محسن مهاجرنيا

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/10

بالإضافة إلى المفكرين، فقد تبنى بعض فقهائنا أيضًا النهج الحد الأدنى تجاه الفقه؛ لكن نظرتهم تختلف عن نظرة المفكرين. يرى المفكرون الفقه من منظور خارجي ديني حدًّا أدنى، بينما يصل الفقهاء - من خلال نظرة داخلية دينية وفقهية، وبعد النظر في الأدلة - أحيانًا إلى الاعتقاد بأن الفقه غير متكفل بأمور الحكم والسياسة. لذا، وإن كان الاثنان أحيانًا متطابقين في النتيجة، إلا أن زاوية النظر ونوع النهج تجاه علم الفقه يختلفان بينهما.

إشارة: منذ القديم، كان المفكرون والمجددون الدينيون يؤيدون النهج الحد الأدنى تجاه الفقه وعدم تدخل الفقه في جميع مجالات الحياة البشرية. إلا أن النهج الحد الأدنى تجاه الفقه ليس مقتصرًا على المفكرين والمجددين، بل له سابقه في أوساط الفقهاء أيضًا. والسؤال الآن: هل الرؤية لدى المفكرين والفقهاء ذوي النهج الحد الأدنى متطابقة، أم أن هناك اختلافات في المنهج ونوع النظر إلى الحد الأدنى لعلم الفقه؟ يجيب حجة الإسلام والمسلمين محسن مهاجرنيا – عضو هيئة التدريس في معهد البحوث الثقافية والفكرية الإسلامية – على هذا السؤال في هذه المذكرة الشفوية المعدة لـ«فقه معاصر».

مفهوم الفقه الحد الأدنى والفقه الحد الأقصى

عندما نقول فقه الحد الأقصى، فإن مقابله هو فقه الحد الأدنى. هذا مبدأ قديم ليس مقتصرًا على العصر الحاضر. فقد طرح هذا البحث في الفقه التقليدي، وكانت هاتان النظريتان موجودتين: بعض الفقهاء يرون الفقه حدًّا أدنى، وبعضهم الآخر يرونه حدًّا أقصى. والسؤال: ما معنى الفقه الحد الأدنى والحد الأقصى؟

فقه الحد الأدنى لا يرى الفقه متصرفًا في إرادة عالم الحياة البشرية، ولا يعتقد أن الفقه هو قانون الإسلام وقانون الله الذي يغطي جميع الأبعاد؛ بل يقول إن الفقه مجرد قانون، لكنه قانون يجري في نطاق خاص ومجالات محددة. لم يكن بناء الفقه منذ البداية أن يشمل جميع المجالات؛ فمثلاً مجال السياسة بجميع متعلقاتها، ومجال الثقافة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية، لا يجيب عنها الفقه. حتى عند تفسير الآية «تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»، يقول إنها لا تشمل جميع مجالات حياة الإنسان؛ بل تشمل فقط المسائل المتعلقة بهداية الناس، أما مثلاً تكوين الحجر من أي عناصر فلا يتكفل به، ولا علاقة له بعلم الفقه أصلاً. لذا فإن فقه الحد الأدنى يعني أن الفقه غير متصرف في إدارة وتدبير الحياة السياسية-الاجتماعية والاقتصادية للإنسان؛ بل يتدخل فقط في مجال خاص كان يُسمى قديمًا «الحسبة». والمراد بالحسبة: الأمور التي لا يرضى الشارع أو الله بتركها، بل هي من الأمور الضرورية للمجتمع، لذا يجب أن يتكفل بها شخص ما.

في مقابل النهج الحد الأدنى تجاه الفقه، يعتقد فقه الحد الأقصى أن الفقه جاء ليدير جميع جوانب الحياة البشرية. بعبارة أخرى: جاء الفقه لإقامة الحكم في المجتمعات البشرية. وما يُطرح باسم «الفقه الحكومي» أو «الفقه الحاكمي» يسعى إلى هذا المعنى؛ أي أن الفقه جاء ليتولى إدارة المجتمع في الشؤون السياسية. والفقه الحاكمي أعلى من الفقه الحكومي. فحاكمية الفقه تعني أن الفقه يسعى لإدارة جميع جوانب حياة البشر؛ حاكمية لا توجد سلطة أعلى منها، وتنتهي في النهاية بالاتصال بالقوة الإلهية.

عدم اختصاص النهج الحد الأدنى بالمفكرين

النهج الحد الأدنى تجاه الفقه ليس مقتصرًا على المفكرين، ولا حتى على ما بعد الثورة الإسلامية؛ بل كان موجودًا قبل الثورة الإسلامية أيضًا. هذا بحث داخلي فقهي وديني. قبل الثورة أيضًا، كان هناك من يعتقد أن الفقه غير قادر على إدارة المجتمع، وأقصى ما يمكنه هو الإشراف على أمور الحكم لئلا يقع مخالفة للشرع، وكانوا يحملون هذا الرأي الحد الأدنى.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الرأي الحد الأدنى تجاه الفقه له أنصار كثر بين المفكرين. فقد صرحوا مرارًا وبوضوح أن الفقه لم يأتِ لإدارة المجتمع والتشريع وتدبير الحياة الاجتماعية للإنسان، بل يمكنه فقط تنظيم الجوانب الفردية لحياته.

نحن بالطبع لا نوافق على هذا النهج، ونعتقد أن علم الفقه يبين الأحكام الشرعية لجميع مجالات الحياة البشرية؛ سواء تعلقت هذه المجالات بحياته الفردية أو بحياته الاجتماعية والسياسية؛ فالفقه له حكم في جميع هذه المجالات.

الفرق بين نظرة المفكرين والفقهاء في النهج الحد الأدنى تجاه الدين

بالإضافة إلى المفكرين، تبنى بعض فقهائنا أيضًا النهج الحد الأدنى تجاه الفقه؛ لكن نظرتهم تختلف عن نظرة المفكرين. يرى المفكرون الفقه من منظور خارجي ديني حدًّا أدنى، بينما يصل الفقهاء – من خلال نظرة داخلية دينية وفقهية، وبعد النظر في الأدلة – أحيانًا إلى الاعتقاد بأن الفقه غير متكفل بأمور الحكم والسياسة؛ لذا، وإن كان الاثنان أحيانًا متطابقين في النتيجة، إلا أن زاوية النظر ونوع النهج تجاه علم الفقه يختلفان بينهما.

النهج الثالث في الوسط بين الحد الأدنى والحد الأقصى

النهج تجاه علم الفقه لا يقتصر على الحد الأدنى والحد الأقصى؛ بل يوجد في الوسط نهج متوسط لا ينكر من الأساس تدخل الفقه في الشؤون السياسية والاجتماعية، ولا يقول بحضور الفقه في جميع مجالات الحياة البشرية.

Source: External Source