المسائل الغامضة والمعقدة. ومع ذلك، يجب ملاحظة أن الحلول الحديثة يمكن أن تساعد في تكميل وتحسين تطبيق الأصول العملية.

بشكل عام، في الحالات التي لا يوجد فيها دليل قانوني للقاضي بشأن المسألة القانونية، ويكون علم القاضي حجة في هذه الحالات، فمن الواضح أنه لا يمكن الوصول إلى العلم من خلال الأدلة، لذا يجب اللجوء إلى الأصول العملية لحل المسألة القانونية وشكوى المدعي.

الفقه المعاصر: ما هي تحديات استخدام الأصول العملية في الفقه والحقوق المدنية؟ وما الحلول التي تقترحها لمعالجة هذه التحديات؟

مقدادي داودي: تشمل تحديات استخدام الأصول العملية في الفقه والحقوق المدنية ما يلي:

  • نقص التعليم والوعي: العديد من الطلاب والعاملين في المجال القانوني ليسوا على دراية كافية بالأصول العملية وكيفية استخدامها بشكل صحيح. يمكن معالجة ذلك من خلال تنظيم دورات تدريبية وإعداد ونشر كتب ومقالات تعليمية تشرح وتفسر هذه الأصول.
  • الحاجة إلى استشارة خبراء متعددين: تتطلب المسائل القانونية والمدنية المعقدة آراء واستشارات من خبراء في مجالات مختلفة. يمكن تشكيل لجان متخصصة وعقد جلسات استشارية منتظمة بحضور خبراء قانونيين واجتماعيين واقتصاديين، وهو ما تم تطبيقه عملياً في الإجراءات القضائية ويتطلب دراسة وتفسير وتأصيل الأصول العملية الجديدة بشأن المسائل القانونية. كما يُوصى بإنشاء أنظمة مراقبة وتقييم مستمرة لدراسة تأثير الأصول العملية على المسائل القانونية ومدى توافقها مع ظروف المجتمع.
Source: External Source