في الجلسة «فقه البيئة الفعال؛ المتطلبات، التحديات والقدرات»، تم التأكيد على ضرورة تشكيل فقه منظم واستراتيجي للحفاظ المستدام على البيئة

في الجلسة «فقه البيئة الفعال؛ المتطلبات، التحديات والقدرات»، تم التأكيد على ضرورة تشكيل فقه منظم واستراتيجي للحفاظ المستدام على البيئة

آية الله أحمد مبلغي في الجلسة الـ٢٧٧ لمعهد دراسات الفقه المعاصر، مع التأكيد على ضرورة تشكيل فقه البيئة كمعرفة منظمة، قائمة على الاختصاص وتحتاج إلى نظرية، أكد: الفقه في مواجهة الأزمات البيئية المعقدة لا يمكنه الاكتفاء بأحكام متفرقة، بل يجب مع الاستفادة من المعارف البينية وإنتاج النظرية في المستويات الكلامية، الفلسفية والفقهية، التحرك نحو تصميم نظام حكم بيئي.

إشارة: في الظروف التي أصبحت فيها الأزمات البيئية واحدة من أخطر التحديات للحضارة المعاصرة، إعادة قراءة قدرات الفقه الإسلامي لمواجهة منظمة واستراتيجية مع هذه الأزمات ضرورة لا يمكن إنكارها؛ ضرورة تم التأكيد عليها في الجلسة العلمية «فقه البيئة الفعال؛ المتطلبات، التحديات والقدرات».

الجلسة العلمية الـ٢٧٧ لمعهد دراسات الفقه المعاصر بعنوان «فقه البيئة الفعال؛ المتطلبات، التحديات والقدرات» عقدت بحضور آية الله أحمد مبلغي، أستاذ درس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم.

في بداية هذه الجلسة، أمين الجلسة العلمي مع التأكيد على أهمية موضوع البيئة في العالم المعاصر، أشار إلى حداثة عنوان البيئة في الأدبيات العلمية، ولكن قدمه وقال: «واضح أن البيئة عنواناً جديداً، ولكن حقيقتها ومصداقها قديم؛ بمعنى أن البيئة أقدم من الإنسان».

أمين الجلسة العلمي مع التعبير عن أن تطور الحياة الحديثة أثر غير متوقع على الماء، الهواء، التربة والنظم الطبيعية، أكد أن الفقه الإسلامي كمعرفة ناظرة إلى أفعال المكلفين، لا بد أن يدخل هذا المجال ويوضح نسبته مع المعارف المتعلقة.

فقه البيئة؛ معرفة منظمة ونظرية

آية الله أحمد مبلغي في بداية كلامه مع الإشارة إلى سابقه خمس سنوات في البحث في هذا المجال قال: «ما أقدمه، في الواقع وصف لمناقشة خمس سنوات التي قدمت تحت عنوان “فقه البيئة”».

هو مع التعبير عن أن فقه البيئة في الحوزات العلمية ما زال لم يتشكل بشكل متخصص ومنظم، أكد: «فقه البيئة في الحوزة، مناقشة ضعيفة النشاط ولا تعتبر مناقشة مزدهرة».

أستاذ درس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم ثم عبر عن تعريفه المقترح لهذه المعرفة هكذا:

«فقه البيئة معرفة منظمة، قائمة على الاختصاص ونظرية في إطار الفقه الإسلامي التي مع الاستناد إلى التعرف العلمي على العمليات والدورات الحيوية ومع الاعتماد على منهجية نظرية طبقية، تتعامل مع استنباط أحكام متكفلة بتنظيم عادل، حافظ ومستدام لعلاقة الإنسان، المجتمع والحكومة مع البيئة».

هو شرح أن هذا التعريف قائم على نهج خمس سنوات ومبني على الرابط بين الفقه، المعارف التجريبية والمباني الكلامية والفلسفية.

أربع طبقات تمييزية في فقه البيئة

آية الله مبلغي في الاستمرار تعامل مع الطبقات التمييزية لهذا النهج واعتبر الطبقة الأولى «الطبقة المنهجية». بحسب قوله، التعرف المتخصص على المواضيع البيئية بدون الاستفادة من المعارف البينية مثل هندسة البيئة، الاقتصاد والاجتماعيات غير ممكن.

هو مع تقسيم المواضيع البيئية إلى «تك‌انگاشته»، «عملية»، «دورية»، «منظومية» و«شبكية»، مع ذكر نماذج مثل تلوث الماء، مكافحة التصحر وانقراض الأنواع، شرح أن الكثير من هذه المسائل لها طبيعة تفوق حدث منفرد وفي إطار عمليات تدريجية ولكن انفجارية قابلة للفهم.

في هذا السياق هو حذر: «إذا لم تتعرف العملية، قد تصدر فتوى أن كل من لديه بلاستيك يمكنه رميه على الأرض؛ في حين أن ملايين السلوكيات الصغيرة في فترة زمنية، تخلق أزمة بيئية كبيرة».

ضرورة «فقه الريسك» و«فقه الاستراتيجيات»

آية الله مبلغي في قسم آخر من كلامه أكد على ضرورة تطوير فروع جديدة في الفقه وقال: «هنا يجب أن يفعل فقه الريسك؛ يجب أن نخلق معرفة باسم فقه الريسك».

هو مع الإشارة إلى أن مفهوم الخطر والغرر في الفقه التقليدي يحتاج إلى إعادة قراءة متناسبة مع الريسكات المعقدة اليوم، أضاف أن عبور بعض الريسكات لحفظ البيئة أو منع التهديدات الأكبر، يحتاج إلى إطار فقهي دقيق.

أستاذ درس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم كذلك تحدث عن ضرورة تشكيل «فقه الاستراتيجيات» وأكد: «الفقه يقول امتلاك الاستراتيجية واجب؛ ولكن محتوى الاستراتيجية يحدده الاستراتيجي، لا الفقیه».

بحسب اعتقاده، حفظ البيئة بدون صياغة استراتيجيات كلية بيئية غير ممكن والحكومات والمجتمعات الإسلامية يجب في ظل فقه فعال، ملتزمة بتصميم وتنفيذ هذه الاستراتيجيات.

من المواضيع الدورية إلى الشبكية؛ عبور من النظر الجزئي إلى النظر الكلي

هو مع الإشارة إلى «المواضيع الدورية» صرح: «المواضيع الدورية عمليات معقدة وعائدة التي تحدث في دورة طبيعية أو بيئية؛ مثل دورة الماء، دورة الكربون، إنتاج وتحلل المواد العضوية في التربة أو عودة النظام البيئي بعد حريق وتدمير».

أستاذ درس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم مع طرح هذا السؤال أن «عودة النظام البيئي ما علاقته بالفقه؟» أضاف: «أحياناً تقوم بعمل يمنع هذه العودة أو واجبك توفير أرضية العودة ولكن تقصر. الفقه يجب أن يكون مدركاً لهذه الدورات؛ وإلا قد أهمل جزءاً مهماً من البيئة».

هو أكد أن الفقه في هذا المجال يجب أن يطالب «التوعية المؤسسية» ويحدد «السلوكيات النظامية الحافظة لتوازن الدورات»؛ لأن عدم وعي المؤسسات المسؤولة نفسها يمكن أن تكون عامل انحلال الدورات الطبيعية.

آية الله مبلغي ثم تعامل مع «المواضيع المنظومية» ودعا البيئة «مفترق الطرق» وقال: «طريق الدين، الاقتصاد، الصحة، حياة الإنسان ومستقبل الأجيال كلها تنتهي إلى البيئة. كلما تقدم العالم، ارتباطه بالبيئة يصبح أكثر تماسكاً».

هو مع الإشارة إلى القدرات المعرفية للقرآن الكريم في هذا المجال أكد: «إذا تعرفت النظام البيئي الذي يركز عليه القرآن، تحصل على معرفة عجيبة. تفسير دقيق للقرآن أيضاً مع الالتفات إلى البيئة يتشكل».

في الاستمرار، هو «المواضيع الشبكية» اعتبرها نموذجاً معقداً من الاتصالات متعددة الجوانب بين العناصر وأضاف: «مثلاً شبكة التفاعلات بين الإنسان، الصناعة، الموارد، السوق والطبيعة؛ إذا أهملت واحداً من هذه، لم تقم بعمل أساسي في مجال البيئة».

هو أكد أن هذه المستويات الأربعة ــ العملية، الدورية، النظامية والشبكية ــ كل واحدة لها اقتضاءات فقهية خاصة بها وبدون فهمها، الفقه من «الوقاية»، «التوازن المحوري» و«السياسة» يتخلف.

البعد الزمني، المكاني وبين الأجيال في المواضيع البيئية

آية الله مبلغي في قسم آخر من كلامه أشار إلى تقسيم المواضيع من حيث «الزمني» و«المكاني» وقال: «بعض التدميرات قصيرة الأمد، بعض متوسطة الأمد، بعض نسلي وحتى فرانسلي. أحياناً يتم نشاط يحرم الأجيال المستقبلية».

هو كذلك مع الإشارة إلى التدميرات العالمية مثل الاحترار الأرضي، حموضة المحيطات وإصابة طبقة الأوزون، صرح: «بعض المواضيع البيئية لها ضربة عالمية ومصداق “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ”؛ هذه طبقية ومعقدة والفقه لا يمكنه أن يكون غير مبالٍ بها».

بحسب قوله، بعض المسائل أيضاً «مركبة» وفي الوقت نفسه عملية، دورية، بين أجيال وعالمية ومن هذا الوجه في أولوية المجتمع.

من النظرية الكلامية إلى استنباط الحكم؛ ضرورة عبور ثلاث مراحل

آية الله مبلغي في الاستمرار مع التأكيد على أن الاجتهاد في فقه البيئة يجب «أن يبدأ من النظرية ويصل إلى الحكم»، صرح: «أولاً يجب أن تكون لدينا نظرية كلامية عن الطبيعة، الإنسان ونسبتها مع الله؛ ثم نظرية فلسفية (فلسفة الشريعة) وبعد نظرية فقهية تصاغ وبعد ذلك نذهب إلى استنباط الحكم».

هو حذر أن بدون هذه البنى التحتية، الفهم الفقهي سيكون سطحياً وسستاً وأضاف: «إذا اعتبرنا التكوين والتشريع من إله حكيم، يجب أن ننشئ تناسقاً بينهما؛ وإلا نصل إلى بيئة سكولارية لا رابط لها مع الدين».

أستاذ درس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم كذلك أكد على تعزيز دور القرآن في هذا المجال وقال: «القرآن لديه مشاريع مهمة واحدة منها البيئة. إذا كان لديك منهج صحيح، استخراج الآيات البيئية سيكون سهلاً جداً».

فقه البيئة الفعال ۳

ضرورة فقه البيئة؛ أبعد من الأخلاق البيئية

في قسم السؤال والجواب، أحد الحاضرين مع طرح هذا السؤال أن «مع النظر إلى جهود عقلاء العالم في مجال البيئة، ما الضرورة لدخول الفقه؟» طلب توضيحاً أكثر لهذه الضرورة.

آية الله مبلغي في الجواب قال: «ليس ضرورياً أن يصل الفقه حتماً إلى نتيجة مختلفة عن عقلاء القوم؛ قد يصل إلى نفس النتائج، ولكن يجب استخراج رأي الشريعة. الدين عامل قوي وإذا كان دعماً للبيئة، يخلق ضمانات أكثر».

هو أضاف: «فقه البيئة يغني الأدبيات الدينية لهذا المجال، يقدم أحكاماً خاصة، يوازن عقل الفقیه في المجالات الأخرى وحتى يمكن أن ينتج روحانية خاصة في المجتمع».

هو مع الإشارة إلى جاذبية هذه الأدبيات للجيل اليوم أكد: «عندما يرى الشاب المعاصر أن الدين عن البيئة لديه كلام متقدم هكذا، يتعجب».

التزاحم والتدمير؛ نقد نهج الأهم والمهم

في الجواب على سؤال عن إمكان تطبيق قاعدة «الأهم والمهم» في التدميرات البيئية، آية الله مبلغي صرح: «إذا دخل أحدهم بشكل صحيح مجال البيئة، يرى أن لا شيء يصدر إذناً للتدمير. الكثير من التدميرات ناشئة عن عدم الوعي؛ إذا كان فهم دقيق موجوداً، أصلاً لم يحدث تدمير».

في النهاية، أمين الجلسة العلمي مع تلخيص المناقشات، أعلن أن استمرار الطبقات الثانية إلى الرابعة للمناقشة سيتم متابعته في الجلسات القادمة وشكر آية الله مبلغي لتوضيح «الطبقة المنهجية» لفقه البيئة.

نتيجة مناقشات هذه الجلسة تظهر أن فقه البيئة، ليس مجرد إضافة بعض أحكام جديدة إلى أبواب فقهية، بل جهد لإعادة تعريف نسبة الإنسان، المجتمع والحكومة مع الطبيعة في إطار نظري ومنظم؛ إطار مع فهم العمليات، الدورات والشبكات البيئية ومع الاعتماد على المباني الكلامية والقرآنية، يمكن أن يوفر دعماً دينياً واستراتيجياً لحفظ البيئة وحقوق الأجيال المستقبلية.

Source: External Source