حجة الإسلام والمسلمین سید محمد رضا شریعتمداری الجزائری، في حوار خاص مع فقه معاصر:

الأصول العملية القضائية/12

إذا أدت الوسائل الجديدة لإثبات الجريمة إلى القطع بثبوت الجريمة، فلا مجال بعد لذلك للقواعد. إن القواعد والمبادئ العملية تجري في موضع الشك، أما في موضع القطع واليقين فلا تجري المبادئ العملية. إذا توفر لدينا ما يوجب حصول القطع لدى القاضي بأن الجريمة قد وقعت، فلا مجال للمبادئ العملية؛ أما إذا لم تؤد هذه الوسائل إلى القطع، فيجب العمل بالمبادئ العملية، ولا تأثير للزمن القديم أو الجديد في ذلك.

إشارة: حتى لو لم يمكن اعتبار أهم تطبيق للمبادئ العملية في الفقه الجزائي، فإنه بالتأكيد من أكثر تطبيقات هذه المبادئ في هذا الباب الفقهي. ورغم الكلام الكثير عن المبادئ العملية في علم أصول الفقه، إلا أن البحث في المبادئ العملية الخاصة بالفقه الجزائي كان أقل. يقوم حجة الإسلام والمسلمین سید محمد رضا شریعتمداری الجزائری منذ سنوات طويلة بتدريس الأصول والفقه في الحوزة العلمية في قم وفي مختلف المدن. هذا المدرس في جامعة باقر العلوم يتناول في هذا الحوار الخاص بيان هذه المبادئ العملية الخاصة. يرى نائب البحث السابق في معهد التعليم العالي الحوزوي الإمام الرضا (ع) أن الفقه الجزائي له قواعد خاصة به، كما له مبادئ عملية تكون أكثر تطبيقاتها في هذا الباب الفقهي. وفيما يلي نص الحوار الخاص لفقه معاصر مع هذا الأستاذ والباحث في الحوزة والجامعة:

فقه معاصر: هل للفقه والحقوق الجزائية مبادئ عملية خاصة بها ومختلفة عن باقي الأبواب الحقوقية مثل الحقوق المدنية والحقوق الدولية والحقوق الدستورية؟

شریعتمداری الجزائری: القواعد الجزائية قواعد خاصة مخصوصة بالفقه الجزائي ولا تجري في الأبواب الأخرى؛ مثل قاعدة الدرء.[١] لا شك أن أشهر قاعدة في باب الحدود ـ التي طرحت أولاً في باب الحدود ثم نوقش توسعها إلى التعزيرات وسائر العقوبات ـ هي قاعدة الدرء. ظاهر أصحاب الإمامية والفقهاء حتى أهل السنة قبول هذه القاعدة والتسالم عليها؛ بحيث اعتبرها المرحوم آية الله السبزواري «من القواعد التي أرسلوها إرسال المسلمات وجعلوها مما استدل بها لا عليها» (السبزواري، ١٤١٧هـ: ٢٢٦) وغير محتاجة إلى بحث وتمحيص مستنداتها؛ ومع ذلك، فإن فقيهاً كبيراً من فقهاء الإمامية مثل المرحوم آية الله الخوئي لا يرى رواية «ادرءوا الحدود بالشبهات» صحيحة ولا يقول بهذا العموم. (الخوئي، ١٣٩٦هـ: ١٣٦، ١٦٨، ١٦٩، ١٧١، ٢٣٣، ٢٣٤، ٣٢٩) وبعضهم يتردد في أن تكون هذه القاعدة تعبر عن أمر جديد. ومن أهل السنة، عبارات ابن حزم الأندلسي تدل على عدم قبول هذه القاعدة.

تعبر هذه القاعدة عن أنه كلما حدث شبهة في جريان حد مثل حد اللواط أو حد السرقة، سواء كانت شبهة حكمية أو موضوعية، لا يجري الحد. هذه القاعدة خاصة بالفقه الجزائي ولا تجري في موضع آخر.

القاعدة الأخرى، قاعدة الوزر. تؤكد هذه القاعدة على شخصية العقوبة وعدم ملاحقة شخص آخر عن جرم كل شخص. هذه القاعدة التي عنوانها مستمد من الآية «لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»، من المسلمات الإسلامية عند الشيعة وأهل السنة، وتعد من المبادئ المكتوبة في الأديان السماوية قبل الإسلام؛ أي أن الله تعالى يريد أن يقول إن مسؤولية كل شخص عن عمله معه، وكل مجرم يتلقى العقوبة التي يستحقها بنفسه، ولا علاقة لها بمن لم يشارك في ذلك العمل. هذه القاعدة أيضاً خاصة بالفقه الجزائي.

القاعدة الأخرى، قاعدة الحرز. مفاد هذه القاعدة أن كل من سرق مالاً في حرز يجري عليه الحد. من الشروط التي ذكرت لقطع يد السارق، أن يكون المال المسروق محرزاً. بعبارة أخرى، في السرقة لا ينفذ حد قطع اليد إلا إذا خرج المال المسروق من الحرز. ولذلك يمكن التعبير عنها بـ «لا قطع إلا في حرز» كقاعدة كلية في تنفيذ حد السرقة، بأنه إذا لم يكن من حرز فلا حد. هذه القاعدة أيضاً خاصة بالفقه الجزائي.

القاعدة الأخرى، قاعدة اللوث والقسامة. مفاد هذه القاعدة أنه إذا قتل شخص وطلب المدعي بالقتل من القاضي القصاص من القاتل، لكن لم يثبت للقاضي قاتلية الشخص لأسباب ما، فيجب اللجوء إلى قاعدة القسامة. هذه القاعدة أيضاً خاصة بالقصاص وبالتالي بالفقه الجزائي.

فقه معاصر: ما هي المبادئ العملية الخاصة أو الأكثر تطبيقاً في الفقه الجزائي؟

شریعتمداری الجزائری: بالإضافة إلى القواعد التي ذكرت، هناك قواعد ومبادئ أخرى، وإن لم تكن خاصة بالفقه الجزائي، إلا أن أكثر تطبيقاتها في هذا الباب الفقهي، أو أن لها تطبيقاً كبيراً فيه. من هذه القواعد، قاعدة الإكراه.[٢] تعبر قاعدة الإكراه عن أنه إذا وقعت أمور مثل القتل، الضرب، الزنا، شرب الخمر، اللواط وما شابهها التي تستلزم جريان الحد، عن إكراه، فلا حد عليها.

ورغم أن هذه القاعدة منتشرة في جميع أبواب الفقه، إلا أن أكثر تطبيقاتها في الفقه الجزائي. كذلك قاعدة البراءة التي مفادها حديث الرفع «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما لا يطيقون»، فإن أكثر تطبيقاتها أو من أكثر تطبيقاتها في الفقه الجزائي.

فقه معاصر: هل يمكن إثبات العقوبات الدنيوية بمبادئ عملية شرعية أساسها إنشاء عذر عند الشارع؟

شریعتمداری الجزائری: يتبادر إلى الذهن أولاً أن المبادئ العملية تنفي التكليف لا أنها تثبته وتنجزه؛ لكن رغم أنها في غالب الحالات تنفي التكليف، إلا أنها في بعض الحالات تثبت التكليف. من هذه الحالات قاعدة الميسور[٣] التي تعبر عن إثبات الحكم. والقاعدة الأخرى قاعدة القسامة التي بموجبها إذا حلف خمسون شخصاً تثبت القتل. أو في قاعدة الحرز، إذا ثبت أن السرقة في حرز ثبت الحد. كذلك في قاعدة «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» التي بموجبها إذا اعترف شخص بارتكاب جريمة بشروط معينة ثبتت الجريمة عليه.

فقه معاصر: بالنظر إلى الوسائل الحديثة لاكتشاف الجريمة واكتشاف الواقع، هل لا يزال اللجوء إلى المبادئ العملية الجزائية أمراً مرغوباً، أم أن هذه المبادئ وضعت لزمن التشريع الذي كانت فيه طرق اكتشاف الجريمة واكتشاف الواقع محدودة؟

شریعتمداری الجزائری: إذا أدت الوسائل الجديدة لإثبات الجريمة إلى القطع بثبوت الجريمة، فلا مجال بعد لذلك للقواعد. إن القواعد والمبادئ العملية تجري في موضع الشك، أما في موضع القطع واليقين فلا تجري المبادئ العملية. إذا توفر لدينا ما يوجب حصول القطع لدى القاضي بأن الجريمة قد وقعت، فلا مجال للمبادئ العملية؛ أما إذا لم تؤد هذه الوسائل إلى القطع، فيجب العمل بالمبادئ العملية، ولا تأثير للزمن القديم أو الجديد في ذلك.

فقه معاصر: ما هي التحديات في استخدام المبادئ العملية في الفقه والحقوق الجزائية؟ وما هي الحلول التي تقترحونها لهذه التحديات؟

شریعتمداری الجزائری: التحديات كثيرة. منها القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية لتحديد الجريمة أو التعزير. أحياناً تتعارض هذه القوانين مع الأحكام الشرعية وفتاوى الفقهاء. فماذا يفعل القاضي؟ هل يعمل بمضمون القانون أم بما هو فتوى الفقهاء.

التحدي الآخر، الفتوى المعيارية للقوانين الجزائية. في الفقه الجزائي هناك اختلافات كثيرة بين الفقهاء في تحديد الحد والتعزير وموارده. فبناءً على أي فتوى يجب وضع القانون؟

التحدي الآخر، معارضة المجتمع الدولي والحضارة الحديثة لبعض العقوبات مثل القتل، الإعدام، الرجم والقصاص. يبدو أنه في هذه الحالات يجب العمل برأي الولي الفقيه. رأي الولي الفقيه أحياناً تثبيت الحكم نفسه وأحياناً تغيير الحكم الشرعي مع مراعاة المصالح.

[١] قاعدة الدرء قاعدة فقهية تقضي بتوقف تنفيذ الحدود عند وجود شبهة. وفقاً لهذه القاعدة، في الحالات التي يكون فيها وقوع الجريمة أو نسبتها إلى المتهم أو استحقاقه للعقوبة مشكوكاً فيه لجهة ما، تسقط الجريمة والعقوبة.

[٢] الإكراه: إجبار الشخص على فعل شيء لم يكن ليفعله لولا خوفه من الضرر الناتج عن تهديد المكره. الإكراه كقاعدة فقهية مشهورة عند الفقهاء، ويترتب عليها أحكام وآثار مثل رفع المسؤولية الجزائية عن المكره وضمان ومعاقبة المكره ـ في غير القتل.

[٣] قاعدة الميسور من القواعد الفقهية، ومضمونها أنه كلما صعب أو تعذر أداء التكليف كاملاً بجميع أجزائه وشروطه أو جميع مصاديقه، فإن أداء الجزء الممكن والمقدور للمكلف لا يسقط عن عهده.

Source: External Source