عاطفة بارسيان راد

مبادئ الفقه في التربية/14

ترى اليهودية التربية في خدمة حفظ الشريعة والهوية القومية؛ وتركز المسيحية على الإيمان بالمسيح والمحبة والحياة الكنسية؛ بينما يبني الإسلام التربية على العبودية الخالصة، والكمال الإنساني الشامل، والفطرة المشتركة بين جميع البشر.

إشارة: على الرغم من أن التربية الدينية وفقه التربية قد يبدوان للوهلة الأولى من اختصاصات الشريعة الإسلامية، إلا أن إلقاء نظرة على سائر الأديان الإبراهيمية يُظهر وجود فقه للتربية في المسيحية واليهودية أيضاً؛ فقه تربوي يتقاطع مع فقه التربية الإسلامي في نقاط ويختلف عنه في أخرى. تحاول الباحثة عاطفة بارسيان راد، الخريجة بدرجة البكالوريوس من الجامعة والمستوى الثاني من الحوزة العلمية للنساء، في هذه المقالة الخاصة، تبيان وجهة نظر المسيحية واليهودية حول فقه التربية. وفيما يلي النص الكامل لمقالة هذه الباحثة في مجال الفقه الاجتماعي:

مقدمة

تُعدّ التربية الدينية، بوصفها إحدى أهم الأوامر الإلهية في الأديان الإبراهيمية، عملية أساسية لتنشئة الإنسان الكامل والباحث عن الله، وتضطلع بدور محوري في تشكيل الشخصية الفردية والاجتماعية (دراز، ١٤٣١هـ). وقد قدمت الأديان السماوية، بما تمتلكه من سند وحياني، مبادئ وأصولاً ومناهج خاصة للتربية. ويقوم «فقه التربية»، باعتباره فرعاً حديثاً من الفقه الشيعي، باستنباط الأحكام الشرعية للسلوكيات التربوية واستخراج نظام منسجم من المصادر الدينية (أعرافي، ١٤٣٥هـ، ص ٥١-٥٦؛ المطهري، د.ت، ص ٥٢؛ همت بناري، ١٤٣١هـ).

في العصر الراهن، ومع بروز التحديات الأخلاقية وأزمة الهوية والتناقضات الثقافية، تتجلى الضرورة الماسة للدراسة المقارنة بين الأنظمة التربوية في الإسلام واليهودية والمسيحية. تمتلك هذه الأديان برامج تربوية تقوم على التوحيد الإبراهيمي، غير أن الاختلاف في تفسير التوحيد والرؤية الإنسانية (الأنثروبولوجيا) أدى إلى نتائج متباينة. التساؤل الرئيسي: كيف يربي الفقه التربوي في كل دين الإنسان؟ في اليهودية، أدى الاعتقاد بـ «الشعب المختار» إلى نوع من الاستعلاء القومي والعزلة («بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ»، المائدة: ١٨) (إيرواني، ١٤٢٥هـ، ص ١٧٧-٢٠٠؛ جارودي، ١٤١١هـ). وفي المسيحية التقليدية، أضعفت فكرة “الخطيئة الأولى” و”الكفارة” المسؤولية الفردية («وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ»، الأنعام: ١٦٤؛ فاطر: ١٨) وجعلت التربية قائمة على العقاب والتأديب (ميلر، ١٤٣٥هـ، ص ٦٦؛ جمشيدي ها وشعبان، ١٤٤١هـ، ص ٢٦-٢٣٥). أما الإسلام، فقد أصلح هذه الانحرافات عبر التأكيد على الفطرة الطاهرة («فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا»، الروم: ٣٠) والمساواة («إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، الحجرات: ١٣)، وقدّم تربية وقائية ومتوازنة من خلال أحكام الحضانة والرضاع والتعليم التدريجي (الزيدي، ١٤٤٣هـ؛ الأنصاري، د.ت، ج ١، ص ٤٧٨-٤٨٩؛ قرباني مقدم، ١٤٤٤هـ؛ الجناتي، ١٤١٦هـ، ص ٩-١٠).

إن شمولية الفقه الإسلامي – التي تتجاوز القيود القومية والزمانية – جعلت التربية عالمية وإصلاحية، كما أن التحولات الحديثة (مثل اتفاقية حقوق الطفل لعام ١٩٨٩م) جعلت اليهودية والمسيحية أكثر قرباً من المبادئ الإسلامية (جمشيدي ها وشعبان، ١٤٤١هـ، ص ٢٦-٢٣٥؛ همت بناري، ١٤٣١هـ). تُبرز هذه الدراسة أوجه الشبه (الأخلاق والمعنوية) وتحلل أوجه الاختلاف (المساواة في الإسلام) لإثبات كمال التربية الإسلامية (علوي، ١٤٣٠هـ؛ مرادي، ١٤٣٦هـ).

  • الهدف الرئيسي: إثبات كمال فقه التربية الإسلامية باعتباره خاتماً ومصلحاً للانحرافات السابقة، ونظاماً عالمياً قائماً على التوحيد الخالص.

  • الأهداف الفرعية: تبيان مبادئ كل دين، وتحليل الانحرافات، ومقارنة أوجه الشبه والاختلاف.

  • الابتكار العلمي: تقديم نموذج عالمي قائم على التوحيد الخالص يمتلك قدرة الإصلاح والتعايش في المجتمعات متعددة الثقافات (أعرافي، ١٤٣٣هـ؛ مرادي، ١٤٣٦هـ؛ علوي، ١٤٣٠هـ).

القسم الأول: ضبط مفاهيم الفقه، والتربية، وفقه التربية

“الفقه” في اللغة يعني الفهم العميق والإدراك الدقيق؛ فهم ينتقل من المعلومات الحاضرة إلى المجهولات والطبقات الخفية، ويتجاوز مجرد “العلم” و”المعرفة” (الراغب الأصفهاني، د.ت، ص ٦٤٢؛ الجوهري، د.ت، ج ٦، ص ٢٢٤٣؛ الفيروزآبادي، د.ت، ج ٤، ص ٢٨٩؛ ابن فارس، د.ت، ج ٤، ص ٤٤٢؛ الفيومي، د.ت؛ المصطفوي، ١٤٠٢هـ؛ عبد الناصر، د.ت، ج ١، ص ٩). وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم في قالب الدعوة إلى التدبر والتفقه في الآيات الإلهية (الأنعام: ٦٥ و ٩٨؛ الإسراء: ٤٤؛ التوبة: ١٢٢؛ يونس: ١٠١)، كما برز في الروايات؛ حيث قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ» (النوري، ١٤٢١هـ، ج ١، ص ١٥٣؛ الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٣٥). وفي الاصطلاح الإسلامي، كان الفقه في البداية يعني الفهم العام للدين، ثم اختُص تدريجياً بـ “العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية” (ابن منظور، ١٤١٤هـ؛ النوري، ١٤٢٠هـ، ص ٧؛ الجناتي، ١٤١٦هـ، ص ٣؛ مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، ١٤٢٣هـ، ج ١، ص ١٧؛ الجرجي، ١٤١٩هـ، ص ٧؛ الشهابي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣٠).

إن اتساع نطاق الفقه الإسلامي، الذي نشأ كأحد أول العلوم بعد ظهور الإسلام، يعود إلى شموليته في تغطية مجالات العبادات، والأسرة، والحقوق المدنية، والجزائية، والسياسية (المطهري، د.ت، ص ٥٢، ٥٨؛ تقوي، ١٤١٦هـ، ص ١٩٧–١٩٨، ٢١١؛ الجناتي، ١٤١٦هـ، ص ١٠). وهذه الشمولية تضرب بجذورها في عالمية القوانين الإسلامية الموضوعة لهداية الإنسان وسعادته في كل زمان ومكان (الجناتي، ١٤١٦هـ، ص ٩)، وتتميز عن “الهلاخاه” اليهودية التي تُعرَّف غالباً في إطار الهوية القومية، وعن الأحكام المسيحية التي أُخذ جزء كبير منها من العهد القديم واكتست في العهد الجديد طابعاً أخلاقياً بالدرجة الأولى (ميلر، ١٤٣٥هـ، ص ٦٦).

أما «التربية» فتعود في أصلها اللغوي إلى مادة “ربو” و”ربب”، بمعنى تنمية الشيء، والزيادة، وإخراج الاستعدادات من القوة إلى الفعل (الفراهيدي، د.ت، ج ٨، ص ٢٨٣؛ ابن الأثير، د.ت، ج ٢، ص ١٨١؛ ابن منظور، د.ت، ج ١، ص ٤٠٤؛ المطهري، ١٤٣١هـ، ج ٢٢، ص ٥٥١). وفي التراث الديني، تعني التربية إيصال الإنسان إلى كماله اللائق عبر تهذيب الأخلاق وتنمية كافة أبعاد وجوده (المدني، د.ت، ج ٤، ص ٣٥٠؛ الغزالي، د.ت، ص ٢٦٢؛ صليبا، د.ت، ص ٢٢١–٢٢٢). إن اختلاف الأديان في تصوير الله والإنسان والآخرة يؤدي إلى اختلاف أهداف ومسار التربية؛ فبينما تؤكد بعض المذاهب على التخلص من المعاناة (النيرافانا) أو الاقتصار على الكمال الروحي، يرى الفقه التربوي الإسلامي أن الهدف هو الكمال الإنساني الشامل في ظل العبودية الخالصة والاهتمام المتوازن بكافة الأبعاد (دراز، ١٤٣١هـ).

وفقه التربية فرع حديث من الفقه يسعى إلى تبيين الأفعال الاختيارية للمربّي والمتربّي في إطار الأحكام الشرعية الخمسة (الواجب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، الإباحة)، واستخراج نظام تربوي منسجم من خلالها (أعرافي، ١٤٣٣هـ؛ أعرافي، ١٤٣٥هـ، ص ٥١–٥٦؛ موسوي، ١٤٣٧هـ). ووفقاً لهذا التصور، ليست التربية الدينية مجرد “تعليم للعقائد”، بل هي عملية تنظيم لجميع أبعاد حياة المتربي على أساس القيم الإلهية. ولتجنب الخلط بين الهدف والوسيلة، يلزم ترجمة أهداف التربية الدينية إلى سلوكيات قابلة للقياس، وأن تتناسب البرامج مع طاقة المتربي، وأن يكون التقييم الإيماني هو محور المراجعة (دراز، ١٤٣١هـ).

إن التفاعل بين الفقه والتربية في المجتمع الإسلامي يوفر الركيزة النظرية للفقه التربوي. ويدور هذا التفاعل حول خمسة محاور مشتركة: الموضوع المشترك (الإنسان وسلوكه)، النطاق الواسع على مدى العمر وكافة أبعاد الوجود، المحتوى المشترك المقوم من “الأوامر والنواهي”، الهدف الغائي الواحد وهو القرب الإلهي (الذاريات: ٥٦)، والوظيفة العملية في ميدان السلوك (همت بناري، ١٤٣١هـ؛ صالحي وكبير، ١٤٤٤هـ). فالفقه، من جهة، يضع الأحكام متناسبة مع طاقة الإنسان بناءً على الحقائق التربوية، ومن جهة أخرى، يستخرج أصولاً تربوية مهمة من خلال قواعد مثل التخفيف واليسر («يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، البقرة: ١٨٥) ومراعاة وسع المتربي (همت بناري، ١٤٣١هـ؛ صالحي وكبير، ١٤٤٤هـ). وقد مكنت هذه الرؤية من توسيع الفقه نحو “فقه التعليم والتربية” وتصميم مراحل الحياة التربوية (مثل السيادة، الطاعة، الوزارة) (صالحي وكبير، ١٤٤٤هـ).

وبناءً على ذلك، يستند فقه التربية في الإسلام إلى صورة كريمة للإنسان («وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، الإسراء: ٧٠)، والمسؤولية الفردية («وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ»، الأنعام: ١٦٤)، والفطرة الإلهية الطاهرة («فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا»، الروم: ٣٠) (علوي، ١٤٣٠هـ؛ الزيدي، ١٤٤٣هـ). وتربية الولد في هذا الإطار واجب إلهي لتنشئة الإنسان الصالح، وتترجمه شبكة من الأحكام الواجبة والمحرمة والمستحبة والمكروهة في مجالي العبادات والأسرة إلى واقع عملي (الزيدي، ١٤٤٣هـ؛ زرين دوست وببردل، ١٤٤٤هـ). وتظهر نماذج مثل التعليم التدريجي للعبادات، وأحكام الحضانة والرضاع، وتكليف الوالدين بتعليم أصول الاعتقاد والمنع من المفاسد، أن فقه التربية الإسلامي ينتهج رؤية قائمة على المسؤولية، والوقاية، والاعتدال، ويوجه التربية نحو الكمال التوحيدي وتفتح جميع الاستعدادات (الحر العاملي، د.ت؛ المحدث النوري، د.ت؛ الطباطبائي، د.ت؛ العلامة الحلي، د.ت؛ الشهيد الأول، د.ت؛ النجفي، د.ت؛ الشهيد الثاني، د.ت؛ الشيخ المفيد، د.ت؛ الطباطبائي اليزدي، د.ت؛ الخوئي، د.ت؛ الحكيم، د.ت؛ الإمام الخميني، د.ت؛ سعدي أبو حبيب، ١٤٠٨هـ؛ الكليني، ١٤٠٧هـ؛ المشكيني، ١٤١٦هـ؛ بندرجي، ١٤٣٠هـ؛ قرباني مقدم، ١٤٤٤هـ؛ همت بناري، ١٤٣١هـ؛ موسوي، ١٤٣٧هـ).

القسم الثاني: فقه التربية في اليهودية

يقوم الفقه التربوي في اليهودية على «الهلاخاه»؛ وهي الشريعة الربانية المستمدة من التوراة والتلمود، والتي دُوّنت بعد دمار الهيكل الثاني وتشتت اليهود في قالب “المشنا” ثم “التلمود”، لـتتحول إلى مجموعة واسعة من الأحكام الدينية والاجتماعية (الموسوعة اليهودية، مدخل Talmud؛ Jewish Encyclopedia، مدخل Talmud). تضع الهلاخاه التربيةَ أساساً في خدمة حفظ الشريعة والهوية القومية؛ حيث يُعتبر اليهود “الشعب المختار” المقترن بعهد خاص مع الله، وتُنظّم التربية لضمان الولاء للوصايا (الـ ميصووت) واستمرار هذه الهوية (أنترمان، ١٤٢٧هـ؛ مرکز مطالعات پاسخگویی به شبهات اندیشه قم، د.ت).

وقد أدت هذه الأنثروبولوجيا إلى نوع من الاختيار القومي، وفي بعض التفاسير الحاخامية إلى استعلاء ديني، وركزت التربية على الانفصال عن غير اليهود، والعيش في الغيتوات (المعازل)، والتأكيد على التخوم الهوياتية (إيرواني، ١٤٢٥هـ؛ جارودي، ١٤١١هـ). وقد رفض القرآن الكريم ادعاء التفوق الذاتي هذا، واعتبر اليهود “بشراً” كغيرهم («بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ»، المائدة: ١٨)، وجعل التقوى معيار الكرامة («إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، الحجرات: ١٣)؛ ومن هنا، تقوم التربية الإسلامية على الفطرة الإنسانية المشتركة وعالمية الرسالة، بينما تظل التربية اليهودية في الغالب محصورة في النطاق القومي الداخلي.

إن هدف التربية الدينية في اليهودية هو حفظ الهوية الدينية–القومية ونقل الشريعة إلى الأجيال القادمة؛ وفي بعض المصادر يُعد ترك تعليم التوراة للأبناء من أسباب دمار أورشليم (مركز دراسات الرد على الشبهات في قم، د.ت؛ حبيب لوي، ١٤١٧هـ). ويتميز النموذج التربوي بفروق جنسية واضحة: فقبل سن الثالثة تكون التربية مشتركة، ولكن بعد هذه السن تُطبق المظاهر الخارجية والتعليمية الخاصة بالبنين (مثل الجدائل الجانبية واللباس الديني) وقواعد مثل “الييحود” (العزلة) للبنات؛ كما ترتبط المراهقة الدينية بـمراسم “بار ميتسفا” للفتيان و”بات ميتسفا” للفتيات (أنترمان، ١٤٢٧هـ). وإلى جانب ذلك، تؤكد التوراة والتلمود على أخلاقيات مثل احترام الوالدين، واجتناب ظلم الغريب، والابتعاد عن المفاسد الأخلاقية (لاويين ٢٠: ٩؛ خروج ٢٠: ١٢، ٢٣: ٤–٩؛ حبيب لوي، ١٤١٧هـ). ورغم هذه القيم، فإن التركيز على الهوية القومية والقيود الجنسية يبعد هذا النظام التربوي عن الشمولية والتوازن المتوفرين في التربية الإسلامية (مرادي، ١٤٣٦هـ).

القسم الثالث: فقه التربية في المسيحية

تُستمد الأصول التربوية في المسيحية من الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) والتقليد الكنسي. ويركز العهد الجديد على التعاليم الأخلاقية والروحية لـعيسى المسيح، جاعلاً المحطة الأساسية للمحبة، والمغفرة، والتوبة، والإيمان (ميلر، ١٤٣٥هـ). والتربية الدينية في هذا التراث أقل “فقهية” وأكثر “أخلاقية وكنسية”؛ حيث تضطلع الأسرة والمعلم بدور الميسّر للقيم والمنظم لبيئة التعلم (علوي، ١٤٣٠هـ؛ Barber، د.ت). تُعد الأسرة النواة الأساسية للتربية، وتؤكد نصوص متعددة على احترام الوالدين، ومسؤوليتهما في التعليم والتأديب، وتنظيم العلاقات الزوجية والأسرية (أمثال ٢٢: ٦؛ تثنية ٦: ٦–٧؛ أفسس ٥: ٢٢–٣٣؛ ٦: ٤؛ كولوسي ٣: ٢٠؛ دائرة معارف الكتاب المقدس، ١٤٢٣هـ؛ باغباني، ١٤٢٧هـ).

في الوقت نفسه، فإن بعض التعاليم اللاهوتية في المسيحية الرسمية – مثل التثليث، وألوهية المسيح، والخطيئة الأولى، ونظرية الكفارة – تُعد محل نقد جدي من منظور التوحيد الإسلامي الخالص، ولها تبعات تربوية مهمة؛ إذ إن الاعتقاد بالخطيئة الأولى قد يعزز نظرة تشاؤمية لطبيعة الطفل وتربية قائمة على العقاب، كما أن نظرية الكفارة تضعف الشعور بالمسؤولية الفردية (جمشيدي ها وشعبان، ١٤٤١هـ). ويواجه القرآن هذه المبادئ بنفي الشرك («لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ»، المائدة: ٧٣) والتأكيد على مبدأ ألا تحمل وازرة وزر أخرى (الأنعام: ١٦٤؛ فاطر: ١٨). ومع ذلك، فإن التحولات الحديثة، واللاهوت الجديد، والوثائق الدولية لحقوق الطفل، دفعت بالعديد من المناهج التربوية المسيحية عملاً نحو تربية قائمة على المحبة والحماية المقاربة لبعض المبادئ الإسلامية (شاهسوني، ١٤٤٦هـ).

المقارنة التطبيقية والخاتمة

في نظرة مقارنة، تؤكد الأديان الثلاثة على القيم الأخلاقية والروحية والمسؤولية أمام الله، وتعتبر الأسرة والعبادات والنص المقدس أدوات رئيسية للتربية (عيسى زاده وأبو زاده كتابي، ١٤٤٣هـ). ومع ذلك، تختلف التوجهات: فاليهودية ترى التربية في خدمة حفظ الشريعة والهوية القومية؛ والمسيحية تركز على الإيمان بالمسيح والمحبة والحياة الكنسية؛ بينما يبني الإسلام التربية على العبودية الخالصة، والكمال الإنساني الشامل، والفطرة المشتركة بين جميع البشر (مرادي، ١٤٣٦هـ؛ علوي، ١٤٣٠هـ).

إن أساليب التربية الإسلامية – مثل المراحل الدقيقة لتربية الطفل، والتدريج في التكليف، والتأكيد على الرفق واجتناب الإفراط، والشبكة المتوازنة من أحكام الأسرة والعبادات – تُنشئ نظاماً عالمياً وقائياً ومتوازناً يصلح انحرافات الاختيار القومي، والخطيئة الأولى، والمحورية الوساطية (قرباني، ١٤٣٧هـ؛ موسوي، ١٤٤٣هـ). وبناءً على ذلك، يمثل فقه التربية الإسلامي، إلى جانب النقاط المشتركة مع التقاليد اليهودية والمسيحية، نموذجاً متوازناً للتربية التوحيدية على المستوى العالمي، ويوفر أرضية للحوار العلمي بين الأديان في مجال التربية الدينية (موسوي، ١٤٤٣هـ؛ عيسى زاده وأبو زاده كتابي، ١٤٤٣هـ).

قائمة المصادر والمراجع

الكتب

  • القرآن الكريم.

  • ابن الأثير، م. ب. ع. (د.ت). النهاية في غريب الحديث والأثر (ج ٢). قم: إسماعيليان.

  • ابن منظور، ج. ج. د. م. ب. م. (١٤١٤هـ). لسان العرب (ج ١ و ١٥). بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.

  • ابن فارس، أ. ب. ف. (د.ت). معجم مقاييس اللغة (ج ٤). قم: دفتر تبلیغات اسلامی.

  • ابن شعبة الحراني، ح. ب. ع. (د.ت). تحف العقول. قم: جامعه مدرسين.

  • أعرافي، ع. (١٤٣٣هـ). فقه تربيتي: مبانی و پیش‌فرض‌ها (فقه التربية: المبادئ والافتراضات المسبقة، تحقيق وكتابة: س. ن. موسوي). قم: إشراق وعرفان.

  • أنترمان، آ. (١٤٢٧هـ). يهوديان: باورها وآيين‌های دینی آنان (اليهود: عقائدهم وطقوسهم الدينية، ترجمة: ر. فرزين). قم: دانشگاه ادیان ومذاهب.

  • باغباني، ج. (١٤٢٧هـ). المسيحية وعلم اجتماع الأسرة. مجلة معرفت، (١٠٣).

  • بندرجي، م. ر. (١٤٣٠هـ). الحضانة في الفقه والقانون. فصلية فقه أهل البيت، (٣٧)، ١٣٣.

  • حبيب لوي، ح. (١٤١٧هـ). احكام ومقررات حضرت موسى (ع) (أحكام وأنظمة النبي موسى “ع”). تهران: بلا ناشر.

  • الحر العاملي، م. ب. ح. (د.ت). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة (ج ٤ و ٢١). قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

  • الحسيني العاملي، س. ج. (د.ت). مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة (ج ٥). قم: جامعه مدرسين.

  • الخميني، ر. (١٤٢٧هـ). تقریرات فلسفه امام خمینی (تقريرات فلسفة الإمام الخميني، ج ١). تهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

  • الخميني، ر. (١٤٣١هـ). صحيفه إمام (ج ٣، ٤، ٧، ٩ و ٢١). تهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

  • الخميني، ر. (د.ت). تحرير الوسيلة (ج ٢). قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

  • الخوئي، س. أ. (د.ت). موسوعة الإمام الخوئي (ج ٣). قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

  • الراغب الأصفهاني، ح. ب. م. (د.ت). مفردات ألفاظ القرآن. قم: انتشارات إسلامي.

  • سعدي أبو حبيب، ز. (١٤٠٨هـ). القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً (ج ٢). دمشق: دار الفكر.

  • الشهيد الثاني، ز. ب. ع. (د.ت). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام (ج ٧). قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.

  • الشيخ الأنصاري، م. (د.ت). تراث الشيخ الأعظم (كتاب النكاح). قم: جامعه مدرسين.

  • الشيخ المفيد، م. ب. م. (د.ت). المقنعة. قم: جامعه مدرسين.

  • الطباطبائي، س. ع. (د.ت). رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل (ج ١٢). قم: مؤسسة آل البيت.

  • الطباطبائي اليزدي، س. م. ك. (د.ت). العروة الوثقى (ج ٣). قم: جامعه مدرسين.

  • الطوسي، م. ب. ح. (د.ت). الخلاف (ج ١). قم: جامعه مدرسين.

  • العلامة الحلي، ح. ب. ي. (د.ت). مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (ج ٧)؛ نهاية الإحكام في معرفة الأحكام (ج ١)؛ تذكرة الفقهاء (ج ٤). قم: مؤسسة آل البيت.

  • الفراهيدي، خ. ب. م. (١٤٠٩هـ). كتاب العين (ج ٨). قم: هجرت.

  • الفيومي، أ. ب. م. م. (د.ت). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. قم: منشورات دار الرضي.

  • الفيروزآبادي، م. ب. ي. (د.ت). القاموس المحيط (ج ٤). بيروت: دار الكتب العلمية.

  • جارودي، ر. (١٤١١هـ). پرونده إسرائيل وصهيونیسم سیاسی (ملف إسرائيل والصهيونية السياسية، ترجمة: ن. حكمي). تهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

  • الغزالي، م. ب. م. (١٤١٦هـ). مجموعة رسائل الإمام الغزالي. بيروت: دار الفكر.

  • الكليني، م. ب. ي. (١٤٠٧هـ). الكافي (ج ١، ٢، ٦ و ٨). تهران: دار الكتب الإسلامية.

  • الجرجي، أ. (١٤١٩هـ). تاریخ فقه وفقهاء (تاريخ الفقه والفقهاء). تهران: سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم إسلامي دانشگاه‌ها (سمت).

  • المشكيني، م. ع. (١٤١٦هـ). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. قم: نشر الهادي.

  • المطهري، م. (د.ت). آشنایی با علوم اسلامی: فقه (المدخل إلى العلوم الإسلامية: الفقه). قم: صدرا.

  • المطهري، م. (١٤٣١هـ). مجموعه آثار (موسوعة الآثار، ج ٢٢). تهران: صدرا.

  • المدني، س. ع. أ. (١٤٠٩هـ). رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (ع) (ج ٤). قم: دفتر انتشارات إسلامي.

  • المحدث النوري، ح. (د.ت). مستدرك الوسائل ومستنبَط المسائل (ج ١٤). قم: مؤسسة آل البيت.

  • موسوي، ر. (١٤٢١هـ). آشنایی با مبادی فقه یا حقوق اسلامی (المدخل إلى مبادئ الفقه أو القانون الإسلامي). مشهد: دانش شرقي.

  • ميلر، و. م. (١٤٣٥هـ). تاریخ کلیسای قدیم در امپراطوری روم وإیران (تاريخ الكنيسة القديمة في الإمبراطوريتين الرومانية والإيرانية، ترجمة: ع. نخستين). تهران: أساطير.

  • النجفي، م. ح. (د.ت). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام (ج ٣٨). بيروت: دار إحياء التراث العربي.

  • النوري، م. أ. (١٤٢٠هـ). آشنایی با فقه (المدخل إلى الفقه). قم: أحسن الحديث.

  • النوري، م. أ. (١٤٢١هـ). آشنایی با ابواب فقه (المدخل إلى أبواب الفقه، ج ١). تهران: الحرس الثوري، ممثلية الولي الفقية، إدارة التدريب العقائدي والسياسي.

المقالات وتقارير المؤتمرات

  • إيرواني، ش. (١٤٢٥هـ). الجذور التاريخية والآثار التربوية للاعتقاد بـ “الشعب المختار” في الديانة اليهودية. مجلة علم النفس والعلوم التربوية، ٣٤(١)، ١٧٧–٢٠٠.

  • تقوي، س. م. (١٤١٦هـ). مكانة الفقه في الفكر الديني. مجلة فقه أهل البيت، السنة الأولى (العدد ٢)، ١٩٧-١٩٨ و ٢١١.

  • جمشيدي ها، غ. ر.، وشعبان، م. (١٤٤١هـ). الطفولة في الأديان: تحليل الطفولة في المسيحية والإسلام. فصلية النظريات الاجتماعية للعلماء المسلمين، السنة العاشرة (العدد الأول)، ٢٦-٢٣٥.

  • دراز، م. ع. (١٤٣١هـ). التربية الدينية (١) (ترجمة وتلخيص: م. ستوده نيا). مجلة معرفت، ٦٩.

  • زرين دوست، ف.، وببردل، س. (١٤٤٤هـ). أهداف التعليم والتربية من منظور الإسلام. المؤتمر الدولي الأول لأبحاث الإدارة والتعليم والتربية في وزارة التربية والتعليم. تهران.

  • الزيدي، ف. (١٤٤٣هـ). الأحكام الفائقة/العابرة للحدود لتربية الطفل في الفقه. أبحاث النساء والأسرة الفقهية، السنة الرابعة (العدد السابع)، ٩-٢٣.

  • شاهسوني، م. م. (١٤٤٦هـ). دراسة التربية في الإسلام والمسيحية. المؤتمر الدولي للبيذاغوجيا والاسبرانتولوجيا، خريف ١٤٤٦هـ.

  • صالحي، ا.، وكبير، م. (١٤٤٤هـ). دراسة المشتركات والعلاقة بين علمي الفقه والتربية. المؤتمر الدولي للفقه والتربية، جامعة المصطفى العالمية.

  • علوي، س. ح. ر. (١٤٣٠هـ). دراسة مقارنة للتربية الدينية في الإسلام والمسيحية. الإسلام والأبحاث التربوية، السنة الأولى (العدد الثاني).

  • عيسى زاده، ع.، وأبو زاده كتابي، ي. (١٤٤٣هـ). مناهج القائمين على التربية الدينية من منظور مفسري الفريقين برؤية دينية مقارنة. الدورة ٨ (العدد ١)، ١٩٣-٢٢٢.

  • قرباني مقدم، م. (١٤٤٤هـ). دور الأحكام الفقهية للرضاع والحضانة في التربية والسلوك الصحي للأطفال. المؤتمر الدولي للفقه والتربية، جامعة المصطفى العالمية.

  • مرادي، ص. (١٤٣٦هـ). مقارنة أهداف التعليم والتربية في الإسلام واليهودية والمسيحية. المؤتمر الوطني الأول لحلول تطوير وترويج العلوم التربوية وعلم النفس والإرشاد والتعليم في إيران. تهران.

  • مصلائي پور، ع.، وتقديسي، ز.، وزرسازان، ع.، وقنبري، ب. ع. (١٤٤٣هـ). دراسة مقارنة لمراحل تربية الولد في القرآن والحديث والعهد القديم والتلمود. صص ٨٥-١٠٧.

  • موسوي، س. ن. (١٤٤٣هـ). التعليم عن الأديان كبديل لتعليم الدين من منظور فقه التربية. فصلية التربية الإسلامية، السنة ١٧ (العدد ٣٩)، ٢٧-٤٧.

  • همت بناري، ع. (١٤٣١هـ). نظرة على التفاعل بين الفقه والتربية مع التأكيد على دور الفقه في التربية. مجلة معرفت، (٥٧).

المصادر الإلكترونية وغيرها