أمين الله أميني

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/15

يضم كتاب "نقد أصول الفقه والكلام" لمؤلفه محمد مجتهد شبستري مجموعة من المحاضرات والمقالات والحوارات للكاتب، والتي تتناول نقد أصول الفقه والكلام الإسلامي. ويسعى شبستري، الذي يُعد من المفكرين التنويريين الدينيين، في هذا الأثر إلى تحدي المناهج التقليدية في الفقه اللاهوتي الإسلامي وإعادة قراءتها وفق منهج هرمينوطيقي (تأويلي) وحديث.

إشارة: يُعد محمد مجتهد شبستري أحد المفكرين التنويريين البارزين في البلاد خلال السنوات الأخيرة. وإن عبوره وتجاوزه لعلم الفقه وبعض مصادر هذا العلم قد أوجد فاصلة صريحة بينه وبين المتجددين الدينيين الذين يسعون في إطار الشريعة للوصول إلى مقولات جديدة في العلوم الإسلامية. ويُعتبر كتاب “نقد أصول الفقه والكلام” الصادر عام ١٤٣٨ هـ (١٣٩٦ هـ.ش) في ٦٨٩ صفحة أحد أهم كتبه؛ حيث يُعبر هذا الكتاب—الذي هو حصيلة محاضرات ومقالات وحوارات متعددة للمؤلف—في الحقيقة عن رؤيته لمجموع العلوم الإسلامية. وهو يفترض في هذا الكتاب دوراً أدنى (حداً أدنى) للفقه في العلوم الإسلامية وإدارة الحياة البشرية. وبهذه المناسبة، نضع بين يدي القارئ تقريراً موجزاً عن هذا الكتاب:

مقدمة

يضم كتاب “نقد أصول الفقه والكلام” لمؤلفه محمد مجتهد شبستري مجموعة من المحاضرات والمقالات والحوارات للكاتب، والتي تتناول نقد أصول الفقه والكلام الإسلامي. ويسعى شبستري، الذي يُعد من المثقفين الدينيين، في هذا الأثر إلى تحدي المناهج التقليدية في الفقه واللاهوت الإسلامي وإعادة قراءتها وفق منهج هرمينوطيقي وحديث.

وتتمثل الموضوعات الرئيسية للكتاب فيما يلي:

إعادة تعريف المفاهيم الدينية مثل الله، والعدالة، وحقوق الإنسان، والتدين؛
دراسة تناقضات الفقه التقليدي مع مقتضيات العصر وتقديم مقترحات للإصلاح؛
تحليل التحولات التاريخية للدين وآثارها في المجتمعات الحديثة؛
نقد التوظيف السياسي والأدواتي للدين في الحكومات الإسلامية؛
تقديم الهرمينوطيقا الحديثة بوصفها منهجاً جديداً لفهم النصوص الدينية.

ويتكون هذا الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسية:

المحاضرات: وتتضمن آراء المؤلف في قالب محاضرات حول الدين، واللاهوت، والعدالة، وحقوق الإنسان، وموضوعات أخرى.
المقالات: وتتضمن تحليلات عميقة حول موضوعات مثل الرجم، والقصاص، وحقوق الإنسان، والهرمينوطيقا الدينية، والإصلاحات الفقهية.
الحوارات: وتتضمن مقابلات أجاب فيها المؤلف عن الانتقادات وقدم تفاسير جديدة للدين والفقه الإسلامي.

وفيما يلي، نستعرض كل قسم من هذه الأقسام بالتفصيل.

القسم الأول: المحاضرات

يضم هذا القسم عدة محاضرات مهمة ألقاها شبستري في المحافل العلمية والدينية. وتتضمن الموضوعات الرئيسية لهذه المحاضرات اسم الله، ومعنى العدالة في القرآن، وتحولات الدين، وحقوق الإنسان، ولغة الدين. وفيما يلي نستعرض بعض أهم المباحث في هذا القسم:

  1. اسم الله وذكره

يسعى شبستري في هذه المحاضرة إلى إظهار أن مفهوم “الله” قد تعرض للتغيير والتحول على مر التاريخ لأسباب اجتماعية وسياسية وفلسفية. وهو يعتقد أن الدين التقليدي—بدلاً من تنمية الروحانية—قدم صورة أدواتية بل وحتى مريضة عن الله. ويناقش هذا الموضوع من عدة زوايا:

التصورات المختلفة عن الله: قد يظهر الله في أذهان الأفراد المختلفين بأشكال متعددة: “الإله القهار”، “الإله الرحيم”، “الإله المشرّع”، “الإله المجازي والمُعاقِب”.

التوظيف الأدواتي لله: يؤكد شبستري أنه في تاريخ الأديان، كان اسم الله أحياناً أداة لتبرير السلطة والقمع.

المنهج الهرمينوطيقي في فهم الإله: يقترح أنه يجب إدراك الله لا بوصفه مفهوماً ثابتاً بل بوصفه تجربة روحية متغيرة.

٢. معنى العدالة في القرآن

في هذه المحاضرة، يبحث شبستري معنى العدالة في القرآن وكيفية إعادة تفسيرها في عالم اليوم. ويُظهر أن:

العدالة في القرآن هي مفهوم أخلاقي وإلهي أكثر من كونها نظاماً حقوقياً محدداً؛

الافتراضات التقليدية عن العدالة في الفقه الإسلامي كانت أحياناً ناقصة أو غير صحيحة وتحتاج إلى إصلاح؛

ملاءمة العدالة القرآنية مع المفاهيم الحديثة مثل الديمقراطية، والمساواة، وحقوق الإنسان، تُعد أمراً ضرورياً من وجهة نظر المؤلف.

٣. التحولات التاريخية للدين حتى العصر الحاضر

يركز هذا الجزء على كيفية تغير مفهوم الدين على مر التاريخ. يقول شبستري:

تحول الدين من تجربة روحية فردية إلى نظام الاجتماعي وحقوقي مُنظَّم؛

على مر التاريخ، كان للقائمين على الدين (الفقهاء، والمتكلمين، والحكام الدينيين) دور كبير في تشكيل الدين؛

أدت الحداثة والعلتنة والعلم الحديث إلى تغييرات جذرية في فهم الدين.

٤. حقوق الإنسان وحقوق الله

تُعد العلاقة بين حقوق الإنسان والشريعة الإسلامية إحدى التحديات الرئيسية في المجتمعات الإسلامية. ويعتقد شبستري أن:

حقوق الإنسان تقوم على الفردية والحرية، ولكن بعض التفاسير التقليدية للشريعة تقيدها؛

يجب إيجاد مناهج فقهية جديدة للتوفيق بين حقوق الإنسان والإسلام.

القسم الثاني: المقالات

يضم هذا القسم من الكتاب مقالات تحليلية ونقدية حول موضوعات متنوعة مثل حقوق الإنسان، والعدالة، والعقوبات الإسلامية، والهرمينوطيقا، والفقه، والدين في العالم المعاصر. ويسعى محمد مجتهد شبستري في هذه المقالات إلى نقد الرؤى التقليدية للمفاهيم الدينية والفقهية وتقديم حلول لإعادة النظر في هذه المفاهيم من منظور حديث.

وفيما يلي سنستعرض بعض أهم المقالات في هذا القسم بالتفصيل:

  1. رجم الإنسان باسم الله؟!

في هذه المقالة، يتناول شبستري مسألة الرجم بوصفه عقوبة شرعية، ويطرح السؤال التالي: هل حظيت هذه العقوبة بالفعل بتأييد في القرآن وسنة النبي؟

ويقدم عدة أدلة مهمة في رفض مشروعية الرجم:

غياب المستندات القرآنية: لا يوجد في القرآن أي إشارة إلى عقوبة الرجم. ويؤكد شبستري أن هذه العقوبة نشأت من التقاليد الفقهية المتأخرة وليس من النص الأصلي للقرآن.

الجذور التاريخية والثقافية للرجم: يوضح أن الرجم كان عقوبة سابقة للإسلام وكانت تُطبق في المجتمعات اليهودية والمسيحية أيضاً.

التناقض مع روح العدالة الإسلامية: إن عقوبة مثل الرجم تتناقض مع أصول العدالة الرحمة التي تُعد من الخصائص الأساسية للدين الإسلامي.

ويقترح شبستري وجوب إعادة النظر في الأحكام الجنائية في الإسلام في ضوء ظروف الزمان والمكان، ويؤكد أن الإصرار على تطبيق مثل هذه الأحكام دون مراعاة مقتضيات المجتمع الحديث يمكن أن يؤدي إلى الظلم والعنف.

٢. صيانة العدالة أم حفظ حق الانتقام؟

في هذه المقالة، يتناول شبستري موضوع القصاص في الفقه الإسلامي ويطرح السؤال: هل القصاص مجرد إجراء لتحقيق العدالة أم نوع من الثأر والانتقام؟

وباستخدام التحليلات التاريخية والفلسفية، يُظهر أن:

القصاص في الظروف الاجتماعية للقبائل العربية قبل الإسلام وُضع أساساً لمنع الحروب الدموية بين القبائل، وكان الهدف منه كبح جماح العنف لا تحقيق العدالة الفردية.
في العالم الحديث، يمكن أن يؤدي تطبيق القصاص بنفس الشكل التقليدي إلى الظلم وزيادة العنف؛ لأن الأنظمة الحقوقية المعاصرة تقوم على أساس إصلاح المجرمين وتأهيلهم لا مجرد العقاب الصرف.
يتعارض القصاص مع بعض أصول حقوق الإنسان، مثل أصل الكرامة الإنسانية وأصل إعادة تأهيل المجرمين.

ويقترح شبستري أنه لا ينبغي حصر الإسلام فقط في إطار القوانين الجزائية للقرون الماضية، بل يجب السعي نحو إيجاد أنظمة حقوقية أكثر عدالة بدلاً من التأكيد على العقوبات القاسية.

٣. التحول الهرمينوطيقي في اللاهوت الحديث

إحدى أهم المباحث التي يطرحها شبستري في مقالاته هي لزوم استخدام الهرمينوطيقا في فهم النصوص الدينية. وفي هذه المقالة، يوضح ما يلي:

ما هي الهرمينوطيقا؟: الهرمينوطيقا هي العلم الذي يعتني بمناهج تفسير النصوص الدينية والفلسفية، وتُستخدم اليوم بكثرة في مجال اللاهوت.

ضرورة استخدام الهرمينوطيقا في الإسلام: يُظهر شبستري أن التفاسير التقليدية للدين كانت عادة تابعة لظروف تاريخية خاصة، ولإدراك رسالة الدين بشكل أفضل في العالم المعاصر، يجب استخدام مناهج تفسيرية جديدة.

كيف يمكن للهرمينوطيقا أن تغير فهمنا للدين؟: باستخدام المناهج الهرمينوطيقية، يمكن:

دراسة النصوص الدينية في سياقها الاجتماعي والتاريخي؛
تقديم تفاسير أكثر مرونة وحداثة للمفاهيم الإسلامية؛
تحرير الفقه من الأطر التقليدية المحدودة وإعادة تعريفه بما يتناسب مع احتياجات المجتمعات المعاصرة.

٤. داعش والفقه الإسلامي

في هذه المقالة، يتناول شبستري تحليل الجذور الفقهية والكلامية للجماعات المتطرفة مثل داعش، ويوضح كيف أن:

التفاسير الخاطئة للإسلام أوجدت شرعية أيديولوجية للعنف؛
الفقه التقليدي بحاجة إلى إعادة نظر لتقليل إمكانية الاستغلال المتطرف له؛
الإسلام دين السلام ويجب تقديم تفاسير أكثر إنسانية عنه.

القسم الثالث: الحوارات

يتضمن هذا القسم حوارات علمية ومقابلات لمحمد مجتهد شبستري حول موضوعات متنوعة طُرِحَت في كتاب نقد أصول الفقه والكلام. وفي هذه الحوارات، يجيب شبستري عن أسئلة مهمة حول الفقه، والكلام، والتفسير الديني، والعدالة، وحقوق الإنسان، والحرية، ودور الدين في المجتمع.

ويشمل هذا القسم من الكتاب عدة حوارات مهمة، نستعرض كلاً منها بالتفصيل فيما يلي:

  1. الهرمينوطيقا والتفسير الديني للعالم

في هذا الحوار، يقدم شبستري الهرمينوطيقا بوصفها منهجه لتفسير النصوص الدينية ويؤكد على أهميتها في إعادة قراءة الدين. وهو يعتقد أن:

المناهج التقليدية لتفسير القرآن والحديث لم تعد تلبي احتياجات المجتمعات الحديثة؛
يجب دراسة القرآن والنصوص الدينية بالنظر إلى الظروف التاريخية والاجتماعية لزمن النزول؛
لا ينبغي حصر تفسير الدين في رؤى الفقهاء والمفسرين التقليديين، بل يجب أن يشارك في هذا المجال متخصصو العلوم الإنسانية، وعلماء الاجتماع، والفلاسفة.

ويشير إلى أن الهرمينوطيقا يمكن أن تُحدث تحولاً في فهمنا للدين وتتيح إمكانية قراءات جديدة للإسلام.

٢. مسألة العدالة وعلم الفقه

في هذا الحوار، يتناول شبستري دراسة العلاقة بين العدالة والفقه الإسلامي ويطرح السؤال: هل يمكن للفقه التقليدي أن يعمل كمنطلق لتحقيق العدالة في المجتمعات الحديثة؟

ويطرح عدة نقاط رئيسية:

كانت العدالة في الفقه التقليدي تعني مراعاة الأحكام الشرعية أكثر من مراعاة الحقوق الفردية والاجتماعية؛
في كثير من الحالات، تتناقض الأحكام الفقهية مع العدالة بمعناها الحديث (حقوق الإنسان، الحرية، المساواة)؛
يجب على الفقه أن يتحرك نحو تأمين العدالة الاجتماعية بدلاً من التركيز على الأحكام الجزائية والجنائية.

ويقترح شبستري أنه بدلاً من تطبيق الأحكام الفقهية التقليدية بالأسلوب القديم، يجب البحث عن سبل لتكييف الفقه مع القيم الحديثة.

٣. التفسير الحقوقي للدستور وإنقاذ البلاد

إحدى الموضوعات المهمة في الدول الإسلامية هي كيفية تفسير القوانين بناءً على الشريعة والأصول الديمقراطية. وفي هذا الحوار، يبحث شبستري كيفية إيجاد التوازن بين الدين والحكومة.

وتتمثل النقاط الرئيسية لهذا الحوار فيما يلي:

لا ينبغي كتابة الدستور بناءً على الرؤى التقليدية للشريعة فقط، بل يجب الاهتمام أيضاً بأصول الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية؛
يمكن للإسلام أن يكون ملهماً للتشريع، ولكن لا ينبغي أن يحل محل العقلانية والأصول الحقوقية الحديثة؛
يجب أن يكون تفسير النصوص القانونية بنحو يُراعى فيه حقوق المواطنين، لا أن يؤدي إلى التمييز التقييد.

ويؤكد شبستري أنه فقط من خلال التفسير الحقوقي والعقلاني للقوانين الإسلامية يمكن إيجاد مجتمع عادل وديمقراطي.

٤. التحول الهرمينوطيقي في اللاهوت الحديث

في هذا الحوار، يبحث شبستري التحولات الفكرية في اللاهوت الحديث ويوضح كيف تجاوز المفكرون الدينيون التفاسير التقليدية واتجهوا نحو مناهج أكثر حداثة.

ويقدم ثلاث مراحل مهمة في اللاهوت الإسلامي:

المرحلة الكلاسيكية: التي كانت تُفسَّر فيها النصوص الدينية بصورة حرفية.
المرحلة الفلسفية والكلامية: التي سعى فيها المفكرون الإسلاميون للتوفيق بين الدين والعقل.
المرحلة الهرمينوطيقية: التي جاءت فيها مناهج التفسير الحديثة والعلوم الإنسانية لخدمة فهم النصوص الدينية.

وخلص شبستري إلى أنه للحفاظ على الدين في العالم الحديث، يجب استخدام المناهج الهرمينوطيقية والابتعاد عن الرؤى الفقهية المتشددة.

٥. دور الدين في العالم الحديث

في هذا الحوار، يتناول شبستري تحديات الدين في العصر الحديث ويطرح السؤال: هل ما زال بإمكان الدين أن يلعب دوراً مهماً في حياة البشر؟

النقاط الرئيسية لهذا الحوار:

يجب على الدين في العالم الحديث أن يركز على الروحانية والأخلاق أكثر من التركيز على الأحكام الجزائية والفقهية.

يجب فصل دور الدين عن الحكومة لضمان الحريات الفردية.

يمكن للدين أن يكون ملهماً للقيم الإنسانية، ولكن لا ينبغي أن يكون أداة للقمع والضبط الاجتماعي.

ويقترح شبستري أن الرؤى الروحية والإنسانية للدين يمكن أن تحل محل القراءات التقليدية والمتشددة.

نتائج الكتاب

ُيعد كتاب “نقد أصول الفقه والكلام” أحد أهم آثار محمد مجتهد شبستري، حيث يناقش فيه تحديات الفقه والكلام والتفسير الديني من منظور حديث.

وتتلخص النتائج الرئيسية لهذا الكتاب فيما يلي:

  1. ضرورة إعادة النظر في الفقه والكلام الإسلامي:

لم يعد الفقه والكلام التقليديان يلبيان احتياجات عالم اليوم، ويجب الاهتمام بمفاهيم مثل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان بدلاً من الأحكام الجزائية الصارمة.

٢. أهمية الهرمينوطيقا في تفسير الدين:

لم تعد المناهج التقليدية للتفسير ذات فاعلية، ويجب الاستعانة بالعلوم الإنسانية والفلسفة لإدراك النصوص الدينية بشكل أفضل.

٣. مكانة الدين في العالم الحديث:

لا ينبغي أن يكون الدين أداة للحكم والسياسة، ويجب التأكيد على القيم الأخلاقية والروحية للدين بدلاً من التأكيد على الأحكام الفقهية.

٤. لزوم إصلاح القوانين في الدول الإسلامية:

لا ينبغي أن يكون التشريع مقتصراً على التفاسير التقليدية للدين، بل يجب إيجاد توازن بين الشريعة والأصول الديمقراطية.