كان الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي، خلال العقد الأول من عهد الجمهورية الإسلامية، عضوًا في مجلس الشورى ثم رئيسًا للجمهورية، وهما منصبان لم يكونا يُعدّان منصبين شرعيين؛ غير أنّ الإمام الخميني كان قد عيّنه في الوقت نفسه إمامًا لجمعة طهران. كما دخل مجلس خبراء القيادة في أول انتخابات له، بوصفه أحد منتخبي أهالي طهران، وكان الاجتهاد، في حدود التجزؤ على الأقل، شرطًا لذلك. وفي جلسة يوم ٢٩ شوال سنة ١٤٠٩هـ أيضًا، شهد بعض أعضاء مجلس الخبراء باجتهاده المطلق.
لعلّ أول ظهور إعلامي للشهيد آية الله السيد علي الخامنئي في موضوع فقهي يعود إلى جمادى الأولى سنة ١٤٠٨هـ، حين تحدث في خطبتي صلاة الجمعة عن نطاق صلاحيات الولي الفقيه، ورأى أنّ صلاحياته تندرج ضمن إطار الأحكام الشرعية الأولية. وقد قوبل هذا الرأي بالتخطئة من جانب الإمام الخميني، مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية ومنظّر ولاية الفقيه. ورأى الإمام الخميني أنّ كلام آية الله الخامنئي يتعارض تمامًا مع آرائه. وأوضح آية الله الخامنئي في رسالة موجزة أنّه يعدّ آراء الإمام من مسلّمات الفقه ويؤمن بها. كما وصف الإمام الخميني آية الله الخامنئي، في رسالة أخرى نشرها، بأنّه مؤمن بمباني الولاية المطلقة للفقيه.
وكان آية الله الخامنئي قد أبدى قبل ذلك، بطبيعة الحال، آراء فقهية في مناسبات مختلفة، غير أنّ أيًّا منها لم يحظَ بصدى إعلامي واسع. وقد نُشر جانب من كلماته التي كانت تنطوي أيضًا على أبعاد فقهية في كتاب «الفن من وجهة نظر السيد علي الخامنئي» سنة ١٤٠٨-١٤٠٩هـ.
وبعد أقل من عامين على تلك الخطبة الشهيرة، تولّى آية الله الخامنئي نفسه مقام ولاية الفقيه، ثم قُدِّم بعد خمسة أعوام بوصفه أحد مراجع التقليد الشيعة.
في أوائل العقد الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، نُشر استفتاء حول جواز إضراب العمال أو عدم جوازه. وكان عدد من الفقهاء قد أجابوا عنه وفقًا لمبانيهم ورؤاهم، ومن بينهم الشهيد آية الله الخامنئي، الذي كتب في جوابه عن الاستفتاء أنّ كل عمل يؤدي إلى إضعاف نظام الجمهورية الإسلامية حرام.
وفي ٢١ جمادى الآخرة سنة ١٤٣١هـ، تحدث في خطابه السنوي بمناسبة ذكرى رحيل الإمام الخميني، الذي كان يُخصَّص عادة للحديث عن المفاهيم الأساسية للجمهورية الإسلامية، عن وجوب حفظ النظام، وبيّن أدلته الفقهية. وأوضح أنّ حفظ الإسلام، ولا سيما الإسلام الأصيل غير المحرّف، يتوقف على حفظ نظام الجمهورية الإسلامية.
ولعلّ أكثر فتاوى آية الله الشهيد إثارةً للجدل هي فتواه بحرمة صنع السلاح النووي؛ وهي الفتوى التي تجاوزت نطاق الحياة اليومية للناس ووصلت إلى وسائل الإعلام العالمية والوكالة الدولية للطاقة الذرية. فعلى الرغم من الدلالة الواضحة للآية ٦٠ من سورة الأنفال: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ»، لم يرَ آية الله الخامنئي جواز صنع القنبلة النووية، وأشار في خطابه بتاريخ ٢٨ جمادى الأولى سنة ١٤٢٩هـ إلى أنّ القنبلة النووية لا تحقق الردع. وفي الواقع، فإنّ نظرته القائمة على تشخيص موضوع السلاح النووي، ومعرفته بالعلاقات الدولية وكيفية توازن القوى السياسية، أوصلتاه إلى أنّ السلاح النووي «غير قابل للتطبيق والاستخدام»، وأنّه «لا فائدة منه سوى تكاليف إنتاجه وصيانته». كما صرّح أمام العلماء النوويين سنة ١٤٣٢هـ بأنّ السلاح النووي «لا يصنع القوة».
ومن الفتاوى الخاصة الأخرى للشهيد آية الله الخامنئي فتواه بحرمة الإساءة إلى مقدسات أهل السنة. وكان آية الله الشهيد يُعدّ من علماء التقريب، ويسعى إلى الحد من التوترات بين المذاهب. وفي هذا السياق، كانت له صلات واضحة بعلماء المذاهب الأخرى، كما كان يولي هذه المسألة اهتمامًا كاملًا في مواقفه وخطاباته. وفي رسالة أصدرها بمناسبة اغتيال أحد علماء أهل السنة في كردستان، دعا لذلك العالم بالرحمة؛ كما عدّ المناضلين الفلسطينيين، مثل إسماعيل هنية، شهداء مستحقين للرحمة الإلهية عند استشهادهم. ويمكن أيضًا تحليل فتواه بحرمة الإساءة إلى مقدسات أهل السنة ضمن هذا الخطاب التقريبي نفسه. وكان آية الله قد وصف سلوكه، في ذكرى نقلها رضا أميرخاني، بأنّه ليس تكتيكًا، بل اعتقاد أساسي.
ولعلّ آخر رأي فقهي خاص لآية الله كان فتواه بجواز تقليد المرأة، التي أعلنها قبل استشهاده بأشهر، في جمادى الآخرة سنة ١٤٤٧هـ، خلال خطاب ألقاه بمناسبة ذكرى مولد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). أمّا رؤية آية الله الشهيد إلى القضايا الفقهية المتعلقة بالنساء فتحتاج إلى مجال آخر.
