إشارة: على الرغم من أن فقه الموارد الطبيعية يُعد مجرد باب فقهي كسائر أبواب الفقه المعاصر، إلا أن مستوى أهميته وتأثيره في حياة الناس يتجاوز مجرد باب فقهي واحد. وهذا الأمر نفسه يفرض لزوم رسم السياسات الدقيقة في اتجاه الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية. ولكن هل يؤدي فقه الموارد الطبيعية دوراً في رسم السياسات المحيطة بالموارد الطبيعية؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فكيف وفي أي نطاق يُؤدى هذا الدور؟ يطرح الدكتور عبد المجيد مبلغي، عضو الهيئة التدريسية بمعهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، رؤى متعددة حول تأثير الفقه في رسم السياسات. وهو يعتقد في الوقت نفسه أن رسم السياسات هو الذي يحدد مسار علم الفقه لا العكس. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الخريج في حقل الفكر السياسي:
الفقه المعاصر: هل يتكفل علم الفقه أساساً بمقولة رسم السياسات أم إن رسم السياسات أمر عابر للتخصصات ويُعد الفقه أحد العلوم المؤثرة فيه؟
مبلغی: في هذا المجال، يمكن طرح رؤيتين رئيسيتين: الأولى الرؤية القائمة على المحورية الفقهية، والثانية الرؤية العابرة للتخصصات بشأن تأثير الفقه في حقل رسم السياسات.
في النهج القائم على المحورية الفقهية، يُنظر إلى الفقه بوصفه علماً راصماً للسياسات أو ذكي التوجه نحو رسم السياسات. وبناءً على هذا، لا يتولى الفقه تنظيم الأحكام الفردية والعبادية فحسب، بل يُعد إطاراً شاملاً لتنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً. ومن هذا المنظور، فإن رسم السياسات وتحديد نسبة الفقه بالأمور الجمعية يُعد جزءاً من نطاق الفقه. وفي هذا الإطار، تُشكل الأحكام الفقهية مبنىً لصنع القرار ورسم السياسات العامة.
ويمتلك هذا النهج أبعاداً وزوايا مختلفة. أولاً، يقوم على فكرة شمولية الفقه؛ سواءً بشكل بالقوة (بمعنى اعتبار الفقه يمتلك طاقة الشمولية) أو بشكل بالفعل (أي الاعتقاد بتحقق هذه الطاقة في الفقه). وخلف هذه الرؤية يمكن تتبع سنت تاريخية في الحضارة الإسلامية وفحصها.
وفي النهاية، تُعد نظرية ولاية الفكيه، ولا سيما في التقرير المتأخر للإمام الخميني (قدس سره)، إحدى أهم مصاديق هذا النهج. فقد عرّفت هذه النظرية الفقه وبينته بالارتباط مع رسم السياسات بما يتناسب مع عصرها وظروفها، وحددت من هذا الطريق مكانته في رسم السياسات العامة.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن علم الفقه يتصدى مباشرة لبيان أحكام الموضوعات، بينما يسعى علم رسم السياسات لإيجاد مسار مشخص لحل المسائل عبر العلوم الأخرى، فهل يمكن القول إن رسم السياسات هو الذي يحدد مسار علم الفقه لا العكس؟
مبلغی: الفقه علم معياري وتكليفي، بينما رسم السياسات يُعد علماً تدبيرياً وإجرائياً. يتصدى الفقه لتبيين الأحكام الشرعية في الموضوعات المختلفة فيحدد ما هو واجب، أو حرام، أو مستحب، أو مكروه، أو مباح. وبهذا المعنى يفتقر الفقه بوصفه علماً إلى الأدوات التنفيذية، والتحليلات العلمية، والبيانات التجريبية. وتوضع هذه الأدوات والبيانات في عملية رسم السياسات قبل الفقه وبعده.
فالفقه في المرحلة الأولى علم معياري ومحوره التكليف، بينما يسعى رسم السياسات لتحديد أفضل مسار لحل المسائل العامة، بما في ذلك إدارة الموارد الطبيعية. ويستفيد رسم السياسات لإنجاز هذه المهمة الجسيمة من علوم مختلفة كـ الاقتصاد، وعلم الاجتماع، والإدارة. وبناءً على هذا يمكن القول إن رسم السياسات يحدد في كثير من الموارد مسار تطبيق الفقه لا العكس؛ بمعنى أن رسم السياسات يحدد المسألة أولاً ويفوض إطار حلها للفقه والفقهاء. وفي الواقع يقدم رسم السياسات أفقاً تخصصياً وقائماً على معرفة الموقع، ثم يفحص الفقه الأحكام والمسائل التكليفية المرتبطة بذلك الحقل ويحدد أحكامها.
وعلى سبيل المثال في حقل الموارد الطبيعية، يشخص رسم السياسات أننا نواجه تدمير الغابات، وشح الموارد المائية الحيوية، وتفشي تلوث الهواء، وضياع المراعي وسائر المشاكل البيئية. ثم يستعين بالتجارب العلمية لتبيين مخاطر هذه المسائل وتقديم الحلول. وفي هذه المرحلة يضع الفقه بالاستفادة من قواعد مثل قاعدة «لا ضرر» الأحكام المرتبطة ويجعلها ملزمة.
الفقه المعاصر: هل يمكن بملاحظة الآيات والروايات استخراج سياسات كلية أو متوسطة أو جزئية في اتجاه حفظ الموارد الطبيعية؟
مبلغی: بالنظر إلى آيات القرآن والروايات الإسلامية، يمكن صياغة سياسات مختلفة في اتجاه حفظ الموارد الطبيعية. ويمكن تصنيف هذه السياسات في ثلاثة مستويات: كلية، ومتوسطة، وجزئية.
١. السياسات الكلية
في المستوى الكلي، يجب الاهتمام بالأصول البنيوية التي قدمها الإسلام لحفظ الموارد الطبيعية. ومن هذه الأصول أصل الأمانة؛ أي إن الله جعل الأرض ومواردها أمانة تحت تصرف الإنسان. وتشير الآية ٧٢ من سورة الأحزاب إلى هذا الأصل: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا».
وتُظهر هذه الآية أن الانتفاع من الموارد الطبيعية لا ينبغي أن يكون دون حساب أو إسراف؛ لأن الإنسان مسؤول تجاه هذه الأمانة الإلهية.
وفضلاً عن هذا، تطرح الآية ٥٦ من سورة الأعراف أصل عدم الإفساد في الأرض: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ». وبناءً على هذا، فإن أي نوع من تدمير البيئة وإتلاف الموارد الطبيعية يُعد مصداقاً للإفساد في الأرض الذي نُهي عنه بشدة في الإسلام.
وكذلك تشير الآية ٣١ من سورة الأعراف إلى أصل العدالة، والاعتدال، والتوازن في الانتفاع من الموارد: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ». ويؤكد هذا الأصل على أن الاستهلاك المفرط للموارد يخالف التعاليم الإسلامية وغير مطلوب من المنظور الفقهي.
٢. السياسات المتوسطة
في المستوى المتوسط، يجب التطرق لتقاصيل أكثر حول كيفية إدارة الموارد الطبيعية. ومن أهم السياسات المتوسطة:
-
أ) التقييد في الاستغلال المفرط: يُعد الاستغلال الزائد عن الحد للموارد الطبيعية نوعاً من الإسراف وإتلاف النعم الإلهية ولا يجوز فقهياً. ويمكن لإثبات هذا الموضوع الاستفادة من قاعدة لا ضرر القائلة: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». ومن منظور الفقهاء، يجب تقييد كافة الإجراءات التي تؤدي إلى التدمير الذي لا يُستدرك للموارد الطبيعية.
-
ب) تدوين القوانين الشرعية لحفظ الموارد الطبيعية: في هذا المجال يمكن وضع قوانين تطابق الأصول الإسلامية وتمنع من الاستغلال الخاطئ للبيئة. وعلى سبيل المثال، يُعد حظر الصيد في ظروف خاصة أحد الأحكام الشرعية التي أُكد عليها في القرآن أيضاً. وتشير الآية ٩٥ من سورة المائدة إلى هذا الموضوع: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ…».
ويُظهر هذا الحكم أنه يمكن الاستفادة من نموذج حظر الصيد في الحج لتدوين قوانين مماثلة في اتجاه حفظ الحياة البرية والموارد الطبيعية.
٣. السياسات الجزئية
في المستوى الجزئي، يجب التطرق لأساليب أكثر تنفيذية وعملية. ومن أمثلة السياسات الجزئية في حقل حماية الموارد الطبيعية:
-
أ) حظر تلوث المياه: استناداً إلى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» وكذا أصل الطهارة والنظافة في الإسلام، فإن تلوث المياه والموارد الطبيعية غير مقبول شرعاً.
-
ب) إلزام الدولة الإسلامية بالتدخل في حفظ الموارد الطبيعية: توجد في الفقه الإسلامي قاعدة تُسمى «التصرف على الرعية»، وبناءً عليها فإن الحكومة مكلفة بالتحرك في اتجاه المصالح العامة. ويُلزم هذا الأصل الدولة الإسلامية باتخاذ سياسات لمنع تدمير البيئة وحفظ الموارد الطبيعية.
الفقه المعاصر: ما هي مستلزمات رسم السياسات المطلوبة لحفظ الموارد الطبيعية؟
مبلغی: يمكن الحديث عن عدة مستلزمات في هذا المجال. وبالنظر إلى حقل بحثنا، تتضمن المستلزمات الشرعية الموارد التالية:
-
أصل الأمانة: يجب أن يكون رسم السياسات بنحو تُحفظ معه هذه الأمانة للأجيال القادمة.
-
أصل عدم الإفساد في الأرض: أي رسم سياسات يؤدي إلى تدمير البيئة فهو غير مطلوب.
-
أصل العدالة بين الأجيال: يجب أن يكون الانتفاع من الموارد بنحو لا تُهدر معه حقوق الأجيال القادمة.
المستلزمات الحقوقية والقانونية: يجب تدوين السياسات البيئية في قالب قوانين مصادق عليها وملزمة لكي تُنفذ. وعلى سبيل المثال، تحديد الغرامات للأفراد الذين يسببون التلوث البيئي يُعد إحدى هذه الزامات القانونية.
المستلزمات العلمية: الاستفادة من التقنيات الحديثة العالمية، كالإدارة الكلية للموارد الطبيعية باستخدام الخرائط الفضائية عبر الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعی، والتنمية المستدامة تُعد من الموارد الضرورية. وكذلك فإن السياسات التي تؤدي إلى اتساع الموارد الطبيعية والمشاركة العامة في حفظها تحظى بأهمية خاصة.
المستلزمات الثقافية: يؤدي التعليم في المدارس ووسائل الإعلام دوراً مهماً في التوعية المجتمعية. وفي النهاية، فإن ترويج نمط الحياة الأخضر بين أفراد المجتمع يمكن أن يكون خطوة مؤثرة في اتجاه حفظ الموارد الطبيعية.
الفقه المعاصر: ما هي الافتراضات المسبقة والمبادئ المؤثرة لرسم السياسات المطلوبة حول حفظ وحراسة الموارد الطبيعية؟
مبلغی: لرسم السياسات المطلوبة في مجال حفظ الموارد الطبيعية وحراستها، يُعد الاهتمام بمجموعة من الافتراضات المسبقة، والمبادئ الفلسفية، والقيمية، والعلمية أمراً ضرورياً. وتتضمن هذه المبادئ الافتراضات النظرية والإدارية التي يمكن بناءً عليها تدوين سياسات مؤثرة.
أول مبنى مهم في هذا المجال هو التأكيد على أصالة الطبيعة وكرامتها في نظام الخلق. فقد أصل القرآن الكريم في آيات مختلفة على حفظ الطبيعة والموارد الطبيعية واحترامها. وقد قدم الله في القرآن الإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض، ويتحمل مسؤولية حفظ هذه الموارد وكرامتها. وتكون هذه المسؤولية بمعنى الدقة في استخدام الموارد الطبيعية لكي تُنقل هذه الأمانة الإلهية للأجيال القادمة. وفي هذا المسار تُطرح أيضاً العدالة بين الأجيال وأصل العدالة الاجتماعية؛ بمعنى ألا يكون استخدام الموارد الطبيعية لصالح فئة خاصة، بل يجب إدارته بنحو ينتفع منه جميع أفراد المجتمع ولا يقع الاستغلال المفرط لهذه الموارد.
وفضلاً عن هذا، فإن رسم السياسات الصحيح في مجال الموارد الطبيعية يتطلب نهجاً إدارياً ذكياً. ويبدو استخدام العلم الحديث والتقنيات النبوية في هذا الحقل ضرورياً اليوم. ويجب أن تتأسس السياسات على قاعدة العلم والتقنيات المتقدمة لكي تستطيع تقليل الآثار السلبية البيئية والنيل للتنمية المستدامة. وفي هذا الإطار يجب تصميم السياسات بنحو يتناغم فيه استغلال الموارد الطبيعية مع النماذج العلمية والمطابقة لأصول التنمية المستدامة. وهذا يعني أن استغلال الموارد يجب أن يكون بنحو لا يكتفي بتلبية الاحتياجات الحالية فحسب، بل يضمن الاستدامة والسلامة لهذه الموارد للأجيال القادمة أيضاً.
وفي النهاية، فإن الاهتمام بهذه المبادئ والافتراضات المسبقة في الفقه المعاصر يستطيع المساعدة في تصميم سياسات مؤثرة في مجال حفظ الموارد الطبيعية والبيئة. ويجب على هذه السياسات الاهتمام بالتنمية المستدامة من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى، بنحو لا يقتصر فيه استغلال الموارد الطبيعية لصالح الجيل الحاضر فحسب، بل لصالح الأجيال القادمة أيضاً.
