هل یکفی مجرد البلوغ للمسؤولیة الجنائیة؟

دراسة شرط الرشد فی المسؤولیة الجنائیة فی جلسة معهد دراسات الفقه المعاصر

عُقدت الجلسة العلمیة الثانیة لمعهد دراسات الفقه المعاصر حول محور «الرشد فی الأمور الجنائیة». فی هذه الجلسة التی حضرها أساتذة الجامعة والحوزة العلمیة فی قم، تم بررسی الأبعاد الفقهیة والحقوقیة والدولیة لموضوع الرشد الجنائی.

إشارة: وفقاً لتقریر قاعدة الإعلام لمعهد دراسات الفقه المعاصر، فی الجلسة الخامسة والخمسین بعد المئتین لهذا المعهد، استعرض الدکتور أحمد حاجی ده‌آبادی، الأمین العلمی للجلسة، تاریخ التشريع بعد الثورة، واعتبر المادة ۹۲ من قانون العقوبات الإسلامی نقطة تحول فی الاهتمام بشرط الرشد. کما أکد حجة الإسلام والمسلمین الدکتور سعید رهایی على أن «الإرادة یجب أن تکون مبنیة على الوعی»، وذکّر بأن الأطفال والمجانین یفتقران إلى هذه الإرادة. وأشار إلى النتائج العلمیة والوثائق الدولیة، مشدداً على أن الرشد الجنائی أمر تدریجی، ولا یمکن جعل مجرد البلوغ الجسمی معیاراً للمسؤولیة الجنائیة التامة.

فی بدایة الجلسة، أشار أمین الجلسة، الدکتور أحمد حاجی ده‌آبادی، إلى أهمیة موضوع الجلسة قائلاً: «هذه الجلسة هی الثانیة التی یتولی معهد الفقه المعاصر فیها مناقشة موضوع الرشد فی الأمور الجنائیة المهم جداً».

عضو هیئة التدریس فی جامعة طهران، مع استعراض تاریخ التشريع فی إیران، أضاف أنه بعد الثورة، دخل سن البلوغ الشرعی وفقاً للرأی المشهور عند الفقهاء فی القوانین، لکن السؤال الدائم کان: هل یکفی مجرد البلوغ الشرعی لتنفیذ الحدود والقصاص، أم یجب إثبات شرط الرشد أیضاً؟ أشار حاجی ده‌آبادی إلى المادة ۹۲ من قانون العقوبات الإسلامی المصدق عام ۱۳۹۲، واعتبرها نقطة تحول فی هذا المجال.

في المتابعة، قدم حجة الإسلام والمسلمین الدکتور سعید رهایی، أستاذ الدرس الخارج وأستاذ مشارک فی جامعة مفید، آراءه. وأکد على الارتباط بین الفقه والواقعیات الاجتماعیة والتطورات الدولیة قائلاً: «یجب أن تکون القاعدة مطابقة للواقع. إذا لم تکن مطابقة للاتفاقیات الدولیة، فسوف نواجه مشکلات فی العلاقات الدولیة».

أستاذ مشارک فی جامعة مفید، مع تحلیل مفهوم المسؤولیة الجنائیة، شرح دور الرشد فی نسبة الجریمة إلى الفرد، وأضاف: «لتحقق العنصر النفسی للجریمة، یجب أن تکون الإرادة مبنیة على الوعی؛ الطفل أو المجنون من المنظور العقلائی لیس صاحب هذه الإرادة».

الدکتور رهایی، مشیراً إلى الوثائق الدولیة والتجارب العینیة، شرح الأبعاد المعقدة لمسؤولیة الأطفال الجنائیة: «هذا المصداق مذکور فی نظام روما الأساسی للمحکمة الجنائیة الدولیة. مشکلة الأطفال لیس فقط عدم فهم الحکم؛ أحیاناً لا یفهمون الموضوع أصلاً. رأینا مراهقین فی سن ۱۵ أو ۱۶ عاماً متهمین بجرائم لا یعرفون معناها، مثل المحاربة مع الله. هذا یظهر أن مشکلة فهم الموضوع جدیة».

وأضاف: «أحیاناً لا یفهم الطفل حتی حرمة عمل ما، لأنه نشأ فی بیئة أصبحت فیه السلوکیات الخاطئة عادیة له. فی المقابل، بعض الأطفال أذکیاء ولدیهم قدرات فنیة، لکن تفکیرهم لا یسیطر بعد على عواطفهم. الرشد الجنائی لیس فقط فهم الموضوع والحکم، بل قدرة السیطرة على الانفعالات والأعمال أیضاً».

أستاذ الدرس الخارج وأستاذ مشارک فی جامعة مفید، ثم أشار إلى النتائج العلمیة: «الرشد لیس أمراً دفعیًا؛ قد یصل الطفل الیوم إلى البلوغ الجسمی لکنه لا یزال یفتقر من الناحیة العقلیة والنفسیة إلى قدرة اتخاذ القرار الصحیح. النتائج الطبیة تظهر أن تکامل الغشاء الرمادی للدماغ، خاصة فی الجزء الأمامی، یستمر حتى سن ۲۱ إلى ۲۴ عاماً تقریباً. لذا لا یمکن قبول المسؤولیة الجنائیة التامة للأطفال والمراهقین فی الأعمار المنخفضة».

فی قسم الأسئلة والأجوبة فی الجلسة، سأل أحد الحاضرین عن روایة الإمام الباقر علیه السلام ومفهوم «المدرک». قال: «الإدراک فی هذه الروایة بمعنى البلوغ؛ لکن التحدی الرئیسی هو مفهوم الحدود التامة. هل المقصود تنفیذ العقوبات کاملة أم شمول القوانین؟»

أکد الدکتور رهایی فی جوابه: «إن الله فی الروایات جعل العقل معیار الأحکام والعقوبات. لا یمکن قبول أن یکون لفرد لا یملک عقلاً کاملاً من الناحیة النفسیة مسؤولیة کاملة وتُجرى علیه عقوبة کاملة».

فی النهایة، طرح الدکتور شریفی والدکتور أحمدزاده أسئلة حول الجانب الرادع للعقوبات، ومعاییر الرشد العینیة، وارتباط البلوغ بالمسؤولیة الجنائیة. أجاب الدکتور رهایی: «العقوبات، إلى جانب جانبها الرادع، یجب أن تکون مصحوبة بمراعاة حقوق الطفل. البلوغ علامة على المسؤولیة الجنائیة النسبية، لا المطلقة. السن لیس معیاراً عینیاً، بل علامة حقوقیة. المعیار الحقیقی هو السلوک الاجتماعی والعرفی للفرد».

أمین علمی الجلسة، فی تلخیص نهایة الجلسة، أعلن: «نأمل أن یقوم معهد الفقه المعاصر بتدوین ونشر هذه المناقشات؛ لأنها ستکون مفیدة جداً. فی الدورة القادمة، سیکمل الدکتور رهایی مناقشة حقوق الدولی، ثم ندخل القسم الفقهی لدراسة الأدلة على اشتراط الرشد فی المسؤولیة الجنائیة».

Source: External Source