الأستاذ السيد محمد علي إيازي أستاذ وباحث الحوزة العلمية في قم:

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/16

ينطوي الاستمتاع بالزوجة على أصلين تمهيديين: الأول حق الإرادة والاختيار الثابت لكل إنسان، والأصل الثاني هو فهمنا لمسألة الزواج والزوجية؛ فحيث إنه مفهوم عرفي وقد تحول في العصر الحاضر إلى ميثاق طرفي يوجب حق الاستمتاع المتبادل، فلا معنى للاستمتاع الأحادي الجانب دون رضا الزوجة.

إشارة: يُعرف الأستاذ السيد محمد علي إيازي بالتعمق في القرآن والتجديد في الفقه. وتعود هواجسه المحيطة بفقه النساء وتبيين المكانة القرآنية والفقهية للمرأة في الإسلام إلى عقود خلت. وتحدثنا معه حول التفكيك الفقهي لمسألة الاغتصاب الزوجي (التعدي على الزوجة) وهل هذا التعبير النسوي عن العلاقات الزوجية يمتلك مصداقاً أساساً أم أنه مجرد أمر ذهني وتجريدي. وهو يعتقد أنه قبل فحص هذه المسألة يجب الوصول إلى توافق بشأن أمور تمهيدية محيطة بأصل الاختيار في الإنسان وكذا ماهية الزواج. وبحسب هذا الأستاذ والباحث في الحوزة العلمية بقم، فإن مفهوم الزواج أصيب بالتحول بمرور الزمان، ولا يمكن مع التفسير الفعلي للعرف عنه قبول الاستمتاع دون رضا الزوجة. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والكاتب بالحوزة العلمية في قم:

الفقه المعاصر: بالنظر إلى تصريح النصوص من قبيل «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ»، هل يمكن اعتبار الاستمتاع دون رضا الزوجة محرماً وممنوعاً من باب العنف ضد الزوجة؟

إیازي: تتضمن مسألة الاستمتاع بالزوجة أصلين تمهيديين: المسألة التمهيدية الأولى هي حق الإرادة؛ إذ يمتلك كل إنسان حق الإرادة والاختيار. وعندما يثبت حق الإرادة وحق الاختيار، فإن أي نوع من الحكم والتكليف الذي يخل بـ هذه الإرادة سيكون باطلاً. وثبوت حق الإرادة والاختيار للإنسان أمر مسلم لدى العدلية، سواءً من الناحية الفقهية أو الناحية الفلسفية.

والمسألة الثانية التي يجب البحث حولها بوصفها أمراً سابقاً على هذا البحث هي فهمنا لمسألة الزواج والزوجية. فإذا كان الزواج والزوجية أمراً شرعياً، فطبيعياً يجب الرجوع للشرع لفهمه وتلقي معناه من النصوص الشرعية في الآيات والروايات. أما إذا كان الزواج أمراً عرفياً، فيجب سؤال العرف عن معناه. ويبدو أن الزواج أمر عرفي لا شرعي؛ ولذلك لم يُبين تعريفه في القرآن الكريم أبداً، بل اكتُفي ببيان أحكامه فحسب. ومن جهة أخرى، فإن الموضوعات العرفية ليست أموراً ثابتة بالضرورة؛ بل إن بعض الموضوعات العرفية تصاب بالتحول بمرور الزمان. والزواج أحد هذه المفاهيم التي أصيبت بالتحول بمرور الزمان. ويشير المرحوم الإمام الخميني أيضاً إلى هذه النقطة وهي أن بعض المفاهيم تصاب بالتحول المفهومي بمرور الزمان. وفيما يتعلق بالزواج أدى ذلك بمرور الزمان إلى تغير مفهومه. وفي الوقت الحالي يُعرف الزواج بمعنى ميثاق طرفي يستتبع حق الاستمتاع المتبادل للطرفين ويتبع إرادة الطرفين طبيعياً. ومع هذا التعريف للزواج، فمن الواضح أنه لا معنى أساساً لاستقضاء الاستمتاع من أحد الطرفين (الزوج) دون رضا الزوجة.

الفقه المعاصر: يعتبر القائلون بعدم جواز الاستمتاع دون رضا الزوجة سيرة العقلاء أو النصوص كـ «عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» بمثابة مقيد لُبّي لإطلاق نصوص جواز الاستمتاع. في المقابل، يُقدم القائلون بـ إطلاق جواز الاستمتاع حتى في حال عدم رضا الزوجة، إلى جانب التمسك بالإطلاق، ذلك كـ تدبير إلهي لديمومة دفء محيط الأسرة والعلاقات الزوجية وبالتالي السكينة والحياة الأفضل للزوجة. فماذا نفعل عند التعارض بين هذين الاستدلالين؟

إیازي: القول بأن النصوص المبينة لجواز استمتاع الزوج بالزوجة تحمل إطلاقاً هو أمر غير سديد أساساً؛ لأن هذه النصوص لا إطلاق لها أصلًا. وإطلاق نص ما يتوقف على تحقق مقدمات الحكمة، وإحدى هذه المقدمات هي أن يكون المتكلم في مقام البيان؛ بينما الشارع المقدس في هذه النصوص ليس في مقام بيان الإطلاق بالنسبة للاستمتاع أساساً. وعادة توجد في هذه الأمور ارتكازات بين الطرفين يجب العمل وفقاً لهذه الارتكازات لا إطلاق النصوص. يقول الله تعالى في الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا». وتبين هذه الآية الكريمة لزوم العمل بالارتكازات العرفية للطرفين والتي هي مصداق «عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».

الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن كون «الاستمتاع دون رضا الزوجة» مصداقاً لـ عنوان «الظلم» أمر مستحدث وغير شائع بين العقلاء، فهل يمكن أن يقع مقيداً لُبّياً للنصوص في زمن الصدور حيث لم تجد مثل هذه السيرة والفهم لدى العقلاء؟

إیازي: كون «الاستمتاع دون رضا الزوجة» مصداقاً لعنوان الظلم ليس أمراً مستحدثاً، بل كان موجوداً منذ القديم. والإطلاق المدعى لجواز الاستمتاع هو رواية نبوية قال معظم الفقهاء بشأنها إنها كانت ترتبط بظروف خاصة ولا تقبل التعدية لكافة المقاطع.

الفقه المعاصر: من منظور القائلين بـ «التعدي على الزوجة/الاغتصاب الزوجي»، هل يُعتبر عدم رضا النساء للاستمتاع أمراً حدوثياً أم إن المرأة تستطيع أثناء الاستمتاع أيضاً المنع من استمرار العلاقة ويُجبر الرجل على التبعية؟

إیازي: تخضع هذه الأمور للمنطق الحاكم على علاقات الطرفين. وفي مثل هذه الأمور يجب الاهتمام بالمصلحة العقلائية. فالقاعدة الأولية هي أن جواز الاستمتاع تابع لإرادة الطرفين، وإذا لم توجد الإرادة من جانب واحد فلا يصح الاستمتاع، سواء لم توجد الإرادة حدوثاً أو بقاءً. ومن الصعب جداً اعتبار الاستمتاع الأحادي الجانب جائزاً، بل يجب القول بكراهته على الأقل.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن العلاقات الزوجية المنتظمة والمكثفة تؤدي لإيجاد المحبة الأكبر بين الزوجين ودفء محيط الأسرة، فهل يساعد ابداع عناوين مثل «التعدي على الزوجة» في الرؤية الكلية والجامعة على دفء الحياة والسكينة الأكثر للزوجة أم يسبب فتور الحياة وارتفاع نسبة الطلاق؟

إیازي: مقولة الاستمتاع في الزوجية أمر أخلاقي أكثر من كونه مقولة حقوقية. فإذا كانت الحياة دافئة يحدث الاستمتاع بشكل طبيعي عادة، وإذا لم تكن الحياة دافئة تتحول أحياناً من الطرف المقابل إلى مساومة حيث تقول: إذا أنجزت لي العمل الفلاني فأنا مستعدة للاستمتاع وإلا فلا. وفي رأينا ففي المسائل الأسرية يجب جعل الأصل هو الأخلاق التي توجب النشاط ودفء محيط الأسرة لا الأمور الحقوقية.

الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار أحكام من قبيل «جواز الاستمتاع المطلق من الزوجة» ناشئة عن ماهية النكاح في زمن الشارع وهي «بذل البُضع في قبال المهر»؛ ومن ثَمّ مع تغير ماهية النكاح في الزمان الحاضر يُحكم بتغير مثل هذه الأحكام؟

إیازي: تفسير النكاح بـ بذل البُضع في قبال المهر أمر غير سديد ويسبب اختزال مكانة المرأة، بل يختزل الإنسانية ذاتها. وفي الماضي كانت تبرز مثل هذه المسائل؛ وعلى سبيل المثال كانوا يذكرون المرأة كـ «متعلقة» وكأنها فرع للرجل ومن أثاث وممتلكات الرجل. ومن منظور الإسلام يقع الرجل والمرأة كلاهما في مكانة واحدة، والقول بأن الرجل جنس أول والمرأة جنس ثانٍ لا معنى له أساساً. فالقرآن الكريم كلما تحدث عن الرجل والمرأة ذكرهما كـ جنس واحد. وفي الثقافة القرآنية فإن الكرامة تعود للإنسان ولا تفاوت بين الرجل والمرأة فيها. وهذه الصورة القائلة بأن الله خلق آدم ثم خُلقت المرأة من ضلعه الأعوج هي صورة توراتية، وإلا ففي القرآن حُددت الكرامة لجنس الإنسان واعتُبر نفخ الروح الإلهي مملكاً لروح الإنسان لا الرجل. واليوم مع التبيين المنجز بالنسبة لمكانة المرأة والأسرة وأصل الكرامة الإنسانية، حُلت هذه الأمور.