حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد بوالحسني في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

البحث الفقهي في الخلايا الجذعية/14

في زراعة الأعضاء، أو نقل الدم، أو حقن الخلايا الجذعية، حتى وإن دخلت أنسجة جسد فرد في جسد فرد آخر، إلا أنه لا يوجد أي نص شرعي (آية أو رواية) يقضي بإيجاد المحرمية في هذه الموارد. فالخلايا الجذعية مجرد نسيج حي ذي وظيفة ترميمية ولا تغير هوية المريض أو نسبه لكي تُوجد علاقة قرابة.

حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد بوالحسني في حوار خاص مع “الفقه المعاصر”: زراعة الأعضاء أو نقل الدم أو حقن الخلايا الجذعية لا تُوجب المحرمية الشرعية

في زراعة الأعضاء، أو نقل الدم، أو حقن الخلايا الجذعية، حتى وإن دخلت أنسجة جسد فرد في جسد فرد آخر، إلا أنه لا يوجد أي نص شرعي (آية أو رواية) يقضي بإيجاد المحرمية في هذه الموارد. فالخلايا الجذعية مجرد نسيج حي ذي وظيفة ترميمية ولا تغير هوية المريض أو نسبه لكي تُوجد علاقة قرابة.

إشارة: بقدر ما تُعد الخلايا الجذعية نافعة لعلاج الأمراض وزيادة عمر الإنسان، فإنها تثير بنفس القدر تحديات فقهية جمة. وتُطرح هذه التحديات في مجال استخراج الخلايا الجذعية، وفي مجال نقل الأعضاء أو استخدام هذه الخلايا للترميم، وكذلك بشكل عام في أمور من قبيل المحرمية بين الواهب والمستقبل في الخلايا الجذعية. يُعد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد بوالحسني، الذي يتولى إلى جانب تدريس السطوح العالية في الحوزة العلمية بقم دكتوراه الفقه الجنائي، ممن ينشطون في البحث في هذا الحقل منذ سنوات. وقد أجرينا معه حواراً حول التحديات الفقهية لاستخدام الخلايا الجذعية. وهو يرى أن أهم تحدٍ فقهي في الخلايا الجذعية هو تحدي «مصدر استخراج الخلايا». وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في الفقه الطبي:

الفقه المعاصر: ما هو حكم استخدام الخلايا الجذعية للعلاج؟ وهل يمكن حرمته عبر عناوين مثل «تغيير خلق الله»؟

بوالحسني: من منظور فقهاء الشيعة، فإن الأصل الأولي في كافة الأشياء والأفعال هو «الإباحة» (الجواز)، ما لم يقم دليل شرعي خاص على حرمته. وفيما يخص علاج الأمراض، لا يوجد أي منع فحسب، بل إن حفظ النفس وسلامة البدن من الواجبات الشرعية والعقلية. والاستدلال بالآية الكريمة: «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» (سورة النساء، الآية ١١٩) لتحريم العلاج بالخلايا الجذعية ليس صحيحاً؛ لأن «تغيير خلق الله» الذي وعد به الشيطان يعني التغيير في الفطرة التوحيدية، أو مثلة أبدان الحيوانات، أو التغييرات غير العقلائية والمحرمة، لا إعادة الصحة للبدن. فالعلاج عبر الخلايا الجذعية هو في الواقع سعي لإعادة البدن إلى حالته الطبيعية و«أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» التي خلق الله الإنسان عليها، وليس إيجاد ماهية جديدة مضادة للخلق. فكما أن زراعة الكلى أو جراحة القلب لا تُعد تغييراً في الخلق، فإن حقن الخلايا لترميم النسيج المتضرر لا يُعد أيضاً مصداقاً للتغيير المحرم. وبناءً عليه، فهذا الأسلوب العلاجي بحد ذاته جائز، بل في الموارد التي يتوقف عليها إنقاذ حياة المريض يكون واجباً كفائياً أو عينياً على الأطباء والمريض.

الفقه المعاصر: ما هي التحديات الفقهية التي يستتبعها استخدام الخلايا الجذعية؟

بوالحسني: يتضمن استخدام هذه التكنولوجيا عدة تحديات فقهية، وأهمها «مصدر استخراج الخلايا». فإذا كان مصدر الخلايا «الجنين الإنساني»، يُطرح بحث حرمة الإجهاض وزمن تعلق الروح؛ فهل إتلاف البلاستوسيست (الجنين بعمر أيام) لاستخراج الخلايا يُعد مصداقاً لقتل النفس أم إتلافاً لطاقة الحياة؟ والتحدي الثاني هو بحث «الملكية والبيع والشراء»؛ فهل الإنسان مالك للخلايا المنفصلة عن بدنه؟ وهل تتمتع الخلية الجذعية بـ «المالية» ويمكن بيعها أم يقتصر الحق على التنازل المجاني فحسب؟ والتحدي الثالث يتعلق بـ «الاستنساخ» (Cloning)؛ فإذا استُخدمت هذه الخلايا لإنتاج إنسان شبيه بالفرد الواهب، فتنشأ مباحث معقدة بشأن النسب والإرث والمحرمية. وكذلك مسألة «التداخل الجيني» والتغيرات المحتملة في الجينوم البشري التي قد تنتقل إلى الأجيال القادمة، أوجدت مخاوف من باب قاعدة «لا ضرر» وحفظ النسل، مما يتطلب استنباطات فقهية دقيقة.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى رأي أغلب الفقهاء القائل بأن «الإنسان ليس مالكاً لبدنه»، هل يتطلب استخدام الخلايا الجذعية إذن صاحب الخلية أو وليه؟

بوالحسني: نعم، يتطلب الإذن حتماً. فعلى الرغم من أن الملكية الحقيقية للإنسان والعالم هي لله تعالى والإنسان لا يملك ملكية مطلقة على وجوده، إلا أنه في الفقه يمتلك الإنسان «حق السلطنة» و«حق الاختصاص» على بدنه. واستناداً إلى القاعدة الفقهية «الناس مسلطون على أنفسهم»، فإن أي تصرف في بدن الإنسان الحي دون رضاه محرم ويوجب الضمان (الدية أو القصاص). وبناءً عليه، فإن أخذ الخلية الجذعية من فرد بالغ وعاقل يتطلب حتماً وشرعاً «رضاه الواعي»، ولا يحق لأي طبيب أخذ العينة دون إذن. وأما في مورد الأطفال أو المصادر مثل دم الحبل السرِي العائد للمولود، فإن اتخاذ القرار يقع على عاتق «الولي الشرعي» (الأب أو الجد للأب). والولي مكلف باتخاذ القرار بناءً على «الغبطة والمصلحة» للطفل؛ أي إذا لم يكن في إهداء الخلية ضرر على الطفل وكانت فيه منفعة عقلائية (كالتخزين لمستقبل الطفل نفسه)، فللولي الإذن؛ وإلا فسقطت ولايته.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن مجرد «الرضاع» يوجب المحرمية، فهل يمكن القول بطريق الأولوية إن استخدام الخلايا الجذعية لفرد ما للجنس المخالف يوجب المحرمية؟

بوالحسني: كلا، هذا الاستدلال مردود من منظور الفقه الشيعي؛ لأن القياس (تعدية حكم موضوع إلى موضوع آخر دون دليل قطعي) باطل في المذهب الإمامي. فالمحرمية الحاصلة من «الرضاع» (شرب اللبن) حكم تعبدي وخاص وضعه الشارع المقدس بشروط دقيقة جداً (مثل ١٥ رضعة متتالية، من لبن امرأة خالص، وأن ينبت اللحم ويشتد العظم). أما في زراعة الأعضاء، أو نقل الدم، أو حقن الخلايا الجذعية، فعلى الرغم من دخول نسيج جسد فرد في جسد فرد آخر، إلا أنه لا يوجد أي نص شرعي (آية أو رواية) يقضي بإيجاد المحرمية في هذه الموارد. فالخلايا الجذعية مجرد نسيج حي ذي وظيفة ترميمية ولا تغير هوية المريض أو نسبه لكي تُوجد علاقة قرابة. وبناءً عليه، فإن تلقي الخلية من الأخت، أو الأخ، أو الفرد الأجنبي، لا يرتب أي أثر وضعي في إيجاد المحرمية أو تغيير أحكام الزواج.

الفقه المعاصر: ما هي القيود والضوابط الفقهية لاستخدام الخلايا الجذعية؟

بوالحسني: استخدام هذه التكنولوجيا ليس مطلقاً ولا سائباً، بل هو مقيد بقيود شرعية مهمة. القيد الأول والأهم هو قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»؛ وبمعنى أن فرآيند استخراج الخلية يجب ألا يتسبب للواهب بضرر جاني أو مضاعفات لا تُستدرك (كالأذى الجسيم لنخاع العظم). والقيد الثاني هو «حرمة المثلة»؛ فلا ينبغي لأخذ النسيج أن يسبب تشويهاً أو نقصاً ظاهرياً فاحشاً في الواهب. والضابط الثالث يخص «المصادر الجنينية»؛ فيُحرم استخدام الأجنة التي نُفخت فيها الروح لاستخراج الخلايا وفيه الدية الكاملة. وحتى في المراحل السابقة لنفخ الروح، لا يجوز إتلاف الجنين إلا في ظروف الاضطرار حيث تتوقف حياة إنسان (كالأم أو مريض آخر) عليه ولا يوجد طريق آخر. والقيد الرابع هو مراعاة الموازين الأخلاقية في «التجارة»؛ فلا ينبغي لبيع وشراء الخلايا أن يؤدي إلى استغلال البشر أو تحويل بدن الإنسان إلى سلعة تجارية، وإن كان أخذ العوض في قبال الإيثار وفعل الإهداء (لا بيع العضو) جائزاً عند كثير من الفقهاء.

ضوابط أساسية إضافية:

  • مراعاة قاعدة لا ضرر: يجب ألا يلحق الواهب ضرر ملحوظ (مثلاً إذا كان استخراج نخاع العظم يشكل خطراً على حياة الواهب فهو محرم).

  • حرمة الإضرار بالجنين: إذا كان استخراج الخلية يستلزم إتلاف جنين نُفخت فيه الروح (وعلى سبيل الاحتياط حتى قبل نفخ الروح)، فلا يجوز، إلا في ظروف الاضطرار الخاصة كخطر الموت على الأم (بحسب فتوى مرجع التقليد).

  • الرضا الواعي: رضا صاحب الخلية شرط أساسي.

  • أحكام النجاسة: إذا أُخذت الخلية من حيوان نجس العين (كالكلب أو الخنزير) أو الكافر، فقد تُطرح أحكام تكليفية خاصة بالطهارة في الصلاة (على الرغم من أنها إذا تحولت إلى جزء من بدن المتلقي تُعد طاهرة).

الفقه المعاصر: هل الكفر، أو كونه ولد زنا، أو النفاق وسائر عناوین صاحب الخلية الجذعية أو متلقيها توجب تقييد استخدامها؟

بوالحسني: لا يوجد في هذا المجال مطلب علمي لإثبات التأثيرات الروحية، ومن المنظور البيولوجي والتكويني، فإن الخلايا هي أدوات حياة ولا تحمل عقائد صاحبها أو ذنوبه أو صفاته الأخلاقية؛ وبناءً عليه فإن خلية الكافر أو ولد الزنا تؤدي تماماً نفس الأداء البيولوجي لخلية المؤمن. ومن الناحية الفقهية، فإن علاج وإنقاذ حياة الإنسان (سواء كان مسلماً أم غير مسلم، إلا الكافر الحربي في حال حربه مع المسلمين) أمر ذو قيمة وجائز. وفي بحث «النجاسة»، يُعد بدن الكافر غير الكتابي نجساً، ولكن في مسار العلاج والزراعة تجري قاعدة «الاستحالة» أو «الانقلاب» (تغير الماهية) أو «الصيرورة جزءاً من البدن». فعندما تُزرع الخلية الجذعية للكافر في بدن المسلم وتحيا، تُعد جزءاً من بدن المسلم وتغدو طاهرة. وبناءً عليه، لا يوجد أي قيد فقهي لتلقي الخلية من أفراد ذوي عقائد أو حالات ولادة مختلفة، وهذه العناوين لا تمنع العلاج، ما لم تُطرح مخاوف أمنية أو أخلاقية خاصة (خارجة عن بحث ماهية الخلية).