إشارة: لطالما وقفت الأصول العملية مقابل الأمارات، والنظرية المشهورة عند الأصوليين هي تقدم الأمارات وحكمها على الأصول العملية. وهذا الأمر يصدق أيضاً فيما يتعلق بالأصول العملية القضائية والأمارات القضائية. لكن السؤال هو: ما هي الأمور التي تُقدم الأمارات القضائية على الأصول العملية القضائية؟ يتناول كتاب «المبانی الفقهية والحقوقية للأمارات القضائية في نظام الإجراءات الجديد» بيان ماهية هذه الأمارات ومبانيها الفقهية والحقوقية. فيما يلي، تقرير محتوى الكتاب، نقلاً عن قاعدة بيانات دانشنامه فقه معاصر:
كتاب «المبانی الفقهية والحقوقية للأمارات القضائية في نظام الإجراءات الجديد» كتاب باللغة الفارسية يتناول نطاق حجية الأمارات القضائية في نظام الإجراءات، ومباني مشروعيتها، وكذلك تقديم مصاديقها. ألف الكتاب عبد الحسين رضائيراد، ميثم دوستيپور، وسيد حسين آل طه. يرى المؤلفون أن الأمارات القضائية تلعب دوراً بارزاً في النظام القضائي الحديث، ومن ثم تستحق الدراسة. ووفقاً لهم، الأمارة القضائية هي استنباطات القاضي في مسار الإجراءات، والتي تُستمد من الظروف والأحوال؛ لذا فإن أهم نقطة في باب الأمارات القضائية -حسب رأي مؤلفي الكتاب- هي مدى إقناعها للقاضي.
يرى مؤلفو الكتاب أن الأمارات القضائية اليوم، بدعم قانوني، تُعد من أدلة مهمة في إثبات الدعوى، وتُساوي في الرتبة الوثيقة والإقرار. ومن أبرز مصاديق الأمارات القضائية التي أشار إليها الكتاب: الخبرة، التحقيق المحلي، معاينة المكان، الـDNA، البصمات، وشهادة الأطفال.
يعتقد المؤلفون، استناداً إلى الروايات والأصل في الستر، أن الأمارات القضائية لا ينبغي استخدامها لإثبات الجريمة في الحقوق الإلهية، وأن أهم تطبيقاتها في الحقوق الإنسانية. وأبرز أدلة مشروعية هذه الأمارات من وجهة نظر المؤلفين هي بعض الآيات من سورة يوسف، وروايات قصة قتل أبي جهل، والعقل. وقد تتعارض هذه الأمارات مع أدلة أخرى، وقد ذكر المؤلفون حالات التعارض، ولا يقدمون إلا الوثيقة الرسمية والإقرار النافذ على هذه الأمارات، وفي الحالات الأخرى يقدمون الأمارات القضائية.
هيكل الكتاب
يتكون الكتاب من مقدمة، وتمهيد، وفصلين. يتناول الفصل الأول المفاهيم المهمة في الكتاب. أما الفصل الثاني بعنوان «الأمارات القضائية» فيبحث في مسائل مثل: تعريف الأمارات القضائية وتمييزها عن الأمارات القانونية، ومصاديق الأمارات القضائية منها الخبرة، الـDNA، البصمات، وتسجيل الفيديو، والأدلة الفقهية لمشروعية الأمارات القضائية وخصائصها، وتعارض الأمارات القضائية مع أدلة إثبات الدعوى الأخرى. وقد تناول المؤلفون في ختام الكتاب الخلاصة والمصادر والمراجع.
ماهية الأمارات القضائية
يرى مؤلفو الكتاب في تعريف الأمارة الحقوقية أنها نتيجة يتوصل إليها العقل بناءً على الغلبة وسير الأمور الطبيعي من العلامات والظروف والأحوال، ليصل إلى ظن معقول بوجود المجهول، ويبلغ درجة الاقتناع الوجداني بحيث يغلب على الظن أنه قد وصل إلى الواقع (ص ۱۸). وبعد مقارنة الأمارة في علم الأصول وعلم الحقوق، يخلصون إلى أن الأمارة في معناها الحقوقي غير مرتبطة تماماً بالأمارة الأصولية، وأنها مستمدة من الحقوق الفرنسية (ص ۲۲).
ويقسمون الأمارة الحقوقية إلى أمارة قانونية وأمارة قضائية.
الأمارات القانونية
وفقاً للمؤلفين، الأمارات القانونية هي أمارات جعلها القانون دليلاً على أمر ما. مثلاً أمارة التصرف أمارة قانونية تقضي بأنه إذا كان المال في يد أحد طرفي الدعوى ولم يكن لدى أي منهما دليل، فإن وجود المال في يد المتصرف أمارة (علامة) على ملكيته، لأن الغالب أن المال يكون في يد المالك. لذا فإن معيار اعتبار الأمارة القانونية هو «الغلبة»، ويعتبرها المشرع معتبرة في حال عدم وجود دليل يخالفها. ومن يستفيد من الأمارة القانونية معفى من تقديم الدليل وإثبات موضوع الدعوى، والقاضي ملزم باتباعها إذا لم يوجد دليل مخالف (ص ۴۰-۴۳).
الأمارات القضائية
يعرف المؤلفون الأمارات القضائية، مستندين إلى القانون المدني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بأنها «أمارات تُوكل إلى نظر القاضي وتُستمد من الظروف والأحوال المتعلقة بموضوع الدعوى، وتكون قابلة للاستناد إليها إذا كانت الدعوى قابلة للإثبات بالشهادة أو تكمل أدلة أخرى» (ص ۲۳). ويقولون إن الأمارات القضائية تُستمد من استنباطات القاضي من القرائن الموجودة في مسار الإجراءات، مما يمكّن القاضي من الانتقال من معلوم إلى مجهول بناءً على الظروف والأحوال (ص ۳۹-۴۰). ومن وجهة نظرهم، تنبع الأمارات القضائية من ثلاثة مبانی: ظنون القضاة، العرف والعادة، والظروف والأحوال والقرائن (ص ۹۷-۱۰۳). ويصفون الأمارات القضائية بأنها من الأدلة الاقناعية لا التعبدية أو الإلزامية؛ أي أن اعتبارها يعتمد على مدى تأثيرها في إقناع القاضي (ص ۱۲۷).
ويرون أن الأمارات (ومنها الأمارات القضائية) قابلة للاستناد في الأمور الجنائية والحقوقية، ويصفونها بأنها من الأدلة غير المباشرة، بخلاف الأدلة الأخرى غير القابلة للتمهيد، ولا يقع تقديمها على عاتق المدعي (ص ۲۶-۲۷). ومن أسباب ظهور الأمارات القضائية: نقص الوقت، تسريع سير الإجراءات، وعدم وجود دليل (ص ۴۸-۴۹). وفي الماضي كانت قيمة الشهادة والأمارات القضائية منخفضة، لكن اليوم أصبحت في رتبة الإقرار والوثيقة، بحيث تُقبل في جميع الدعاوى حتى القتل (ص ۱۱۴-۱۱۵)؛ مع أن درجة اعتبار الأمارة القضائية تعتمد على حجيتها وقدرتها على إقناع وجدان القاضي (ص ۱۱۶).
وقد ذكر الكتاب عدة خصائص للأمارات القضائية؛ أولاً: أنها لا تحمل طابعاً «نوعياً»، بل تكون مطمئنة لشخص القاضي. كما أنها لا تحمل طابعاً كلياً ولا تُعمم على قضايا أخرى، وأخيراً يمكن أن تتحول الأمارة القضائية إلى قانون بتكرار الاستناد والاستعمال (ص ۱۱۰-۱۱۳). ومن خصائصها أيضاً أنه لا يلزم أطراف الدعوى الاستناد إليها، ويمكن للقاضي أن يحكم بناءً عليها دون استناد الطرفين (ص ۱۲۱). لكن إذا اتخذ علم القاضي أساساً للحكم دون الاستناد إلى الأمارات والقرائن، فهو مخالف للقانون. ومع ذلك، يرى المؤلفون أن علم القاضي يمكن أن يكون أساس الحكم إذا كان القاضي جامع الشرائط، بينما معظم القضاة الحاليين لا يتوفرون على الشروط الشرعية للقضاء، ويتصرفون بناءً على الحكم الحكومي (ص ۱۲۴-۱۲۵).
ويرون أنه لا ينبغي استخدام الأمارات القضائية لإثبات الجريمة في الحقوق الإلهية، لأن توجه الإسلام نحو ستر الجريمة وتبرئة المتهم؛ لكن يمكن استخدامها في رفع الجريمة في الحقوق الإلهية. أما في الحقوق الإنسانية فإن أدلة إثبات المدعى طريقية، فلا يقيد القاضي نفسه بالأدلة المحددة، بل يجب أن يسعى لإحقاق الحق بكل طريق ممكن (ص ۱۱۷-۱۲۰).
وفقاً للمؤلفين، قاعدة منع تحصیل الدليل في الأمور الجنائية غير نافذة، فيجوز للقاضي جمع الأدلة فيها، بينما في الأمور الحقوقية لا ينبغي للقاضي السعي لتحصيل الأدلة، بل يحكم بناءً على أدلة الطرفين. وقد تم تعديل هذه القاعدة في مراحل عدة ليحافظ على حياده وعدم الإضرار بمصداقية الأدلة (ص ۱۲۸-۱۳۲).
ويفرق المؤلفون بين الأمارة القضائية والأمارة القانونية بأن الأولى استنباط القاضي من الظروف والأحوال، والثانية أمر مفروض من القانون (ص ۴۳). كما درسوا الفرق بين الأمارة القضائية والفرض الحقوقي، معتبرين الفرض مختلفاً تماماً عن الأمارة، لأن الأمارة وسيلة لاكتشاف الواقع، والفرض أداة للفرار من الواقع، وخلاف الأمارة قابل للإثبات بخلاف الفرض (ص ۴۵-۴۸).
مصاديق الأمارات القضائية
لا يحدد المؤلفون مصاديق الأمارة القضائية تحديداً محصوراً؛ ومع ذلك يشيرون إلى أبرزها مثل: الخبرة، التحقيق المحلي، الـDNA، البصمات، شهادة الأطفال، تسجيل الفيديو والصوت، استخدام الوثائق الإلكترونية، وتصرفات وردود أفعال الطرفين (ص ۵۰-۹۷).
الخبرة
يسأل القاضي رأي الخبير في موضوع يتطلب تخصصاً. وبعد رفض كون الخبرة شهادة أو دليلاً مستقلاً، يخلص المؤلفون إلى أن الخبرة أمارة قضائية، وحجيتها تابعة للظن الذي ينشأ في وجدان القاضي من خلال هذا الرأي. والقانون لا يلزم القاضي باتباع رأي الخبير؛ لكن إذا أصدر قرار الإحالة إلى الخبرة، لا يمكنه رفض قبول الرأي دون دليل. وإذا لم يتطابق رأي الخبير مع أمارات قضائية أخرى، يمكنه إحالة الأمر إلى خبير آخر (ص ۵۰-۵۶).
التحقيق المحلي
الحصول على معلومات يمتلكها أهل المحل عن موضوع الدعوى من الأمارات القضائية الأخرى. ويرى المؤلفون أن ماهية التحقيق في المحل مختلفة عن شهادة الشهود، وهي من مصاديق الأمارة القضائية. وشروط مثل البلوغ والعقل والإيمان والطهارة والعدالة المطلوبة في الشهادة غير مشروطة في المطلعين المحليين، لأن قوة إثبات تصريحاتهم تعتمد على نظر القاضي (ص ۵۶-۶۱).
معاينة المكان
تقدير لزوم معاينة المكان على عاتق القاضي؛ وفي الأمور الجنائية (مسرح الجريمة) ضرورية وفقاً للمؤلفين. ويعتبرون معاينة المكان أمارة قضائية إذا كانت للحصول على قرائن لادعاءات الطرفين، أما إذا كانت للملاحظة المباشرة لموضوع الدعوى فهي دليل مباشر وليست أمارة قضائية (ص ۶۱-۶۶).
الـDNA
الـDNA طريقة للتعرف على الهوية الوراثية. وبعد بيان معنى DNA المتخصص وتاريخه في كشف الجرائم، يرون المؤلفون أن هذه الطريقة تفوق الأدلة التقليدية مثل الإقرار وشهادة الشهود، لأنها تؤدي إلى اطمئنان القاضي، ورأي القاضي المكتسب بطرق علمية متعارفة له اعتبار في الحقوق الإيرانية. ويمكن للقاضي إحالة الأمر إلى خبير (الطب الشرعي). وتُستخدم في حالات مثل إثبات أبوة طفل غير شرعي وتعرف على جثث مجهولة الهوية. ويخلصون إلى أن الـDNA وإن لم يُذكر صراحة كمستند لحكم المحكمة في الحقوق الإيرانية، إلا أنه من الأمارات القضائية التي لا يوجد دليل أقوى منه في العالم. ومع ذلك هناك إيرادات على هذه الطريقة ذكرها المؤلفون (ص ۶۶-۷۷).
البصمات
الحصول على صورة الخطوط البارزة في أطراف الأصابع للتعرف على الهوية واكتشاف الجرائم يُسمى البصمات. ويستند اعتبارها أمارة قضائية إلى مبدأين علميين: ثبات أثر البصمة طوال حياة الشخص، وعدم وجود بصمتين متطابقتين في العالم. ولا تكون أساساً للحكم إذا لم تقنع القاضي أو تعارضت مع أمارات أخرى (ص ۷۷-۸۴).
شهادة الأطفال
وفقاً للمؤلفين، لم يقبل القانون المدني شهادة الأطفال، لكنه قبلها كأمارة قضائية، ويمكن أن تكون أساساً للحكم إذا لم تتعارض مع ظروف أخرى. وبعض الفقهاء يقبلون شهادة الأطفال فوق العاشرة في الجرح والقتل كشهادة (ص ۸۴-۸۷).
مشروعية الأمارات القضائية من منظور الفقه
يستند المؤلفون إلى قسمين من سورة يوسف لمشروعية الأمارات القضائية. الأول في الآية ۱۸ من سورة يوسف، حين أحضر إخوة يوسف قميصه الملطخ بالدم إلى أبيهم ليجعلوه دليلاً على موت يوسف، لكن يعقوب لم يقبل هذه الأمارة دليلاً على الموت، فتظهر أن الأمارات التي تدل قطعاً على مدلولها حجة. وفي الآيتين ۲۶ و۲۷ من سورة يوسف، قصة تمزيق قميص يوسف من الخلف من قبل زليخا، فاعتبر القاضي (عزيز مصر) الأمارة (تمزق القميص من الخلف) دليلاً على براءة يوسف وحكم بها. كما تدل آيات مثل الآية ۴۲ من سورة المائدة والآية ۵۸ من سورة النساء التي تأمر بالقسط والعدل في الحكم على مشروعية الأمارات القضائية، لأنها تقرب القاضي من هذه الأهداف (ص ۱۰۴-۱۰۷).
كما يستندون إلى رواية فيها أن النبي حدد القاتل الرئيسي لأبي جهل بناءً على رد أكثر الدم على سيف أحدهم (ص ۱۰۸). وإلى جانب القرآن والرواية، يرون العقل مؤيداً لمشروعية الأمارة القضائية، لأن عدم استخدامها يؤدي إلى تضييع حقوق الناس (ص ۱۰۹).
تعارض الأمارات القضائية مع سائر أدلة إثبات الدعوى
تصور المؤلفون عدة حالات لتعارض الأمارات القضائية مع أدلة أخرى، ويبينون الدليل الغالب والمغلوب:
- تعارض أمارتين قضائيتين: الغالبة هي التي تتوافق أكثر مع الأصول وسياسة القضاء، وإذا تساوتا تسقطان. والغلبة حسب رأيهم تكون للأمارة الأقنع للقاضي (ص ۱۳۳-۱۳۵).
- تعارض أمارة قضائية وأمارة قانونية: الأمارة القضائية مقدمة إذا أقنعت القاضي (ص ۱۳۵-۱۳۶).
- تعارض أمارة قضائية مع الأصول العملية: الأمارة القضائية مقدمة إذا أقنعت القاضي (ص ۱۳۶-۱۳۸).
- تعارض أمارة قضائية مع الوثيقة: الوثيقة الرسمية مقدمة؛ أما الوثيقة العادية فالأمارة القضائية مقدمة (ص ۱۳۸-۱۴۰).
- تعارض أمارة قضائية مع الإقرار: الإقرار النافذ مقدم (ص ۱۴۰-۱۴۱).
- تعارض أمارة قضائية مع اليمين: التعارض منتفٍ، لأن اليمين تُستخدم عند عدم وجود أدلة وأمارات، فلا تصل الدور إليها مع وجود أمارة قضائية (ص ۱۴۲-۱۴۳).
- تعارض أمارة قضائية مع شهادة الشهود: الأمارة القضائية مقدمة (ص ۱۴۳-۱۴۴).
