حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي شفيعي، أستاذ وباحث في الحوزة العلمية بخراسان:

الفقه الأدنی، بدلاً من الترقیع الفقهی، یسعی إلی الاستفادة القصوی من العقلانیة العصریة!

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/18

١٤ Shahrivar ١٤٠٥ ٩ دقيقة قراءة ملف علمی
الملف العلمي: تحلیل الفقه المعاصر استناداً إلی نهج أدنی فی الفقه
المقاربة الدنيا للفقه تعني الرجوع الأقصى إلى العقلانية العصرية والأعراف العامة، لكنها لا تعني تقليل الرجوع إلى النصوص؛ ذلك أنّ رجوعنا في الوضع القائم أيضاً هو إلى الظنون لا إلى النصوص. هذا فضلاً عن أنّ الفقه القائم نفسه ليس منقطع الصلة بالأعصر الماضية، بل تغذّى من عقلانية تلك الأعصر.

إشارة: منذ عقود عدّة، وحجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي شفيعي يتابع النظرَ من الدرجة الثانية إلى علم الفقه، بمقاربة تجديدية. وهو المدير السابق لقسم الفقه التطبيقي في معهد الإسلام الحضاري، ومن أبرز المدافعين عن المقاربة الدنيا تجاه الفقه، بل تجاه الدين عموماً. أجرينا معه حواراً حول التحديات التي تواجه المقاربة الدنيا للفقه. ويرى أنّ كثيراً من هذه التحديات مشتركة بين المقاربتين الدنيا والقصوى للفقه. وقد سعى، من خلال عرضه ثلاث صياغات للمقاربة الدنيا لعلم الفقه، إلى تقديم نظرة دقيقة لهذه المسألة. وفيما يأتي نصّ الحوار الخاص الذي أجرته «الفقه المعاصر» مع هذا الأستاذ والباحث في الحوزة العلمية بمشهد:

الفقه المعاصر: ما المراد من المقاربة الدنيا للفقه؛ أي في أيّ المجالات من مجالات حياة الإنسان يكون تدخّل الفقه؟

شفيعي: يمكن أن تكون للمقاربة الدنيا ثلاث صياغات:

المقاربة الدنيا في الصياغة الأولى، وتعني الدخول الأدنى التناسبي/الموردي إلى جميع مجالات العيش الإنساني: ففي هذه الصياغة، يدخل الفقه في جميع مجالات العيش الإنساني، أي: العبادات، والمعاملات، والمناكحات، وفصل الخصومات، وغيرها؛ لكن هذا الدخول قد يختلف باختلاف المجالات، مورداً بمورد: ففي العبادات مثلاً، يكون الدخول أقصى، سواء في الأهداف والأصول أم في المصاديق والفروع؛ أمّا في المعاملات والمناكحات وفصل الخصومات وغيرها، فيكون الدخول في الكليات والأصول والأهداف، بينما تُترك الجزئيات لدخول أدنى، ويُوكَل الباقي إلى العقل والعرف.

المقاربة الدنيا في الصياغة الثانية، بمعنى إحالة بعض المجالات إلى العقلانية العصرية والأعراف: ففي هذه الصياغة، يدخل الفقه في الأمور الفردية والعبادية والأحوال الشخصية، ويُحيل المجال العام والاجتماعي – الذي يُعبَّر عنه بالفضاء العام وفضاء السياسة وغيرهما – إلى العقلانية العصرية والأعراف، مع الحفاظ بطبيعة الحال على أهداف الشريعة ومقاصدها؛ من قبيل شكل الحكم، وتنظيم هياكل إدارة الدولة، والمصارف والعمل المصرفي، والأمن الاجتماعي والسياسي، والعلاقات الدولية، وغيرها.

المقاربة الدنيا في الصياغة الثالثة، وتعني النطاق الأخصّ، إذ إنّ نطاق الفقه بالأصالة هو العبادات، وأمّا دخوله فيما سوى العبادة فهو بالعرض؛ وفي العالم الجديد، حيث بات بمقدور العرف والعقلانية البشرية أن يتكفّلا بالحقول غير العبادية، لم يعد ثمة مجال لدخول الفقه، أو أنّ أقصى ما يمكن أن يدخل به الفقه هو بصفته إرشادياً.

ولكلٍّ من الصياغات الثلاث المذكورة لوازمها وتبعاتها، وأظنّ أنّ المقاربة الدنيا بالمعنى الثالث هي الأقدر على إعانة استمرار العيش الفقهي للمؤمنين، وإدامة حياة الفقه بوصفه علماً دينياً.

الفقه المعاصر: هل تعني المقاربة الدنيا للفقه الرجوع الأقصى إلى العقل وسيرة العقلاء وتقليل الرجوع إلى النصوص؟ وفي هذه الحال، وبما أنّ فهم حكم العقل وسيرة العقلاء ممكن أيضاً لدى عامة الناس من غير الفقهاء، فهل يبقى ثمة مسوّغ لرجوع الناس إلى الفقهاء لفهم الشريعة؟

شفيعي: نعم، المقاربة الدنيا للفقه تعني الرجوع الأقصى إلى العقلانية العصرية[١] والأعراف العامة، لكنها لا تعني تقليل الرجوع إلى النصوص؛ ذلك أنّ رجوعنا في الوضع القائم أيضاً هو إلى الظنون لا إلى النصوص. هذا فضلاً عن أنّ الفقه القائم نفسه ليس منقطع الصلة بالأعصر الماضية، بل تغذّى من عقلانية تلك الأعصر.

والسؤال الرئيس الموجَّه إلى مخالفي النظرة الدنيا وعصرنة العقلانية الفقهية هو: ما الدليل والمسوّغ الصادق والمقبول لحجّية عقلانية الأعصر الماضية في مقابل نفي حجّية عقلانية العصر الحاضر؟ فهل يصحّ أن نتحدّث عن العقلانية العصرية للإمام الصادق (ع) أو الشيخ الطوسي وغيرهما، ثمّ لا نقبل عقلانية العصر الحاضر؟

وبطبيعة الحال، فإنّ العبء يقع على المدافعين عن الفقه الأقصى في أن يثبتوا أنّ فقههم لا صلة له البتة بالأعصر الماضية، وأنّه علم تشكّل في فراغ وتجريد محض؛ وهي دعوى باهظة الكلفة، لا يمكن إثباتها ولا هي معقولة.

أمّا في باب تسويغ الرجوع إلى الفقهاء: أولاً، ليس في الإسلام أصل يُسمّى “ضرورة الرجوع إلى الفقهاء” حتى ننشغل بالقلق من عدم الرجوع إليهم. ولهذا السبب بالذات يكتب الفقهاء أنفسهم في مستهلّ رسائلهم العملية: إنّ المكلَّف إمّا أن يكون مجتهداً، وإمّا مقلِّداً، وإمّا أن يكون محتاطاً؛ وعلى فرض كونه مجتهداً أو محتاطاً، فلا معنى لرجوعه إلى طبقة تُسمّى “المجتهدين”. وأضيف إلى هذا وجود تيار فكري يُدعى “الإخباريين”، لا يرون مشروعية أيّ رجوع إلى غير المعصوم – وهذا بطبيعة الحال لا يعني الدفاع عن الإخبارية، فنقدها قد جرى في موضعه -.

ثانياً، كما تقدّم، ففي المقاربة الدنيا بالصياغة الثالثة، يبقى قسم العبادات مجالاً خارجاً عن العقلانية العصرية والأعراف، ويبقى الرجوع إلى المجتهدين قائماً على فرض عدم إمكان الاجتهاد أو الاحتياط من قِبَل المكلَّف. هذا فضلاً عن أنّ الفقه يظلّ فاعلاً في سائر المجالات بوصفه مقترحات تُقدَّم للعرف والعقلاء.

ثالثاً، إنّ الرجوع إلى المتخصّص في كلّ مجال، رغم إمكان فهم حكم العقل وسيرة العقلاء في ذلك المجال، أمر قائم على الدوام؛ وهذا يعني أنّ الناس، رغم فهمهم العام، يراجعون المتخصّصين.

الفقه المعاصر: بما أنّ أنصار المقاربة الدنيا للفقه يفسّرون تقريباً جميع مسائل الشريعة استناداً إلى سيرة العقلاء وحكمهم، وبما أنّ عامة الناس أيضاً يمكنهم الرجوع إلى هذا الحكم وتلك السيرة، فما هي أساساً فلسفة بعثة الأنبياء؟

شفيعي: أولاً: يقوم السؤال على مقدَّمات غير محرَّرة. المقدَّمة الأولى: أنّ الأنبياء، على ما يُوحيه السؤال، إنّما بُعثوا للشريعة بمعنى الفقه فحسب؛ في حين أنّ الأنبياء، بشهادة التعاليم القرآنية والنبوية وتاريخ حياة المؤمنين، قد جاؤوا برسالة لثلاث ساحات من ساحات حياة الإنسان: ساحة الفكر والعقيدة، وساحة الأخلاق والمعنى، وساحة الفقه والشريعة. المقدَّمة الثانية: المقاربة الدنيا لا تعني عقلانية وعقلائية جميع مسائل الشريعة؛ بل إنّ للمقاربة الدنيا، كما ورد في التوضيح الأوّلي، ثلاث صياغات، وحتى الصياغة الثالثة – وهي الأقصى بينها – لا تدّعي هذه الكلّية المزعومة.

ثانياً: إنّ المراجعة الاجتهادية والتخصّصية لن تجد أبداً إمكانية العموم والشمول.

ثالثاً: على فرض حدوث ذلك، فإنّ فلسفة البعثة تكون قد اتّسع نطاقها لا أنّها أُصيبت بخلل أو خدش؛ إذ إنّ الأصل هو أن يستفيد الإنسان من عقله، وأن يبلغ من هذا الطريق النموّ والرقيّ.

الفقه المعاصر: ألا تؤدّي المقاربة الدنيا للدين إلى عرفنة الدين؟

شفيعي: يمكن في الإجابة عن هذا السؤال تقديم جواب نقضي وجواب حلّي.

الجواب النقضي: أوَلَم يُصبح الدين عرفياً بالفعل الآن؟ فالدين بمجرّد أن يفهمه الإنسان يصبح عرفياً. أليس هذا عين ما يقوله من مثل المرحوم مطهري حين يتحدّث عن الفقيه الريفي والفقيه الحضري، أو المرحوم شمس الدين حين يتحدّث عن البديهيات الفقهية في مقابل البديهيات الشرعية، أو عبد المجيد الشرفي حين يتحدّث عن إسلام الفقهاء، وإسلام السود، وإسلام العرب، وغيرهم؟ فمَن ذا الذي يستطيع أن يتجاهل دور الجنس والأمزجة والأخلاق في الفهم، في العالم الجديد؟ أوليس كلّ هذا عرفنةً؟

أوَلَم يُفضِ الاستفادة من عنصر المصلحة في هذه العقود الأخيرة، خلافاً لسابقتها في الفقه الشيعي، إلى العرفنة؟ أوَلن يُفضي توسّع المؤسسات التشريعية العرفية والعصرية في تجربة الجمهورية الإسلامية إلى عرفنة الفقه؟ كلّ هذه الأمور تحمل في طيّاتها إمكانية عرفنة الفقه، وهي ليست مذمومة فحسب، بل هي محمودة أيضاً؛ لأنّها تُقلِّل من تحدّيات الفقه وأزماته.

وإزاء هذه المسارات، يبدو أنّ الصياغة الدنيا للفقه بقراءتها الثالثة هي حركة من الترقيع الفقهي نحو الاستفادة القصوى من العقلانية العصرية، وهي حركة قادرة، في نوعها، على الإجابة عن الانتقادات الموجَّهة إلى عدم كفاءة الفقه.

الجواب الحلّي: إذا فهمنا العرفنة بمعنى غياب حضور الله في المنظومة المعرفية، فلا، لا يحدث مثل هذا الأمر في النظر الأدنى إلى الفقه. أمّا إذا فهمنا العرفنة بمعنى أنّ الله جعل فهم البشر لتعاليمه مشروطاً بمنهجية الحجّة، وأنّ ما نواجهه بالتالي هو فهم البشر لتعاليم الدين، فلا إشكال في ذلك.

اسمحوا لي أن أستشهد بجزء من مقالتي غير المنشورة بعنوان «الإيمان في المدينة»:

يكتب هارفي كوكس، اللاهوتي الأمريكي، في مقدّمته الأخيرة على كتابه الأكثر مبيعاً والمثير للجدل «المدينة العلمانية» – والذي كان قد تحدّث فيه سابقاً عن صياغة السيدة أرمسترونغ لـ«موت الله» -: في شتّى أنحاء العالم، وبدلاً من «موت الله»، ما نراه هو الميلاد الجديد للآلهة والإلاهات.[٢]

… فهل «ابتعد الله كثيراً عن الحياة الجديدة ولم يعد له دور»[٣]، أم أنّه لم يبتعد فحسب، بل «اقترب كثيراً من الشؤون الدنيوية، وهو حاضر في جميع جوانب الحياة العلمانية»[٤]؟ ويكتب أحد المتخصّصين بحقّ: إنّ الآراء التي كان يتبنّاها بعض علماء الاجتماع الكلاسيكيين، والقائلة بأنّه كلّما ازداد المجتمع حداثة اضمحلّ الدين أو خفت وهجه… ألم تتحقّق؟ ولهذا السبب بالذات أعاد بعض المؤلّفين النظر في نظريات علماء الاجتماع الكلاسيكيين… ولا ينبغي الجزم بزوال الدين والتديّن في العالم الجديد.[٥]

والعالَم الذي نظنّ أنّه، بالاستفادة القصوى من العقلانية، آخذٌ في التحوّل نحو العلمنة، قد نبّه آخرين إلى أنّه، على العكس من ذلك، يجعل العالَم أكثر إلهيّةً؛ وإن كان إله هذا العالَم وإنسانُه ليسا بالضرورة إله ما قبل العصرنة نفسه.

الفقه المعاصر: أنصار المقاربة الدنيا للدين، مع اعتبارهم الإجابة عن كثير من المسائل خارجةً عن وظيفة الفقه، يتولّون في الوقت نفسه مناصب من قبيل المرجعية، وهو ما يستلزم إجابة قصوى عن أسئلة الناس. فكيف يمكن حلّ هذا التناقض؟

شفيعي: أولاً، على فرض دخولهم في ساحة لا تتطابق عملياً مع ساحتهم النظرية، فإنّ الإشكال هو إشكال عدم تطابق ساحة النظر مع ساحة العمل، وهذا لا يُبطل بالضرورة ساحتهم النظرية. بعبارة أخرى، ينبغي التفريق بين ساحة العمل وساحة النظر. وعلى الرغم من أنّ التوقّع المعقول والمنطقي هو أن يكون عمل الإنسان تابعاً لنظره، فإنّ هذا التوقّع المعقول يصطدم أحياناً بضرورات غير اختيارية. فمثلاً، في مجتمع لا يزال في طور التحوّل ولم يعتد بعد على الفقه الأدنى، لا سبيل سوى قبول مرجعية قائمة على المقاربة التقليدية القصوى؛ لكن يُسعى في مقام العمل، عند الإجابة عن أسئلة المقلِّدين، إلى إحالتهم إلى ساحات غير فقهية، وصولاً تدريجياً إلى الفقه الأدنى.

ثانياً، إنّ الفقه الأدنى نفسه بحاجة أيضاً إلى مؤسّسة تتناسب معه. ففي الفقه الأدنى، ليس المطلوب أن يخرج الدين من حالته المؤسّسية وأن تُشخصَن جميع الساحات المعرفية؛ لأنّ ذلك غير ممكن وغير مرغوب في آنٍ معاً. غير ممكن؛ لأنّه يحتاج إلى تخصيص وقت وتحصيل تخصّص لا يتيسّر للجميع؛ وغير مرغوب أيضاً؛ لأنّنا لو اعتبرنا الفقه الأدنى فقهاً مقتصراً على العبادات، فإنّ هذه الساحة بحاجة إلى نوع من الاشتراك أو التجانس، حتى يتسنّى من خلاله تحقيق الانسجام العبادي.

الفقه المعاصر: كيف كانت تجربة المقاربة الدنيا للفقه في البلدان الإسلامية والمسيحية؟

شفيعي: بطبيعة الحال، لا ينبغي ولا يمكن إجراء مقارنة بين الإسلام والمسيحية؛ إذ إنّ الشريعة الإسلامية، بخلاف المسيحية – التي إن لم نقل إنّها تفتقر إلى ما نُطلق عليه اسم الشريعة – هي في المقاربة التقليدية شريعة ضخمة الحجم وثرية المضمون. وفي العالم الإسلامي أيضاً، ورغم أنّ مقولة تقليل دخول الفقه إلى ساحة عيش الناس، وإحالة الساحات العرفية والعقلية إلى العقلاء والأعراف، لم تتحقّق بعدُ على النحو المطلوب؛ فإنّ بعض البلدان التي نشهد فيها الفصل بين الفقه والسياسة، أو بين الدين والسياسة، لم يكن لذلك على الدين آثار سلبية فحسب، بل اكتسب الدين من خلاله، إن جاز التعبير، اعتباراً ومصداقية.

ولعلّ تركيا نموذجاً لبلد من هذا القبيل، حيث أدّى قيام الدولة بهذا الفصل إلى أن تُظهر مظاهر التديّن وتجلّياته نفسَها في ذلك المجتمع على نحو جيّد، ومن خلال هذا المسار ساعد على جذب الأفراد نحو التديّن وترغيبهم فيه.


[١]. للمزيد من التفصيل والدقّة، يُنظر: كتاب «أخلاق الاجتهاد»، لأبي القاسم فنائي.

[٢]. مقدّمة على الطبعة الجديدة من كتاب:
Cox, Harvey (2013). The Secular City: Secularization and Urbanization in Theological Perspective. Princeton University.

[٣]. هكذا كان يفكّر كارل بارت. يُنظر: نيك‌پي، أمير (١٤٤٠هـ). علم اجتماع التديّن. طهران: نگاه معاصر، ص٢٠٢.

[٤]. علم اجتماع التديّن، ص٢٠٣.

[٥]. نيك‌پي، أمير (١٤٤٠هـ). علم اجتماع التديّن. طهران: نگاه معاصر، ص٢٤٢.