سيد كاظم سيدباقري

الحكم الشرعي في الحفاظ على الموارد الطبيعية من منظور الفقه الإمامي/8

يُعَدُّ التشريع وتنفيذ الأنظمة البيئية خطوة مهمة في هذا المجال، حيث يمكن الإشارة إلى إصدار وتطبيق قوانين صارمة تهدف إلى منع تلوث الهواء والماء والتربة ومكافحة إزالة الغابات، فضلاً عن الرقابة على الصناعات والأنشطة الاقتصادية للحد من الملوثات والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما يجب من ناحية أخرى فرض غرامات وعقوبات شديدة على المخالفين البيئيين لردع التدمير البيئي.

إشارة: يرى العديد من الناشطين في المجال البيئي أن جزءاً مهماً من تدمير الموارد الطبيعية يعود إلى سوء إدارتها من قبل السلطة الحاكمة؛ وعليه يمكن القول إن حوكمة الموارد الطبيعية تُعد من المسائل المهمة في منع هدرها. في هذه الورقة البحثية المخصصة لموقع “الفقه المعاصر”، يتناول حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سيد كاظم سيد باقري، رئيس مجموعة السياسة في معهد الثقافة والفكر الإسلامي، بيان متطلبات الحوكمة اللازمة للحفاظ على الموارد الطبيعية.

في الفكر الإسلامي، ورد تأكيدٌ على البيئة والحفاظ عليها، حيث يرى القرآن الكريم أن الفساد في البر والبحر هو نتيجة لما كسبت أيدي الناس: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (سورة الروم: الآية ٤١). وفي الحديث النبوي الشريف: “إن من الملعونين من ألقى جيفة أو أذى في طريق المسلمين أو في ظلهم أو في منزل نزولهم”. (بحار الأنوار، ج٧٥، ص٢٣٤). وبما أن البيئة من الأمانات الإلهية الموضوعة بين يدي الإنسان، فإن حمايتها في النظام الإسلامي ليست مسؤولية قانونية وإدارية فحسب، بل هي تكليف شرعي وأخلاقي أيضاً. ومن منظور الفكر السياسي الإسلامي، تلتزم الحكومة الإسلامية بحماية الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي والصحة البيئية للأجيال الحالية والقادمة.

وقد أكدت المادة الخمسون من الدستور على حماية البيئة، ونصت على أن “حماية البيئة في جمهورية إيران الإسلامية، التي يجب أن ينعم فيها الجيل الحالي والأجيال المقبلة بحياة اجتماعية متنامية، تُعد واجباً عاماً. وعليه تُحظر أي أنشطة اقتصادية أو غير اقتصادية تكون مصحوبة بتلويث البيئة أو تدميرها بشكل لا يمكن تعويضه.” واستناداً إلى ذلك، ورد التأكيد على أن جميع مستخدمي مصادر التلوث الثابتة للهواء ملزمون بالتقيد بالحدود المسموح بها لانبعاث الملوثات في غرف المحركات وأنظمة الاحتراق التابعة لهم. كما أن هذه المراكز مُلزمة، مع اتخاذ التدابير اللازمة لمنع انبعاث الملوثات في الهواء الطلق، باستخدام الوقود المناسب (ويفضَّل الغاز البلدي)، وهي ملزمة بإجراء فحص فني سنوي لنظام غرفة المحركات وأنظمة الاحتراق لديها من قبل شركات معتمدة من المعهد الوطني الإيراني للمعايير، بما يتوافق مع الحدود المسموح بها لانبعاث الملوثات. وينص قانون حماية وتحسين البيئة على أن “كل عمل يؤدي إلى تلويث البيئة محظور”.

ويمكن تحديد أهم واجبات الحكومة في هذا الصدد من خلال عدة محاور، يُشار إلى بعضها في ما يلي:

يُعَدُّ التشريع وتنفيذ الأنظمة البيئية خطوة مهمة في هذا المجال، حيث يمكن الإشارة إلى إصدار وتطبيق قوانين صارمة تهدف إلى منع تلوث الهواء والماء والتربة ومكافحة إزالة الغابات، فضلاً عن الرقابة على الصناعات والأنشطة الاقتصادية للحد من الملوثات والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما يجب من ناحية أخرى فرض غرامات وعقوبات شديدة على المخالفين البيئيين لردع التدمير البيئي.

ويتمثل بعدٌ آخر لواجب الحكومة الإسلامية في الجانب البرمجي وترويج الثقافة البيئية في المجتمع الإسلامي. يتعين على الحكومة أن تخطو في هذا الطريق المهم من خلال التوعية العامة بأهمية حماية البيئة عبر وسائل الإعلام والمدارس والجامعات، وتشجيع الناس على الاستهلاك الأمثل والاستخدام الصحيح للموارد. ووفقاً للقوانين البيئية، “تلتزم مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية ووسائل الإعلام الحكومية الأخرى بنشر وبث البرامج المُنتَجة في مجال التوعية وبناء القدرات والتعليم والإعلام المعتمدة من قِبَل المنظمة فيما يتعلق بالتوعية بمكافحة ظاهرة تلوث الهواء وأحداث الغبار والعواصف الترابية، في حال مراعاة الضوابط الإعلامية فيها، في صورة إعلانات أو برامج تعليمية إعلامية، مقابل خمسين بالمائة (٥٠٪) من الأجر”. وفي هذا الإطار، يكتسي الاعتماد على الاقتصاد الأخضر ودعم التكنولوجيات الحديثة للحد من التلوث واستخدام الطاقات المتجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح) أهمية خاصة.

ومن المهام المهمة الأخرى في هذا المجال، إدارة الأزمات البيئية التي تشمل مكافحة الجفاف، وتلوث المياه، وهبوط التربة، والعواصف الترابية. ويتطلب التعامل مع الأزمات استخدام الإمكانات والمعدات المتطورة والتقنيات الحديثة، ولا يمكن الاكتفاء بأدوات وإدارة الأساليب التقليدية. ويندرج تحت هذا إنشاء أنظمة إنذار مبكر للكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل.

وتتمثل مناقشة ومهمة مهمة أخرى للحكومة الإسلامية في تنفيذ العدالة البيئية، ودعم حقوق الناس، ومنع التمييز البيئي. ويمكن هنا تحليل دعم المناطق الأقل نمواً في هذا المجال؛ حيث يمكن تحقيق هذه المسألة من خلال الاستفادة من مشاركة المواطنين والمنظمات غير الحكومية في صنع القرارات البيئية. فتحقيق العدالة في المجال البيئي يمكن أن يضمن حقوق الناس في الوصول إلى هواء نقي ومياه صحية وبيئة سليمة.

وبالتالي، يتعين على الحكومة الإسلامية أن تلعب دوراً فاعلاً في حماية البيئة من خلال سيادة القانون، والتنمية المستدامة، والمشاركة الشعبية، ونشر ثقافة بيئية قائمة على العدالة. وهذه المسؤولية ليست مجرد واجب حكومي، بل هي جزء من العدالة الاجتماعية والتكليف الديني الرامي إلى حفظ الأمانة الإلهية للأجيال القادمة.

Source: External Source