حجة الإسلام والمسلمین سید جواد حسینی‌خواه أثار:

فقه العلاقات الدولية: ماهيته، أبعاده وتحدياته/28

لا یُنتظر من فقه العلاقات الدولیة إدارة العلاقات الدولیة أو بیان القوانین الإداریة لساحة العلاقات الدولیة؛ بل إن فقه العلاقات الدولیة یتحدث فقط عن المبادئ والقیم والأحکام الواجبة التنفیذ لجعل ساحة العلاقات الدولیة مؤمنة.

إشارة: إن البشر لاستمرار حیاته یحتاج إلى الارتباط. ومع مراعاة عولمة الاتصالات، تغیرت احتیاجات البشر أیضاً، وبناءً على هذه الاتصالات تم عقد معاهدات بین الأمم. هناک بعض الگزاره‌ها فی الفقه قد تواجه هذا الارتباط بتحدیات؛ لذا فإن قدرة فقه العلاقات الدولیة فی هذا الصدد جدیرة بالاهتمام. فی هذا الشأن، جرت موقع شبکة الاجتهاد حواراً مع حجة الإسلام سید جواد حسینی‌خواه، حامل درجة الدکتوراه فی الفقه السیاسی بتخصص فقه العلاقات الدولیة من جامعة المصطفی. وقد تحدث فی هذا الحوار عن قدرة الفقه لحل مشکلات العلاقات الدولیة.

ما المقصود بفقه العلاقات الدولیة؟

أبدأ أولاً کمقدمة أن أقول: بعد انتهاء الحرب العالمیة الثانیة ونشوء النظام الدولی الجدید المتأثر بالأطراف المشارکة فی الحرب وتأسیس المنظمات الدولیة ومنظمة الأمم المتحدة، دخلت علاقات المجتمع العالمی مع الوحدات والفاعلین أکثر من الماضی فی مرحلة جدیدة، وأصبحت کیفیة العلاقات فی هذا المجتمع ذات أهمیة خاصة للدول والوحدات الأخرى مثل: المنظمات الدولیة، والشرکات متعددة الجنسیات، والأمم، والأفراد النخبة. إن المقصود الیوم من العلاقات الدولیة ومفهومها؛ مجموع الأعمال والسلوکیات المتبادلة بین وحدات المجتمع العالمی التی لها أبعاد سیاسیة وعسکریة واقتصادیة وثقافیة واجتماعیة بأهداف ودیة أو تفاهمیة أو تنافسیة فی المستویات الرسمیة وغیر الرسمیة.

أما بالنسبة لفقه العلاقات الدولیة، فینبغی القول إن مصطلح فقه العلاقات الدولیة فی النظرة الأولی مرکب من کلمتین: الفقه والعلاقات الدولیة؛ وقد قیل فی تعریف الفقه إنه: «علم بالواجبات والتکالیف المحددة على المسلمین فی الشریعة الإسلامیة من طریق الأدلة التفصیلیة للشریعة»؛ والعلاقات الدولیة کجزء ثانی من هذا المصطلح المرکب، تُعتبر تارةً أمراً واقعیًا وتارةً علماً. علم العلاقات الدولیة یُدرس من ثلاثة أبعاد: من منظور النظريات، یهتم بطبیعة ومحرکات المجتمع الدولی الرئیسیة، ومن منظور علم الاجتماع یهتم بفوضى المجتمع الدولی، ومن منظور التاریخ یطرح جریان الحیاة الدولیة وتغیر المجتمع الدولی.

لذا فإن فقه العلاقات الدولیة فرع من الفقه یعتمد على أسس خاصة واستخدام نموذج منهجی معین لتنظیم العلاقات بین الأمم والدول، ویستخرج و یقدم الأحکام الشرعیة العملیة الناظرة إلى هذا المجال؛ مواضیع مثل الدعوة والصلح والعقود و… من المواضیع التی تُبحث فی فقه العلاقات الدولیة.

بالطبع، یجب الالتفات إلى أن فقه العلاقات الدولیة لا یُنتظر منه إدارة العلاقات الدولیة أو بیان القوانین الإداریة لساحة العلاقات الدولیة؛ بل إن فقه العلاقات الدولیة یتحدث فقط عن المبادئ والقیم والأحکام الواجبة التنفیذ لجعل ساحة العلاقات الدولیة مؤمنة.

مع مراعاة بعض الفتاوی التی أصدرها الفقهاء التقلیدیون مثل نجاسة الکفار وعدم احترام مالهم ودمهم وفرجهم، هل یمکن أصلاً ترسیم العلاقات الدولیة من منظار الفقه؟

مع مراعاة ما قدم فی الجواب على السؤال الأول، یتضح أن فقه العلاقات الدولیة یتولی تنظیم العلاقات بین الدول والأمم لا العلاقات بین الأفراد؛ مع أنه بناءً على الرأی المشهور عند الفقهاء، فإن عصر الغیبة هو عصر الهدنة وترک الحرب، إذ إن الجهاد الابتدائی مشروط بحضور الإمام؛ ففی عصر الغیبة الذی لا یوجد فیه جهاد ابتدائی، تتابع الدولة الإسلامیة أهداف الإسلام من خلال إقامة علاقات سلمية وبناءً على الاحترام المتبادل، وفی هذه الحالة یکون مال الکفار ودمهم وفرجهم محترماً. التأمل فی آیات القرآن الکریم والروایات الواردة عن أهل البیت (علیهم السلام) ینقلنا أیضاً إلى هذه النتیجة أن الحکومة الإسلامیة یمکنها أن تعیش حیاة سلمية إلى جانب الکفار بعقد العقود والمیثاقات.

ما هی الأبواب الموضوعیة لفقه العلاقات الدولیة؟

أهم الأبواب الفقهیة فی هذا المجال هو باب الجهاد؛ وإن کان بالإمکان البحث عن مواضیع أخرى لمجال العلاقات الدولیة فی أبواب فقهیة أخرى؛ ولیس الأمر کذلک أن الأبواب الأخرى غیر مرتبطة بهذه الساحة؛ أبواب المعاملات والجزائیات من هذه الفئة.

ما هی أهم المسائل المطروحة فی فقه العلاقات الدولیة؟

فی تقسیم‌بندی عام یمکن الإشارة إلى الحالات التالیة: الاقتصاد السیاسی الدولی؛ فقه السیاسة الدولیة؛ فقه الأمن الدولی؛ فقه السیاسة الخارجیة والدیبلوماسیة؛ فقه المعلومات؛ فقه المقاومة؛ فقه الحقوق والالتزامات الدولیة والمسائل المرتبطة بحقوق الإنسان من أهم المسائل المطروحة فی هذا المجال.

من جانب آخر، مبادئ مثل أصل عدم التدخل فی الشؤون الداخلیة للدول، وأصل السلامة الإقلیمیة، وأصل استقلال الدول، وأصل المساواة من المبادئ الواجب مراعاتها فی العلاقات الدولیة من قبل الدول.

فی الدول الإسلامیة أیضاً، قاعدة نفی السبیل، وأصل دعم الشعوب المضطهدة، وأصل دعم الحرکات التحرریة، هی مبادئ یجب مراعاتها فی العلاقات الدولیة بناءً على التعالیم الإسلامیة.

هل لمناقشة تصدیر الثورة التی تجلت فی رسالة الإمام إلى غورباتشوف أسس فقهیة؟ شرح هذه الأسس.

بلا شک کذلک؛ إن دراسة إجمالیة لرسالة المرحوم الإمام إلى غورباتشوف ستوصلکم إلى هذا الأمر؛ وأنا أیضاً أشیر إجمالاً إلى بعضها:

أولاً: إن المضمون الرئیسی والأصیل لهذه الرسالة کان «الدعوة إلى الإسلام»؛ التی تبین ماهیة العلاقات الخارجیة من منظور الإسلام. برأیی، إن الإسلام فی علاقته بالمجتمعات غیر الإسلامیة لا یضع الأصل على الحرب ولا على الصلح؛ بل الأصل على الدعوة، وبعد ذلک یُختار الحرب أو الصلح. بلا تردد، إن أحد أهم الأهداف وربما الهدف الرئیسی لإرسال الأنبیاء هو الدعوة أیضاً. کان المضمون الأساسی للإمام الراحل أن المادیة وعالم الإلحاد والکفر لا یمکن أن یوصل الإنسان إلى النجاة والخلاص؛ لذا دعا غورباتشوف إلى الإسلام، وفی هذه الرسالة لم یُذکر شیء من المسائل السیاسیة مثل القرار أو الوقف الإطلاق النار أو …، وفقط فی جملة واحدة أشار إلى موضوع أفغانستان فقال: إذا تعرفتم على الإسلام، فلن تفکروا بهذه الطریقة فی أفغانستان وستعیدون النظر. وقد جاء فی جزء من الرسالة: «جناب السید غورباتشوف، الآن بعد ذکر هذه المسائل والمقدمات أطلب منکم أن تبحثوا وتتحققوا عن الإسلام بجدیة. وهذا لیس بسبب حاجة الإسلام والمسلمین إلیکم، بل بسبب القیم العالیة والعالمیة للإسلام التی یمکن أن تکون وسیلة للراحة والنجاة لجمیع الأمم وتحل المشکلات الأساسیة للبشریة.»

کما أن الإمام الراحل فی نهایة الرسالة، مع الترکیز على قوة جمهوریة إیران الإسلامیة کمرکز عالمی للإسلام، قال: «فی جمیع الأحوال، بلدنا کما فی الماضی یؤمن بحسن الجوار والعلاقات المتبادلة ویحترمها». هذا الکلام أیضاً مبنی على أصل الحیاة السلمية والعلاقات المتبادلة التی هی من أهم مواضیع تفاعل الدول والمجتمعات وتؤثر على کیفیة صیاغة منظومات العلاقات الإنسانیة.

إن بررسی الآیات والتعالیم الدینیة یظهر أن الإسلام کمدین عالمی یرید تشکیل الاتصالات الإنسانیة، وهذه الاتصالات لیست ممکنة إلا بإرساء الشروط والأرضیات للتفاعلات والتعاونات السلمية. خاصة أن الجزء الأکبر من سکان العالم هم غیر المسلمین، والاقتضاء العقلی أیضاً یحکم بإقامة الارتباط معهم لتحقیق الأهداف العالیة للإسلام لجمیع البشر.

Source: External Source