الحجة الإسلام والمسلمين غلامرضا حلواني يتناول في مقال خاص:

اصول الفقه الإعلام/15

نظراً لأن الإعلام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمور مثل الفن والثقافة، يجب عند صياغة المسائل أن نكون حذرين حتى لا يحدث تداخل بين مسائل هذه الفئات، وأن تُؤخذ بعين الاعتبار الأبعاد المختلفة لظاهرة ما، والتي تكون من جهة فنية ومن جهة أخرى ذات طابع إعلامي، عند تدوين الشبكة المذكورة؛ كما يجب أن يُطرح السؤال المتعلق بتلك الظاهرة في فقه الإعلام بناءً على بعدها الإعلامي، والسؤال المتعلق بها في فقه الفن بناءً على بعدها الفني.

إشارة

الأبواب الحديثة في الفقه المعاصر، مثل فقه الإعلام، قبل أن تكون بحاجة إلى تحليل فقهي وإجابات عالِمة، تحتاج إلى بيان دقيق لماهيتها والعناوين والشبكة الخاصة بمسائلها حتى يتمكن الباحث في هذا الباب الفقهي من الحصول على صورة صحيحة عنه. الحجة الإسلام غلامرضا حلواني، نائب رئيس مركز التعليم المتخصص للثقافة والفن الإسلامي، تناول في هذا المقال الخاص ماهية فقه الإعلام وعناوينه وشبكة مسائله.

الإعلام بمعنى أداة نقل الرسالة له تاريخ طويل في حياة الإنسان. النقوش الحجرية، والرسومات المنحوتة على جدران الكهوف، والتماثيل الحجرية والخشبية المتبقية من العصور القديمة، كلها دلائل على جهود الإنسان لإيجاد طرق لنقل رسالته إلى أقرانه؛ جهود لم تكن في البداية، بسبب بساطة احتياجات الإنسان، واسعة النطاق، وكانت تتشكل بأدوات اتصال بسيطة وأولية؛ ولكن مع تقدم الحياة الاجتماعية للإنسان وزيادة حاجته للتواصل مع أقرانه، ظهرت وسائل وأدوات أكثر تعقيداً، بحيث مع تنوع وتوسع احتياجات الاتصال، ظهر الإعلام بأشكال مختلفة وأصبح حقيقة شاملة في حياة الإنسان. إذا كان البشر في الماضي يستخدمون إنتاج الصوت، أو الإشارة، أو القيام بحركات معينة لأغراض مثل مواجهة العدو أو الصيد الجماعي، فمع تقدم الإنسان وحاجته إلى التعاون والتفكير مع الآخرين، انفتحت مجالات جديدة للتواصل تطلبت وسائل أكثر تطوراً وأدوات أكثر فعالية. لم يعد البشر بحاجة إلى التعاون والتواصل فقط لتأمين الطعام أو صد المهاجمين؛ بل أصبحوا بحاجة إلى وسائل اتصال مثل اللغة والكتابة والصورة وغيرها لممارسة السيادة وإدارة المجتمع، وإنتاج المنتجات الزراعية، وبناء المباني، والتعليم والأعمال الجماعية الأخرى التي تتطلب التعاون والتنسيق.

مع تقدم العلم والمعرفة البشرية، خضعت هذه الوسائل لتغيرات وتحولات جذرية واستمرت في تطورها بشكل أكثر كمالاً يوماً بعد يوم. أما اليوم، فقد اكتسبت الحياة الجماعية للإنسان أبعاداً واسعة ووجوهاً متنوعة. هذا التيار جعل الإعلام يدخل مرحلة جديدة من حياته وغطى جميع جوانب حياة الإنسان. الوسائل الاتصالية المتنوعة والواسعة، بقدرتها على إقامة الاتصال في أي لحظة وفي أي مكان وبأي عدد من الجمهور، وبإرسال محتوى وأخبار ورسائل لا حصر لها، أدت إلى إقامة رابط وثيق في عالم متنوع ومتعدد، وحولته إلى قرية متشابكة.

لكن في هذا السياق، الفقه، الذي تتمثل مهمته في استنباط الحكم الشرعي لأعمال المكلفين، وبالتالي هو علم تطبيقي يجب أن يخدم الحياة اليومية للبشر، لا يمكنه أن يبقى بعيداً عن هذه الحقيقة المتوسعة في العالم الجديد التي شملت جميع جوانب حياة المكلفين ويستمر في حياته التقليدية؛ بل يجب أن يدخل هذا العلم في كل مرحلة من الزمن وبالتوازي مع تغيرات حياة الإنسان وبالتالي تغيرات سلوكه، إلى الميدان الجديد المنفتح، وأن يسعى في مجال البحث الجديد لاستنباط الحكم الشرعي، وبهذه الطريقة يوضح تكليف المتشرعين. بالطبع، من الواضح أن هذه المهمة المهمة لا تتحقق من خلال بعض النقاشات الاستطرادية التي تُدرج بشكل متفرق بين الأبواب الفقهية الأخرى؛ بل بناءً على النقطة المذكورة أعلاه وأهمية الإعلام في العالم اليوم، من الضروري فتح باب فقهي منفصل لدراسة مسائل الإعلام الفقهية والبحث فيها بشكل مستقل. لذا، في هذه المرحلة، يجب الحديث عن باب فقهي جديد يُسمى فقه الإعلام، ومتابعة النقاش حول هذا الموضوع بهذا الشكل.

مع هذا الوصف، تأسيس باب فقهي وتوضيح حدوده وأبعاده وتدوينه وتفصيله إلى جانب تحديد الموضوعات والمسائل، هو عمل يتطلب في البداية جهداً ومجاهدة. يجب على من يقوم بهذا العمل، بالإضافة إلى إتقانه للمباني الفقهية وامتلاكه للمعرفة الأصولية، أن يكون لديه معرفة مناسبة بالموضوع المذكور حتى يتمكن من إجراء بحث فقهي شامل في المجال المطلوب واستخلاص أحكامه بشكل صحيح. لذا، الخطوة الأولى في هذا المجال هي الإحاطة ومعرفة الموضوع؛ بينما الخطوة التالية هي الحصول على مسائل هذا الباب والبحث فيها حتى يولد فقه الإعلام في النهاية وتجد أحكامه مكاناً خاصاً بها في جغرافيا الفقه.

في هذا المقال، بالإضافة إلى توضيح مختصر حول الإعلام ومعرفة أولية به، سنستعرض العناوين والمواضيع لهذا الباب الفقهي وكيفية ترتيب وتصنيف المباحث المطروحة فيه، ثم سنتناول شبكة مسائل فقه الإعلام وطريقة ترتيب وتدوين مسائل كل فرع من هذا المجال ونفحصها بشكل عام.

لتقديم قائمة بما يجب طرحه في باب فقه الإعلام، نحتاج إلى معرفة بالإعلام وعناصره وفروعه وأنواعه، وبناء بحثنا على هذا الأساس.

توضيح حول الإعلام

عرفنا الإعلام في بداية هذا المقال وقُلنا إن الإعلام هو كل أداة وطريقة ووسيلة تُستخدم لنقل الرسالة. كما أن الإعلام، في تصنيف، ينقسم إلى ثلاثة فروع: الإعلام المكتوب مثل الكتب والصحف والمجلات، والإعلام السمعي مثل الراديو والبودكاست، والإعلام السمعي-البصري مثل السينما والتلفزيون. من ناحية أخرى، وفقاً للتوضيح الذي قدمناه عن الإعلام، فإن الإعلام يتكون من ثلاثة عناصر أساسية: المحتوى أو الرسالة، والجمهور، والبستر الاتصالي.

عناوين فقه الإعلام

بناءً على هذا التوضيح، يمكننا تصنيف مباحث فقه الإعلام بشكل عام في قسمين: الرسالة والأداة، وبما أن الرسالة في الإعلام تنقسم إلى قسمين: الخبر والمحتوى (المفاهيم) – أي أن الإعلام أحياناً يلعب دوراً في نقل وتوصيل خبر وأحياناً في إيصال مفهوم – ففي الجزء المتعلق بالرسالة، نأخذ هذين الجانبين بعين الاعتبار ونقسم المباحث على هذا الأساس.

في المباحث المتعلقة بالخبر، تُناقش عناوين مثل صدق وكذب الخبر، كتمان الخبر، الشائعات، إشاعة الفاحشة وأمور مثل هذه التي تعد من أضرار ومخاطر الخبر، ويتم دراسة كيفية تحقق هذه الأمور في الإعلام. في المسائل المتعلقة بالمحتوى، تُفحص قضايا مثل المفسدة، البدعة، التضليل، ترويج اللا دينية واللا عفة الموجودة في الرسالة.

كما في المباحث المتعلقة بالأداة، نرتب النقاش بناءً على الفروع الثلاثة الأساسية للإعلام في ثلاثة مباحث: الإعلام المكتوب، والإعلام السمعي، والإعلام السمعي-البصري. في قسم الإعلام المكتوب، تُناقش مباحث مثل مراعاة حرمة الأسماء المتباركة في هذه السلسلة من الإعلام، مسألة حفظ أو إتلاف الكتب والكتابات الضالة، قراءة الكتابات المضللة ووضعها في متناول الآخرين؛ وفي الجزء المتعلق بالإعلام السمعي، الأحكام المتعلقة بأداء النساء والتحدث في الإعلام، تنفيذ البرامج مع الرجال، سماع صوت المرأة، الغناء والأناشيد؛ وفي المسائل المتعلقة بالإعلام السمعي-البصري، تُناقش الأحكام المتعلقة بحضور النساء ومشاركتهن مع الرجال، أحكام المكياج، المسائل المتعلقة بالموقع والديكور وغيرها.

شبكة مسائل فقه الإعلام

اليوم، يُعد تدوين شبكة المسائل خطوة أساسية ومهمة في البحث والتحقيق في الأعمال الفقهية. في تعريف، شبكة المسائل هي مجموعة المسائل التي تُستخلص من تحليل الأبعاد والعلاقات المختلفة لموضوع ما، وبالإجابة عليها يمكن الحصول على رؤية شاملة للموضوع. تتيح شبكة المسائل إحصاء المسائل بشكل منهجي وتوفر الأرضية اللازمة لإنتاج العلم الديني[١].

لهذا الغرض، يعد تدوين شبكة مسائل في فقه الإعلام ضرورياً، وكل جهد فقهي منسجم وشامل يتوقف على هذا الأمر المهم.

نقول، كما مر، إن الإعلام يتكون من أنواع وفروع: الإعلام المكتوب، والإعلام السمعي، والإعلام السمعي-البصري. كل فرع من هذه الفروع له فروع فرعية وأنواع متنوعة، بحيث يمكن ذكر وسائل إعلام كثيرة مثل الكتب، الصحف، الراديو، الهاتف، المنبر، السينما، التلفزيون، الإنترنت ووسائل الاتصال الأخرى.

في تدوين شبكة مسائل فقه الإعلام، نأخذ بعين الاعتبار الفروع والأنواع المذكورة، وفي البداية نستخلص المسائل التي تتعلق بجميع أنواع الإعلام كمسائل عامة، مثل المسائل المتعلقة بقيمة أدوات نقل الرسالة، ملكيتها، الملكية المعنوية للرسالة، المسائل المتعلقة بالإرث وما شابه. ثم ننتقل إلى المسائل الخاصة بكل نوع من الأنواع ونرتب لكل منها شبكة منسجمة من المسائل، مثل شبكة مسائل الكتاب، شبكة مسائل الصحيفة، شبكة مسائل السينما وغيرها.

في إعداد شبكة المسائل، يجب الانتباه إلى عدة نقاط:

١- نظراً لأن الإعلام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمور مثل الفن والثقافة، يجب عند صياغة المسائل أن نكون حذرين حتى لا يحدث تداخل بين مسائل هذه الفئات، وأن تُؤخذ بعين الاعتبار الأبعاد المختلفة لظاهرة ما، والتي تكون من جهة فنية ومن جهة أخرى ذات طابع إعلامي، عند تدوين الشبكة المذكورة؛ كما يجب أن يُطرح السؤال المتعلق بتلك الظاهرة في فقه الإعلام بناءً على بعدها الإعلامي، والسؤال المتعلق بها في فقه الفن بناءً على بعدها الفني.

٢- بما أن الإعلام أمر متخصص لا يستطيع الباحث الفقهي إدراك جميع جوانبه، وبالتالي لا يمكنه الحصول على رؤية واضحة لمسائله، فمن الضروري، إلى جانب البحث حول الإعلام ومعرفة أفضل به، الاستفادة من هموم ووجهات نظر أهل الإعلام والعاملين في هذا المجال من خلال طرق مثل المقابلات، الحوارات، العصف الذهني وما شابه، وبهذه الطريقة إضفاء طابع تطبيقي على المسائل الفقهية وسوقها نحو العملية.

٣- أُشير إلى أنه في تدوين شبكة مسائل فقه الإعلام، تُدرس مسائل كل قسم بشكل منفصل وتُدرج؛ ولكن بما أن بعض الأنواع لها تشابه وتطابق كبير مع بعضها البعض، وعلى الرغم من أنها في التصنيفات الرسمية للإعلام تُعتبر منفصلة عن بعضها، إلا أنه في تدوين المسائل يمكن إدراجها تحت عنوان عام واحد وعدم تخصيص قسم منفصل لكل منها. على سبيل المثال، الصحيفة والمجلة هما فرعان منفصلان من الإعلام المكتوب؛ ولكن في شبكة مسائل فقه الإعلام، بناءً على السبب المذكور، تُناقش وتُدرس تحت عنوان أو رقم واحد.

[١] . كاظمي مقدم إيمان، نظرية شبكة المسائل الخطوة الأولى لنموذج التحول في العلوم الإنسانية من منظور المنهجية، مجلة بحوث العلوم الإنسانية، ص١٦٤، العدد ١٤، ١٣٩٨ هـ. ش.

Source: External Source