عقد الجلسة العلمية «حق تقرير المصير في القرآن» في معهد دراسات الفقه المعاصر

دراسة حق تقرير المصير من منظور القرآن في جلسة علمية؛ أساس الحرية أم المسؤولية؟

في هذه الجلسة التي أُقيمت بهدف دراسة المباني القرآنية لحق تقرير المصير، بيّن حجة الإسلام مصطفى دانش‌پژوه أن الآيات القرآنية تدل على اختيار الإنسان في سلك طريق الحق أو الباطل، إلا أن هذه الحرية لا تعني بالضرورة الحق التشريعي في اختيار أي عقيدة. كما طرح الناقدون من منظور الحقوق والعلوم السياسية آراءً مكملة، مؤكدين على ضرورة مفهوم‌شناسي دقيق لكلمة «حق» والالتفات إلى الخلفيات الفلسفية الحديثة في تبيين الأبعاد الاجتماعية والسياسية والدولية لهذا الحق.

بحسب وحدة الإعلام في معهد دراسات الفقه المعاصر، أقام مجمع معاهد العلوم الإنسانية الإسلامية ومعهد الحوزة والجامعة، بالتعاون مع مراكز البحوث الإسلامية في معهد الحوزة والجامعة، وبمناسبة الذكرى الـ١٥٠٠ لميلاد النبي الأكرم محمد مصطفى (صلى الله عليه وآله)، الجلسة العلمية والكرسي العلمي الترويجي بعنوان «حق تقرير المصير في القرآن» يوم الأربعاء ١٨ رجب ١٤٤٧هـ في معهد دراسات الفقه المعاصر.

في بداية الجلسة، قال حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي شريفي، أمين الجلسة العلمي وأمين مركز بحوث فقه السياسة: «حق تقرير المصير كحق أساسي، يُناقش في الساحة الدولية بمعنى حرية الشعوب من فرض الأنظمة السياسية والثقافية، وفي الساحة الداخلية كحق مواطنة وأساس للحكم الشعبي. والمسألة الرئيسية هي: هل يعترف الفقه والشريعة الإسلامية بهذا الحق كما في القانون الدولي أم لا؟».

وأضاف: «في الساحة الداخلية، يرتبط بحث حق تقرير المصير ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الحكم الشعبي، ويُعد النظر فيه قرآنيًا من أهم المباحث النظرية في حقوق الإنسان الإسلامية».

ثم تكلم حجة الإسلام والمسلمين مصطفى دانش‌پژوه، أستاذ معهد الحوزة والجامعة والمقدم الرئيسي للكرسي، معبرًا عن تهنئته بأعياد شهر رجب وشاكرًا المنظمين: «موضوع حق تقرير المصير في القرآن، بما أنه يتعلق بالجذور النقلية والوحيانية، يجب دراسته بدقة من خلال الرجوع إلى مدلول الآيات. في هذا البحث، قمنا بتحليل الآيات المتعلقة بحرية الإنسان واختياره وهدايته من ثلاثة جهات: الدلالة المطابقية والتضمنية والالتزامية، لتوضيح العلاقة بين الحرية التكوينية والتشريعية».

وأكد أنه على الرغم من وجود تفسيرات متنوعة للآيات في هذا المجال، إلا أنه «لا توجد في هذا الموضوع آراء متنافسة، بل الاختلاف في الأدبيات وطريقة التعبير».

واستطرد دانش‌پژوه: «في مبادئ الحقوق الفردية، يُعد حق تقرير المصير أساسي أهم حقوق البشر، إذ إن حرمانه يمنع تحقق سائر الحقوق الإنسانية. ولهذا الحق بعد خارجي يتعلق باستقلال الشعوب، وبعد داخلي يرتبط بالحكم الشعبي».

وأوضح مفهوم الحق: «الحق في الأدبيات الحقوقية مفهوم ذو إضافة، وإغفال هذه الخاصية يؤدي أحيانًا إلى نتائج خاطئة. الحرية التكوينية أكثر من أن تكون مساوية للحق، فهي أرضية نشوء الحق، والآيات القرآنية غالبًا ما تؤكد على هذه الحرية التكوينية للإنسان في اختيار الإيمان أو الكفر».

وفي قسم آخر من كلمته، أشار أستاذ الحوزة والجامعة إلى الآيات القرآنية وقال: «في أصل الموضوع، تُقسم الآيات إلى عدة فئات:

الفئة الأولى: آيات تدل على حرية الإنسان في اختيار الدين والهداية.

الفئة الثانية: آيات يرى بعضهم أنها تدل على حرية الاختيار في تقرير المصير مطلقًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

أما الفئة الثالثة: فآيات تتحدث عن عدم جواز إكراه الدين والعقيدة، ومن هذا المنع يُستنبط الحرية والحق».

وأضاف: «هذه الفئة الثالثة لها ثلاثة أقسام فرعية مهمة:

  1. آيات تدل على عدم الإكراه وعدم الإجبار في الدين.
  2. آيات تبدو أنها تقتصر مهمة الأنبياء على الإنذار والتبشير، مثل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾.
  3. آيات تتحدث عن عدم مسؤولية الأنبياء عن عدم إيمان الناس».

وأشار الدكتور دانش‌پژوه إلى تصنيفات أخرى لاستكمال البحث: «آيات تدل على كرامة الإنسان وخلافته، آيات تشير إلى مساواة البشر، آيات تدل على حق تكامل الإنسان مستندة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، بالإضافة إلى آيات تتناول التعايش السلمي والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

وفي ختام عرضه، قال: «القدر المتيقن من مدلول هذه الآيات المستندة هو الحرية التكوينية للإنسان في اختيار أي نوع من المصير. أما فيما يتعلق بالحرية التشريعية والحق التشريعي، فلا دلالة مطابقية أو تضمنية واضحة في أي من هذه الآيات، ولا دلالة التزامية بيّنة».

وأضاف: «إن كان هناك دليل، فهو دلالة التزامية غير بيّنة تحتاج إلى استدلال. أقصى ما يمكن قوله هو النهي عن إكراه الإيمان على الآخر، لا إثبات الحق التشريعي في اختيار أي عقيدة وأي مصير».

وأكمل دانش‌پژوه: «اختيار العقيدة أو المصير يمهد لتكليف اختيار العقيدة الإيجابية والمصير الإيجابي. والوعد والوعيد في القرآن ليحذر الإنسان من الانحراف ويحثه على طلب الهداية».

وأضاف أيضًا: «من منع إكراه العقيدة -وهي أمر قلبي- لا يستفاد حرية في الأعمال الجوارحية، وبعض الآيات تجعل الإنسان مختارًا في اختيار الحياة الكريمة وتحذره في الوقت نفسه من الحياة الذليلة».

في قسم النقد الأول، قال الدكتور مصطفى فضائلي، أستاذ القانون الدولي في جامعة قم: «موضوع حق تقرير المصير من أساسيات المباحث الحقوقية والإنسانية، والمعالجة القرآنية له تمثل ميزة خاصة لهذا الكرسي. يستحسن نشر نتائج هذا البحث في مقالة علمية، وإعداد نسخة إنجليزية للمجامع العلمية الدولية».

وأضاف: «كان من الأفضل تبيين تعريف الحق في الفقه الإسلامي واختلافه مع القانون الدولي بدقة أكبر؛ إذ في الفقه التقليدي يُعبر عن الحق بسلطة الشخص على ما تحت تصرفه».

وتابع فضائلي: «العلاقة بين كون الشيء حقًا وامتلاك الحق من أهم مباحث فلسفة حقوق الإنسان، والفصل التام بينهما غير متوافق مع عالمية حقوق الإنسان».

وأكد: «الحرية لا تعني المشروعية؛ فالاختيار يجلب المسؤولية معه، والحرية والحق لا قيمة ذاتية لهما إلا في ضوء الغاية الإلهية».

وفي النقد الثاني، قال حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد شجاعيان: «تركز العرض كان أكثر على الأبعاد الفردية لحق تقرير المصير، بينما تُطرح هذه المسألة أساسًا في السياق الاجتماعي والسياسي، وإدارتها السياسية لها أهمية خاصة».

وفي ختام الجلسة، شكر أمين الجلسة العلمي المقدمين والناقدين، معبرًا عن أمله في تطوير نتائج هذه الجلسة في مقالة علمية، وأن تكون أرضية لحوارات متعددة التخصصات بين الفقه والحقوق والعلوم السياسية.

أظهرت الجلسة العلمية «حق تقرير المصير في القرآن» أن الحرية في النظرة القرآنية هي في الوقت نفسه أساس التكليف ومعيار كرامة الإنسان، وأن البحوث متعددة التخصصات في هذا المجال ذات أهمية خاصة.

Source: External Source