أحمد رضا صفا

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/9

إذا اكتشفنا، كما فعل الشهيد الصدر، الأبعاد المختلفة للاقتصاد الإسلامي، سنصل إلى النتيجة بأن الاقتصاد الإسلامي لا بد أن يكون شعبياً؛ بمعنى أنه لا خيار له سوى أن يكون شعبياً! في هذا الاقتصاد، تكون الدولة مجرد مؤسسة رقابية وهادية وداعمة، ولها ثلاث مهام فقط: الهداية، والدعم، والرقابة.

إشارة: حجة الإسلام والمسلمين أحمد رضا صفا، أحد الأساتذة الشباب في الاقتصاد الإسلامي في الحوزة العلمية بقم. هو نائب معهد فقه الاقتصاد الطيبات، وقد أكمل دراسته الحوزوية حتى نهاية المستوى الرابع، كما حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة. وهو منذ سنوات يعمل في تدريس وبحث الاقتصاد الإسلامي، ومن كتبه «فقه الأدوات المشتقة» و«دراسة مشروع قانون البنوك في مجلس الشورى الإسلامي». في هذه الملاحظة الشفوية الخاصة، يتناول الأبعاد الفقهية لتأصيل الاقتصاد شعبياً. وهو يرى أن الاقتصاد الإسلامي لا محالة يتطلب التأصيل الشعبي.

الفقه والاقتصاد

تأصيل الاقتصاد شعبياً أحد المفاهيم المهمة التي طرحت في العقود الأخيرة في الاقتصاد الإيراني. يهدف تأصيل الاقتصاد شعبياً في الأساس إلى تعزيز دور الشعب في الاقتصاد، وتمكينهم من المشاركة في الجوانب الاقتصادية المختلفة مثل الاستثمار، والإدارة، والإنتاج، والملكية. يرتبط الفقه بالاقتصاد ارتباطاً وثيقاً. الاقتصاد في الأصل هو علم تخصيص الموارد المحدودة بشكل أمثل للحاجات غير المحدودة في مجالات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك؛ ومن ثم، فإن علم الاقتصاد علم سلوكي. من جهة أخرى، علم الفقه هو العلم الذي يبين الأحكام الشرعية لسلوكيات الإنسان في الحياة المادية والمعنوية؛ لذا يتلاقى الفقه والاقتصاد في السلوكيات الاقتصادية. هذا التلاقي يكون أحياناً مباشراً، مثل الصدقات العامة (الخمس، والزكاة، وغيرها)، والمعاملات، والصيد والذبح، والأطعمة والأشربة، والغصب، وإحياء الموات، واللقطة، والإرث، والديات، وغيرها؛ وأحياناً غير مباشر، مثل مسائل من أبواب النكاح، والنذر، والعهد، واليمين، وغيرها.

هذا التلاقي بين العلمين لا يعني أن نعتبرهما علماً واحداً، ونقول إن وجود فقه الاقتصاد ينفي وجود الاقتصاد الإسلامي. كلا، فلا تنافي بينهما.

الاقتصاد الإسلامي والتأصيل الشعبي

إذا اكتشفنا، كما فعل الشهيد الصدر، الأبعاد المختلفة للاقتصاد الإسلامي، سنصل إلى النتيجة بأن الاقتصاد الإسلامي لا بد أن يكون شعبياً؛ بمعنى أنه لا خيار له سوى أن يكون شعبياً! في هذا الاقتصاد، تكون الدولة مجرد مؤسسة رقابية وهادية وداعمة، ولها ثلاث مهام فقط: الهداية، والدعم، والرقابة. على سبيل المثال، في باب الزكاة، في طريقة الجباية والتخصيص، تم مراعاة الجوانب الشعبية تماماً؛ ففي طريقة التخصيص، ذكرت مصارف مثل المساكين والفقراء وابن السبيل، وكلها مصارف شعبية لا تعود إلى الدولة؛ وكذلك في طريقة الدفع، يمكن للأفراد أن يصرفوا مبلغ الزكاة بأنفسهم في المصارف التي حددها الشارع، وهذا يرفع عبئاً كبيراً عن كاهل الحاكمية. حتى في الضرائب والقطاع العام، سعى الاقتصاد الإسلامي إلى التأصيل الشعبي.

بناءً على الأحكام الشرعية المتنوعة، ندرك أن مذاق الشارع في الاقتصاد الإسلامي هو أن يتحمل الشعب العبء الاقتصادي قدر الإمكان، لا الدولة؛ وهذا ليس إلا تأصيلاً شعبياً للاقتصاد؛ لذا، كما قلنا، فإن دور الدولة يقتصر على الهداية والدعم والرقابة.

أركان الاقتصاد الإسلامي والتأصيل الشعبي

يقوم الاقتصاد الإسلامي على أمرين: إنتاج الثروة والتقدم الاقتصادي؛ ورفع التمييز والفقر أو العدالة الاجتماعية. بناءً عليه، قال سماحة القائد الأعلى إن كل أمر يتوافق ظاهرياً مع الفقه لكنه لا يؤدي إلى نمو الإنتاج والثروة والعدالة، فليس إسلامياً. كما أشارت إلى ذلك آيات القرآن الكريم أيضاً. على سبيل المثال، في آية الزكاة في سورة الحشر، يبين الله تعالى في النهاية سبب تشريع الزكاة بقوله: «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ»، وهو في الحقيقة يشير إلى ضرورة العدالة التوزيعية وعدم تراكم الثروة لدى فئة معينة.

تأصيل الاقتصاد شعبياً والخصخصة

تأصيل الاقتصاد شعبياً ليس بالطبع مرادفاً للخصخصة المجردة. كثير من عمليات الخصخصة التي تمت في السنوات الأخيرة لم تؤدِ عملياً إلى نقل الثروة إلى الشعب، ومن ثم فهي مرفوضة من منظور الاقتصاد الإسلامي. في نهاية الآية في سورة البقرة التي تتحدث عن تحريم الربا، يُبيَّن سبب هذا التحريم بقوله: «لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ»؛ أي لا يجوز أن يلحق الضرر بأي من طرفي المعاملة. في الخصخصة أيضاً، إذا كان التسعير غير صحيح وتم تقييم المال بثمن بخس، فإنه يؤدي إلى الإضرار ببيت مال المسلمين، ومن ثم يكون غير مشروع من منظور الاقتصاد الإسلامي. كذلك، إذا تم التنازل بطريقة لا تراعي العدالة، ولم يتمكن الجميع من المشاركة في المزايدة، فإنه مرفوض أيضاً من منظور الاقتصاد الإسلامي. هنا يقع على عاتق الدولة واجب الرقابة لضمان أن تتم الخصخصة وتأصيل الاقتصاد شعبياً بشكل صحيح.

تأصيل الاقتصاد شعبياً وتداول الثروة بين الأغنياء

لا ينبغي أن يتم تأصيل الاقتصاد شعبياً بطريقة تؤدي إلى تداول الثروة بين الأغنياء. الآية «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» تشير إلى هذا الخطر بالذات؛ لذا، إذا كان في المجتمع جزء من الشعب فقيراً، فمن الضروري إنشاء تعاونيات ليتمكن هؤلاء المستضعفون من العضوية فيها والاستفادة من مزاياها المالية.

Source: External Source