بحسب موقع الإعلام لمعهد دراسات الفقه المعاصر، عُقدت الجلسة العلمية الـ٢٧١ لمعهد دراسات الفقه المعاصر يوم ١٨ دي (٦ رجب ١٤٤٦هـ)، محورها «تأثير نظريات الفن على فقه الفن». وفي هذه الجلسة، أُكد على الضرورة الحيوية لتشكيل نظرية محلية إسلامية في مجال الفن كشرط أساسي لاستنباط فقهي منسجم. قدم الدكتور سيد محمد محسن مير مرشدي -المتحدث الرئيسي- شرحًا لأربعة أسحة وظيفية لنظرية الفن مع تمييزها عن فلسفة الفن، موضحًا أن نظريات الفن تقع «في طول الأدلة الشرعية»، وبدون الاعتماد على إطارات مثل التمثيلية، والشكلانية، والتعبيرية، لا يمكن تشخيص دقيق لموضوعات الفن الذهنية وإصدار أحكام فقهية معتبرة -خاصة في مجالات الأخلاق، ونية الفنان، وتأثير العمل الفني. عُقدت الجلسة بدبيرية علمية حجة الإسلام والمسلمين محمد كاظم حقاني فضل، وبنقد علمي حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سيد حميد مير خندان.
تبيين إطار بحث فقه الفن من منظور أمين الجلسة العلمي
في بداية الجلسة، قام حجة الإسلام والمسلمين محمد كاظم حقاني فضل -مدير موسوعة الفقه المعاصر وأمين الجلسة العلمي- بتهنئة أيام شهر رجب المبارك وعيد المبعث السعيد، ثم بيّن الإطار العام للبحث.
وأشار إلى تقسيم الموضوعات الفقهية إلى «موضوعات عينية» و«موضوعات ذهنية»، قائلًا: بعض الموضوعات كالعقود التي أسسها العقلاء دائمًا محل اهتمام الفقهاء، ويمكن القول إن الموضوعات الفنية من هذا النوع؛ لأن الفن نتاج إبداع بشري ومنبثق من العقل الإنساني.
الموضوعات العينية والذهنية؛ تحدي الفقه في مواجهة الفن
أكد حجة الإسلام والمسلمين حقاني فضل أن معرفة الموضوعات العينية -كالجمل في بحث الدية- لا تتم بدون الالتفات إلى السياق الاجتماعي والخلفيات الذهنية، وقال: «هذه المعرفة تختلف في المجتمعات المختلفة، والفقيه مضطر للالتفات إلى هذه الاختلافات.»
وأكد على تعقيد الموضوعات الذهنية والمجردة كالفن أكثر، مشيرًا إلى أنه بدون نظرية وإطار تحليلي لا يمكن تقديم تحليل دقيق لهذه الظواهر، ومن هنا تتضح ضرورة بحث «نظريات الفن» في فقه الفن.
نظرية الفن؛ شرط مسبق للتحليل الفقهي للموضوعات الفنية
اعتبر مدير موسوعة الفقه المعاصر الموضوعات الفنية مُشكَّلة من العقل البشري، مؤكدًا أن الفقه بدون الاستفادة من النظريات والإطارات المفهومية غير قادر على الدخول الفعال في هذا المجال.
ما هي نظرية الفن وما الفرق بينها وبين فلسفة الفن؟
واصل حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سيد محمد محسن مير مرشدي -عضو هيئة التدريس وسكرتير مجموعة فلسفة الفن في معهد الإمام الخميني (ره) التعليمي البحثي- حديثه بعد تهنئته بأيام شهر رجب وعيد المبعث، معتبرًا موضوع نظرية الفن قضية متعددة التخصصات يمكن أن تغطي مجال فقه الفن بشكل جدي.
وأشار إلى قلة الاهتمام في الفضاء الفقهي بهذا الموضوع، مؤكدًا أن بحث نظرية الفن في الفقه لا يزال في مراحله الأولى ويحتاج إلى اهتمام وبحث أوسع.
أربعة أسحة أساسية لنظرية الفن
عرف الدكتور مير مرشدي نظرية الفن بأربعة أسحة أساسية:
- تعريف ماهية الفن وجوهره وحقوقه؛
- تبيين الفرق بين الفن وغير الفن ومعيار الفنية؛
- تحديد معايير تقييم الفن؛
- تحليل وظيفة الفن وغايته ودوره في الحياة الفردية والاجتماعية.
وقال إن هذه الأسحة الأربعة تسعى لتقديم نموذج منسجم للإجابة عن الأسئلة الأساسية في مجال الفن.
التمييز بين نظرية الفن وفلسفة الفن
أوضح الدكتور مير مرشدي أن فلسفة الفن غالبًا مجموعة من الحوارات والإجابات المتناثرة على أسئلة متنوعة، أما نظرية الفن فتسعى لإعطاء انسجام لهذه المباحث من خلال محور واحد. وأكد أن تعريف الفن هو محور نظرية الفن، وتغييره يؤدي إلى اختلاف النظريات الفنية.
تقدم الموضوع على الحكم؛ دور نظرية الفن في الاستنباط الفقهي
يرى أن أي استنباط فقهي معتبر لا يتشكل بدون معرفة دقيقة بالموضوع؛ لأن في الفقه الموضوع مقدم على الحكم والحكم دائر مدار الموضوع. وأكد دور نظريات الفن في تشكيل العناوين الفقهية، قائلًا: «نظرية الفن لا تتدخل فقط في تشخيص المصداق، بل تبني عنوان الموضوع ويجد الحكم الفقهي معناه عليه.»
نظريات الفن ونتائجها الفقهية المختلفة
مع استعراض أهم نظريات الفن من أفلاطون إلى العصر الحديث -مثل نظرية التمثيل، والشكلانية، والتعبيرية، والنظرية المؤسسية- أكد على ضرورة تشكيل نظرية محلية إسلامية في مجال الفن، وقال: «أعتقد أن نظرية فن إسلامية يمكن أن توجد وموجودة فعليًا؛ ولإيجاد فقه فن حي ومؤثر يجب أن نأخذ هذه النظرية على محمل الجد.»
وأشار إلى أبحاثه في رسالة الدكتوراه كخطوة أولى لتأسيس نظرية مبنية على الحكمة المتعالية الصدرائية، تحتاج إلى تكميل وتطوير.
الأخلاق، نية الفنان وتأثير العمل في فقه الفن
بيّن الفرق بين الأحكام الأولية والثانوية في فقه الفن، مشيرًا إلى أن عنوان فني لعمل قد يغير الحكم الشرعي. وقال إن طريقة تأثير العمل الفني على المتلقي قد تتغير من «لهو» إلى «تبليغ حق»، مما يولد حملًا فقهيًّا مختلفًا.
ورأى أن أحد أهم تحديات فقه الفن هو العلاقة بين الأخلاق والفن، وقال: «في أخلاق الفن ثلاثة تيارات: المنكرون لعلاقة الفن والأخلاق، القائلون بدخول الأخلاق كاملًا، والرأي المعتدل. قبول نظرية تجعل الفن مستقلًا عن الأخلاق يلغي كثيرًا من الأحكام الثانوية الفقهية.»
النظرية المؤسسية للفن وتحديات القيم
أوضح أن قبول النظرية المؤسسية التي ترى الفن مجرد نتاج مؤسسة فنية يفتح المجال لأعمال مخالفة تمامًا للقيم الأخلاقية والدينية. وأكد: «نظريات الفن ليست في عرض الأدلة الشرعية، بل في طولها، في مقام التمهيد، موضوعشناسي وتنقيح المعنى.»
وأكد أن لتشخيص ما إذا كان ظاهرة فعلًا عملًا فنيًا أم لا، يجب الاعتماد على نظرية الفن؛ لأنها تحدد الحدود بين الفن وغيره.
المسائل المستجدة في فقه الفن؛ من نية الفنان إلى تصنيف العمري
تطرق إلى مسألة نية الفنان، قائلًا: إذا اعتبرنا نية الفنان مؤثرة في ذات العمل، فحتى عمل لا يسبب ضلالًا حاليًا إذا صُنع بنية الإضلال قد يُحرم؛ بينما بدون اعتبار النية يمكن أن يُستخدم في طريق الهداية.
وأشار في ختام كلامه إلى نقاش اليوم حول الأفلام ذات التصنيف العمري، مؤكدًا أن هذه التمييزات يجب إعادة قراءتها فقهيًا لمعرفة ما إذا كان عرض محدود لبعض المحتويات لأغراض توعية أخلاقية واجتماعية جائز أم لا.
نقد نظرية الفن من منظر الفقه؛ تفكيك مستويات التأثير
في النقد المفصل، أكد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سيد حميد مير خندان على ضرورة تفكيك دقيق للمفاهيم ومستويات تأثير نظرية الفن على الفقه.
وقال في علاقة فلسفة الفن ونظرية الفن: «نظرية الفن لا ينبغي أن تقتصر على تعريف ماهية الفن؛ فالتحليل في نظرية الفن له طابع فلسفي، لذا تقع نظرية الفن تحت فلسفة الفن.» وأضاف: للظواهر المعقدة كالفيلم يجب الاستعانة بنظريات جزئية.
المستويات الثلاثة الفقهية للعمل الفني
اعتبر شرطًا أساسيًا لتأثر فقه الفن بنظرية الفن إثبات تفاعل علمي منطقي بين المجالين، وقال: «لدخول الفقه في بحث الفن يجب أولًا إحراز فنية مصداق من منظر نظرية الفن.»
وبيّن مجالات دخول نظرية الفن إلى الفقه في ثلاثة مستويات:
- إنتاج العمل الفني: متعلق بنية الفاعل والتمييز بين النية والدافع؛
- عرض العمل الفني: الذي انفصل عن الإنتاج مع ظهور الإعلام الجماهيري ويشمل مسائل حكومية فقهية؛
- استهلاك العمل الفني: محل بحث التأثير على المتلقي الرئيسي.
وحذر من أن قبول نظرية «موت المؤلف» قد يحرم الفقه من الدعم النظري اللازم في تحليل نية الفنان.
الأسئلة والاهتمامات المطروحة في الجلسة
في الجزء الختامي، طرح الحاضرون أسئلتهم واستفساراتهم. كان محورها كيفية تأثير نظريات الفن على مبادئ فقه الفن وعلاقتها بالمبادئ الفقهية الموجودة. أكدت هذه الحوارات على أهمية مواصلة البحوث النظرية والمتعددة التخصصات في فقه الفن.
خلاصة الجلسة
أظهرت الجلسة العلمية الـ٢٧١ لمعهد الفقه المعاصر أن نظريات الفن أساس ومبنى لمعرفة موضوعات فقه الفن، وبدونها لا يمكن فهم دقيق للحكم الشرعي في مجال الفن. أكد الدكتور مير مرشدي أن نظرية الفن لا تتدخل فقط في تشخيص المصداق بل في تشكيل عنوان الموضوع الفقهي، ولإيجاد فقه فن حي ومؤثر يجب تشكيل نظرية محلية إسلامية في فلسفة الفن. كما أكد الدكتور مير خندان على ضرورة التفاعل المنطقي والعلمي بين الفلسفة والفقه وتفكيك مستويات الإنتاج والعرض والاستهلاك للعمل الفني حتى يتحقق تأثير نظريات الفن على الفقه بدقة وعملية.
أوضحت الجلسة أن بحث نظرية الفن وعلاقتها بالفقه خطوة ضرورية في استكمال الاستنباطات الفقهية من الظواهر الفنية والأخلاقية، وغيابها حتى الآن حال دون تشكل فقه فن منسجم.

