أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بأن حجة الإسلام والمسلمين الدكتور مهدی داود آبادي، المقرر العلمي للندوة، أشار في بداية هذه الندوة العلمية إلى نهج المعهد في دراسة القضايا الاجتماعية المستحدثة من منظور الفقه المعاصر، صريحاً: «عقد معهد دراسات الفقه المعاصر بمناسبة التحولات والظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية الناشئة مجموعة من الندوات العلمية لسبر هذه المسائل من زاوية الفقه المعاصر».
الأبعاد الفقهية والدلالات الاجتماعية لمشاركة النساء في التجمعات
وأشار إلى موضوع الندوة مضيفاً: «كانت التجمعات الليلية للنساء في البداية رد فعل عفوي وعاطفي تجاه التحولات الأخيرة، ولكن هذا الحماس الاجتماعي تحول تدريجياً إلى نوع من الوعي المدني، والمقاومة الاجتماعية، وزيادة الصمود العام».
كما أشار أمين مركز أبحاث فقه المجتمع والثقافة والصحة بالمعهد إلى اتساع مشاركة النساء في التجمعات الليلية قائلاً: «وفقاً لبعض الإحصاءات الرسمية، تُشكل النساء سبعين بالمائة من المشاركين في التجمعات الليلية، وهذه المسألة بذاتها جعلت هذه الظاهرة موضوعاً قابلاً للتأمل من المنظورين الفقهي والاجتماعي».
وفي استمرار الندوة، تصدت الدكتورة سمية حاجي إِسماعيلي، الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الاجتماعية بمعهد المرأة والأسرة الأكاديمي، لتحليل هذه الظاهرة بنهج علم اجتماع، مؤكدة أن الهدف من دراسة هذا الموضوع ليس التقييم الإيجابي أو السلبي له، بل فهم الدلالات الاجتماعية والثقافية لهذا النوع من الفعل الجمعي.
ووصفَت الظروف الراهنة في قالب «الحرب الهجينة»، تصريحاً: «اليوم لا يقتصر ميدان المعركة على الساحة العسكرية فحسب، بل تُشكل وسائل الإعلام، والثقافة، والرأي العام، والفضاء المجازي، والعلاقات الاجتماعية جزءاً من ميدان المواجهة».
وبحسب قولها، ففي مثل هذه الظروف لا يعود البيت مجرد فضاء خاص، بل يتحول إلى ثغر اجتماعي تحظى فيه السكينة النفسية للأسرة، والأمل الاجتماعي، ونقل الروايات المؤثرة عن الأحداث بأهمية خاصة.
وأكدت هذه الباحثة في حقل الدراسات الاجتماعية على مكانة المرأة في هيكل الأسرة الإيرانية-الإسلامية مضيفة: «ليست المرأة مجرد فرد من أفراد الأسرة، بل هي المحور العاطفي للأسرة وجزء من رأس المال الاجتماعي للمجتمع. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار مشاركة النساء في التجمعات الليلية مجرد خروج من البيت، بل إن هذه المشاركة هي نوع من امتداد الدور الأسري في الساحة العامة».
ومبينةً أن هذه المشاركة تتضمن وظائف دفاعية واجتماعية، اعتبرت الدكتورة حاجي إِسماعيلي ذلك نموذجاً لـ «الفعل الدفاعي غير العسكري»، مشيرة إلى أن: «حضور النساء في الساحة العامة يستطيع تحويل القلق الاجتماعي إلى فعل جمعي ويؤدي دوراً في تعزيز التضامن الاجتماعي».
وتطرقت في جانب آخر من حديثها إلى الدلالات الرمزية لمشاركة النساء في الفضاءات العامة الليلية، وقالت: «لا يُعد الشارع في ظروف الأزمات مجرد ممر فيزيائي، بل يتحول إلى مسرح لعرض التماسك الاجتماعي. كما أن الليل الذي يرتبط عادة بعدم الأمان والقلق، يمكنه في ضوء حضور النساء أن يتحول إلى رمز للاستقامة والتضامن والصمود الاجتماعي».
كما أكدت الأستاذ المساعد بمعهد المرأة والأسرة الأكاديمي على أن المشاركة الواسعة للنساء في هذه التجمعات توجد معنى مختلفاً عن مجرد حضور القوات الرجالية في الفضاء العام، وتجعل هذا الفضاء بدلاً من اكتسابه صبغة أمنية وعسكرية، حافلاً بالدلالات الثقافية والاجتماعية والمحورية للأسرة.
وواصلت بالإشارة إلى أهمية «حرب الروايات» في ظروف الحرب الهجينة، موضحة: «إن جانباً مهماً من هذه المعركة يجري في حقل الذهن والإدراك العام. وتستطيع النساء، بفضل تمتعهن برأس المال العاطفي والشبكات التواصليّة الواسعة، أداء دور مهم في نقل الروايات وتعزيز الثقة الاجتماعية».
وطرحت الدكتورة حاجي إِسماعيلي في الجزء الأخير من كلمتها مجموعة من الأسئلة الفقهية الناشئة، قائلة: «إذا قُيِّم هذا الحضور في اتجاه تعزيز الجبهة الداخلية وحفظ كيان المجتمع الإسلامي، فهل يمكن تحليله تحت عناوين من قبيل المصالح العامة، أو الإعانة على الدفاع، أو بعض التكاليف الاجتماعية؟ وكذلك في حال التزاحم بين مثل هذا الحضور وبعض الحقوق الفردية، بما في ذلك إذن الزوج، فما هو الحكم الذي ستقتضيه القواعد الفقهية كـ الأهم والمهم؟»
وحذرت من أن غياب الصياغة الفقهية الواضحة حول مثل هذه الأفعال الاجتماعية يمكن أن يؤدي إلى الفجوة بين القناعات الفقهية والواقع الاجتماعي للجيل الجديد، ويُهيئ من جهة أخرى أرضية البروز للإبهام والتعارض في نظام الأسرة.
واختتمت هذه الباحثة في حقل المرأة والأسرة بالتأكيد على أن: «الفقه المعاصر ملزم بتوضيح نسبته مع هذا النوع من الأفعال الاجتماعية، وتوفير إمكانية الإدارة والحل للتعارضات المستحدثة بين المسؤوليات الأسرية والمسؤوليات الاجتماعية عبر تقديم أطر معتبرة».
وفي استمرار الندوة، تصدى حجة الإسلام مهدي سجادي أمين، عضو الهيئة التدريسية بقسم الفقه والحقوق بمعهد المرأة والأسرة، لتقديم طروحاته مع التأكيد على ضرورة الفهم العميق للدين عند مواجهة القضايا الاجتماعية الجديدة، معتبراً أن فحص الأبعاد الفقهية للحضور في التجمعات يتطلب الاهتمام المتزامن بالفقه الفردي والفقه الحكومي.
ومبيناً أن أصل المقاومة بوجه الظلم والاستكبار أمر مقبول من منظور العقل والشرع، تصريحاً: «إن اللامبالاة بوجه الظلم لا تتلاءم مع التعاليم الدينية والمبادئ العقلائية، والمجتمعات بحاجة لتأمين حياتها الاجتماعية إلى رد الفعل بوجه الجور والعدوان».
واعتبر حجة الإسلام والمسلمين سجادي أمين الحضور في التجمعات الاجتماعية قابلاً للتحليل من المنظور الفقهي تحت عناوين من قبيل الدفاع عن النظام الإسلامي، والردع بوجه العدو، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والتعاون على البر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة الحرب النفسية، مبيناً أنه في بعض الظروف يمكن لهذا الحضور أن يكتسب أهمية وآثاراً فقهية ملحوظة.
كما عدّ هذا الباحث رفع شبهة الفاصلة بين الشعب والحكومة، وتعزيز روحية القوات العسكرية، ومواجهة النفوذ الإعلامي للعدو، وتكريم قيم الشهداء، وإيجاد أرضية التبیين والتوضيح من الوظائف الأخرى لهذه التجمعات.
وأضاف عضو الهيئة التدريسية بمعهد المرأة والأسرة مع التأكيد على أن العديد من هذه العناوين ليست خاصة بالنساء وتشمل كافة المواطنين: «مع ذلك، فإن مشاركة النساء تتألق بطاقة اجتماعية خاصة بسبب دورهن في الأسرة والتأثير على سائر أفراد الأسرة».
وتطرق في الاستمرار إلى بعض الملاحظات الفقهية المرتبطة بمشاركة النساء المتزوجات في التجمعات الاجتماعية، وقال: «إلى جانب تأكيد الفقه الإسلامي على تماسك الأسرة ومراعاة الحقوق المتبادلة للزوجين، يمتلك أحكاماً خاصة في موارد مثل أداء الواجبات أو الظروف الضرورية والاستثنائية».
وتصريحاً منه بضرورة حل هذه المسائل عبر الحوار والتفاهم الأسري، قال حجة الإسلام والمسلمين سجادي أمين: «لا ينبغي تحليل العلاقات الأسرية في إطار الحد الأدنى للحقوق والفقه فحسب، بل إن الأصل قائم على التفاهم والاطمئنان والقرار المشترك بين الزوجين».
واختتم مبيناً: «في الموارد التي يرتبط فيها فعل اجتماعي بالمصالح العامة المهمة، فإن تشخيص النسبة بين هذه المصالح وسائر التعهدات الفردية يتطلب قياس الأهم والمهم والاهتمام بالظروف والموضوعات العينية».
وفي استمرار الندوة، تصدت السيدة برقعي، عضوة المجلس العلمي بفريق فقه أمور النساء والأسرة بمعهد دراسات الفقه المعاصر، لنقد بعض المبادئ المطروحة في التحليل الفقهي لمشاركة النساء في التجمعات الاجتماعية. ومؤكدة على الطبيعة الاجتماعية لهذه المسألة، تصريحاً: «لا يمكن تحلیل الحضور في الساحات الاجتماعية بناءً على التشخيص الفردي فحسب، بل إن هذا الموضوع يتطلب تقييمات كلية قائمة على التشخيصات الاجتماعية والتخصصية».
كما أكدت على ضرورة إعادة النظر في الصياغة الفقهية لهذا الموضوع وقالت: «تتمتع بعض العناوين المطروحة بالتداخل، ويمكن تحليل جانب منها تحت عناوين أكثر كلية كـ حفظ النظام؛ ومن هنا يبدو التبويب والترتيب الدقيق لهذه المباحث ضرورياً».
وتطرقت عضوة المجلس العلمي بفريق فقه أمور النساء والأسرة في جانب آخر من كلمتها إلى السؤال عن المكانة الخاصة للنساء في هذه الظاهرة الاجتماعية، وأضافت: «يجب أن يتضح هل مشاركة النساء قابلة للتحليل فقط من جهة اشتراكهن مع الرجال في المسؤوليات الاجتماعية أم إن هذا الحضور، بوصفه فعلاً نسائياً، يمتلك آثاراً ودلالات مستقلة». كما اعتبرت تحليل هذه المشاركة في قالب الواجب الكفائي فقط محلاً للتأمل، وأكدت على ضرورة البحث الأكثر لنسبتها مع سائر أنواع التكاليف الاجتماعية.
وفي استمرار الندوة، أشار حجة الإسلام والمسلمين بستان إلى بعض الدلالات الاجتماعية والثقافية للتحولات الأخيرة، مؤكداً على أهمية إعادة قراءة النسبة بين الهوية الوطنية والهوية الدينية في المجتمع الإيراني.
ومبيناً أن إحدى الظواهر الملحوظة في التحولات الأخيرة كانت الأداء الفاعل والعفوي للشعب في الساحة العامة، تصريحاً: «في بعض المقاطع، لم تتشكل المشاركة الاجتماعية للشعب مجرد استجابة للدعوات الرسمية، بل شوهد نوع من الفعل الاجتماعي العفوي النابع من الشعور بالمسؤولية العامة بين مختلف شرائح المجتمع، وهو أمر قابل للتأمل من منظور علم الاجتماع».
واعتبر عضو المجلس العلمي بفريق فقه أمور النساء والأسرة بمعهد دراسات الفقه المعاصر أحد أهم الآثار الاجتماعية لهذه التحولات إعادة تعريف العلاقة بين الهوية الوطنية والهوية الدينية، وقال: «في تاريخ إيران المعاصر، ولا سيما منذ العهد البهلوي، كان يُلقن نوع من الثنائية والتعارض بين الهوية الوطنية والهوية الدينية؛ بنحو كانت تتواجه هاتان الهويتان أحياناً».
وأضاف: «بعد الثورة الإسلامية، بُذلت جهود متعددة لإيجاد الترابط بين هاتين الهويتين، ولكن شوهدت في التحولات الأخيرة مؤشرات أكثر بروزاً للاقتارن والتآزر بين الهوية الوطنية والهوية الدينية؛ بنحو حضرت الرموز الوطنية والدينية جنباً إلى جنب في الساحة العامة».
وأشار حجة الإسلام والمسلمين بستان إلى المظاهر الاجتماعية لهذه المسألة قائلاً: «في الفضاء الاجتماعي المتشكل، فُسرت وأُعيد تعريف مفاهيم من قبيل حب إيران والانتماء للأمة الإسلامية ليس في تقابل مع بعضها البعض، بل في امتداد أحدهما للآخر، وأدى هذا الأمر نفسه إلى تشكل نوع من التقارب الهوياتي بين قطاعات من المجتمع».
وتابع: «في هذا الإطار، لا تُعرف إيران كحدود جغرافية فحسب، بل يُنظر إليها كأحد المراكز المؤثرة في العالم الإسلامي وحاضنة لتحقيق تطلعات الأمة الإسلامية».
كما أشار هذا الباحث إلى انعكاس هذا التحول في الساحة الثقافية والاجتماعية تصريحاً: «إن الإقبال على بعض الرموز والأناشيد والمضامين الوطنية إلى جانب المفاهيم الدينية، يُظهر تشكل قراءة جديدة للنسبة بين الهوية الإيرانية والهوية الإسلامية يتطلب المزيد من الدراسة والتحليل في حقل العلوم الاجتماعية والثقافية».
واختتم بالتأكيد على أن دراسة الأبعاد الاجتماعية لهذه التحولات تستطيع المساعدة في فهم أفضل للمسارات الهوياتية لمجتمع إيران وكيفية التفاعل بين المكونات الوطنية والدينية في الظروف الأزموية والتحولات الاجتماعية.
في هذه الندوة العلمية، جرى سبر موضوع مشاركة النساء في التجمعات الاجتماعية من المنظورين الاجتماعي والفقهي. وأكد المحاضرون، مع التأكيد على التحولات الناجمة عن الحرب الهجينة وتغير أنماط الفعل الاجتماعي، أن مشاركة النساء في الساحة العامة ظاهرة متعددة الأوجه وضعت إلى جانب آثارها الاجتماعية والثقافية أسئلة جديدة أمام الفقه المعاصر.
وفي قسم المباحث الفقهية، وإلى جانب فحص عناوين مختلفة مثل الدفاع الاجتماعي، وحفظ المصالح العامة، والتضامن الاجتماعي، والمسؤولية الجمعية، ونسبة هذه الأفعال بأحكام الأسرة، جرى التأكيد على ضرورة إعادة قراءة طاقات الفقه لمواجهة القضايا الاجتماعية المستحدثة. كما نوقشت في قسم النقد والحوار موضوعات من قبيل النسبة بين الفقه الفردي والفقه الحكومي، ومعيار تشخيص التكاليف الاجتماعية، ومكانة مشاركة النساء كفعل مستقل، وكذا إمكان تحليل هذه المشاركة تحت عناوين الواجب العيني أو الكفائي.
وفي الاستمرار، أشار بعض الحاضرين إلى التبعات الثقافية والهوياتية للتحولات الأخيرة، واعتبروا هذه الأحداث أرضية لإعادة تعريف النسبة بين الهوية الدينية والهوية الوطنية في المجتمع الإيراني، مؤكدين على دور المشاركات الشعبية في تشكيل النماذج الجديدة للتضامن الاجتماعي.
يمكن تقييم ندوة «الأبعاد الفقهية والدلالات الاجتماعية لمشاركة النساء في التجمعات» كمحاولة في اتجاه فهم الأبعاد المختلفة لظاهرة اجتماعية حديثة وخطوة في مسار الحوار بين الفقه، والدراسات الاجتماعية، والقضايا العينية للمجتمع اليوم.
