مهدي قاسمي

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/21

في معظم الأديان، يُعتبر إيذاء الزوج/الزوجة عملاً مقتوتاً ومغايراً للأصول الأخلاقية. وعلى الرغم من وجود قراءات مختلفة حول هذا الموضوع على مدى التاريخ، إلا أن الأديان والمجتمعات الدينية اليوم تتحرك نحو منع العنف الأسري ودعم حقوق النساء والرجال في الحياة المشتركة. وتستطيع «التوجهات الدينية»، إلى جانب القوانين المدنية، تأدية دور مؤثر في تقليل إيذاء الزوج/الزوجة وإيجاد ثقافة قائمة على الاحترام والمحبة.

إشارة: ليس العنف ضد الزوج/الزوجة تحدياً إيرانياً أو إسلامياً فحسب؛ بل إن سائر الدول والأديان معنية به أيضاً. والدكتور مهدي قاسمي باحث في الأديان الإبراهيمية أتم الدروس الحوزوية حتى مرحلة البحث الخارجي في الفقه والأصول وحصل على شهادة الدكتوراه في قسم الأديان من جامعة الأديان والمذاهب. ويتناول في هذه المذكرة الخاصة دراسة رؤية الأديان لمقولة العنف ضد الزوج/الزوجة. وفي هذه المذكرة جرى فحص رؤى خمسة أديان وهي: اليهودية، والمسيحية، والزرادشتية، والبوذية، والهندوسية.

تمهيد

يواجه إيذاء الزوج/الزوجة، بوصفه أحد المعضلات الاجتماعية والحقوقية، دوماً ردود أفعال متنوعة من الأنظمة الدينية والأخلاقية في مختلف المجتمعات. وتملك الأديان الإلهية وغير الإلهية توجهات متفاوتة تجاه هذه الظاهرة؛ فبعضها يندد بإيذاء الزوج صراحة، بينما يتناول آخرون هذه المسألة في إطار خاص. ومصطلح «إيذاء الزوج/الزوجة» الذي يُستخدم في أذهان العامة كـ العنف الصادر من الزوج ضد المرأة كان موجوداً في كافة العصور والمجتمعات، وللأسف الشديد ينزع للزيادة في مجتمعات اليوم برغم الفضاء المطالب بـ حقوق المرأة ظاهرياً.

في الثقافة الإسلامية الأصيلة يقوم بنيان الأسرة على قاعدة المودة، والرحمة، والتفاهم بين الزوجين؛ غير أنه في ثقافة الغرب، وبسبب الاعتقاد بالنظريات الإنسانوية (الأومانية)، والفردانية، والنسبية الأخلاقية، تُبنى الأسرة فقط بناءً على المعايير الحقوقية الصرفة ويُجبر أفراد الأسرة بالإجبار والأدوات الحقوقية على مراعاة وظائفهم، وتُعد هذه المسألة إحدى التمايزات الرئيسية للأسرة الغربية عن الأسرة الشرقية.

في معظم الأديان يُعتبر إيذاء الزوج عملاً مقتوتاً ومغايراً للأصول الأخلاقية. وبرغم وجود قراءات مختلفة حول هذا الموضوع على مدى التاريخ، إلا أن الأديان والمجتمعات الدينية اليوم تتحرك نحو منع العنف الأسري ودعم حقوق النساء والرجال في الحياة المشتركة. وتستطيع «التوجهات الدينية»، إلى جانب القوانين المدنية، تأدية دور مؤثر في تقليل إيذاء الزوج/الزوجة وإيجاد ثقافة قائمة على الاحترام والمحبة.

في السطور التالية تُسبر مسألة العنف ضد الزوج/الزوجة من منظور النصوص الدينية للأديان الأخرى. وجرى فحص هذه المسألة من منظور عدد من الأديان – ذات النصوص الأكثر اعتباراً (التي تتمتع بالحجية والسلطة) -؛ وهي: اليهودية، والمسيحية، والزرادشتية، والهندوسية، والبوذية.

العنف ضد الزوج/الزوجة في فقه وقوانين الأديان غير الإسلامية

اليهودية

الزواج في التقاليد اليهودية ميثاق مقدس بين الزوج والزوجة يجب أن يقوم على المحبة والاحترام والمسؤولية المتبادلة. وفي النصوص الدينية اليهودية كـ التوراة، والتلمود، وسائر التفاسير الربانية، ذُكرت توصيات متعددة حول كيفية تعامل الرجل مع زوجته. وبرغم التأكيد على مراعاة حقوق النساء، إلا أن بعض التفاسير الفقهية الماضية أتاحت للرجال معاملة قاسية تجاه زوجاتهم والتي قد تُعتبر في بعض الموارد مصداقاً لإيذاء الزوجة.

في اليهودية تؤكد أصول كـ “شلوم بيت” (السلام في البيت) على حسن السلوك بين الزوجين. وأوصت النصوص الدينية اليهودية الرجال بمراعاة كرامة النساء واحترامهن. وبرغم أن بعض التفاسير التاريخية قد تشير إلى التفاوتات الثقافية والزمانية، غير أنه وبشكل عام فإن إيذاء الزوجة غير مقبول في اليهودية ويخالف التعاليم الرئيسية لهذا الدين.

المسيحية

في المسيحية يُؤكد كثيراً على الاحترام والمحبة بين الزوجين. ويُنظر للزواج في التعاليم المسيحية كـ رباط مقدس أصله المحبة، والتضحية، والاحترام المتبادل. ويطلب الكتاب المقدس في العهد الجديد من الرجال محبة زوجاتهم كـ أجسادهم. وعلى سبيل المثال ففي العهد الجديد ولا سيما في رسائل بولس الرسول يُؤكد على العلاقات السليمة بين الزوجين. وعلى سبيل المثال ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس:

«أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا» (أفسس ٥: ٢٥).

وتُظهر هذه الآية أن الرجال مكلفون بالتعامل بمحبة وتضحية مع زوجاتهم لا بـ العنف. وكذلك ورد في كتاب كولوسي:

«أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ، وَلاَ تَكُونُوا قُسَاةً عَلَيْهِنَّ» (كولوسي ٣: ١٩).

وتُعبر هذه التعاليم عن أن العنف ضد الزوجة ليس نقضاً لتعاليم الكتاب المقدس فحسب، بل هو بخلاف المفهوم المسيحي للمحبة والتسامح.

الزرادشتية

في الدين الزرادشتي يحتل بنيان الأسرة مكانة خاصة ويقوم على أصل “أشا” (النظام الصحيح والحقيقة). ويجب أن يكون الزواج والعلاقات الزوجية بوصفهما أحد أهم أركان المجتمع قائمين على المودة، والتعاون، والاحترام المتبادل. ويؤكد الأفيستا، الكتاب المقدس للزرادشتيين، على الدور الرئيسي للزوجين في السعادة الأسرية والاجتماعية، ويعتبر العنف مغايراً لتعاليم الخير والاستقامة.

وزرادشت، نبي الديانة المازدية، ينشر تعاليمه على قاعدة ثلاثة أصول بنيوية هي الفكر الصالح، والقول الصالح، والعمل الصالح. وتُعد هذه الأصول المبنى الأخلاقي لكافة أبعاد الحياة للزرادشتيين بما في ذلك العلاقات الأسرية. وفي التعاليم الزرادشتية يُعرف الرجل والمرأة كـ ركنين أساسيين لنظام الأسرة ويُؤكد على المحبة، والاحترام، والعدل في العلاقة بينهما.

في الأفيستا يُملك الرجل والمرأة في الحياة الأسرية حقوقاً وتكاليف محددة ويُعتبر الزواج ميثاقاً مقدساً يجب أن يقوم على الإنصاف والصداقة المستدامة. وبناءً عليه فإن أي نوع من الظلم أو العنف ضد أحد طرفي الحياة الزوجية يتضاد مع الأصول الأخلاقية الزرادشتية.

تُظهر الوثائق الدينية والتاريخية المتاحة أن الآيين الزرادشتي ليس مروجاً للعنف ضد الزوجة فحسب بل يواجهه بشدة. وفي المصادر الزرادشتية كـ “الونديداد” والنصوص البهلوية يُعد إيذاء الزوجة وسوء معاملة النساء مقتوتاً ويُدعى الرجال لمراعاة العدالة والمحبة في الأسرة.

في الغاثات، التي هي أقدم أجزاء الأفيستا وأناشيد زرادشت نفسه، يُوصى بالسلوك الحسن والمحب مع أفراد الأسرة وتُعتبر سوء معاملة المرأة بخلاف التعاليم الدينية. وعلى سبيل المثال ورد في هذه النصوص أن العدالة والخير هما أساس التعاملات الإنسانية ومن يتعدى هذه الأصول ينال العقاب الإلهي.

الهندوسية

في الهندوسية يُعرف دور النساء والرجال في الأسرة بشكل تقليدي. وتتمتع المرأة في النصوص القديمة للهندوسية كـ الريجفيدا، والمانوسمريتي وسائر النصوص المقدسة بمكانة خاصة. الريجفيدا: في بعض آيات هذا النص تحظى النساء بالاحترام ويُعبدون كـ زوجة، وأم، وإلهة.

على سبيل المثال فإن النصوص المقدسة كـ «مانوسمريتي» توصي بالرفق والعدل في السلوك مع الزوجات. ففي بعض هذه النصوص تُكرم النساء ويُؤكد على دورهن كـ عمود للأسرة. ومع ذلك فإن التفاسير المتنوعة لتعاليم الهندوسية تسببت في اعتبار دور المرأة محدوداً وتحت سلطة الرجال في بعض الموارد. فالنص الحقوقي والاجتماعي لـ مانوسمريتي يدعم بشدة تفوق الرجال ويعتبر النساء تبعاً للأب، والزوج، وتالياً أبنائهن. ويتضمن هذا النص الحقوقي والمقدس أوامر يقيد بعضها النساء بـ قيود شديدة.

في الدورات الحديثة أُجريت إصلاحات قانونية لدعم حقوق النساء بوجه العنف الأسري.

البوذية

في البوذية بوصفها إحدى المذاهب الكبرى ونافذة التأثير في العالم، يُؤكد دوماً على السلام، والمحبة، والاحترام المتبادل. غير أنه برغم هذه التعاليم تُسجل في بعض المجتمعات البوذية موارد من العنف ضد الزوجة. وأوجدت هذه المسألة طرح أسئلة لدى البعض حول موقف البوذية تجاه العنف الأسري. ونفحص في هذا المقال دراسة رؤية البوذية حول العنف ضد الزوجة ونقيم هل تدعم التعاليم البوذية هذا النوع من السلوك أم تندد به.

في التعاليم البوذية تُقدم مفاهيم كـ المحبة (Mettā)، والشفقة (Karunā)، وعدم العنف (الأهيمسا) (Ahimsa) كـ أصول هادية في العلاقات الإنسانية. وكان بوذا يعتقد أن العلاقات بين الأفراد يجب أن تُبنى على قاعدة الاحترام، والشفقة، وعدم الإضرار. وفي النصوص البوذية يُطرح الاحترام المتبادل في الأسرة كـ أحد الأصول المهمة للنيل للسلام الداخلي والاجتماعي. وتُؤكد المداراة مع الزوجة ولا سيما في تعليم (عدم العنف) وفي العلاقات الزوجية أيضاً على الاجتناب عن إلحاق الأذى بالزوجة.

ومن هنا فإن العنف بـ كافة أشكاله مقتوت في تعاليم البوذية.

استناداً لتعاليم بوذا فإن العنف ضد الزوجة ليس عملاً مقتوتاً وغير عادل فحسب بل يتضاد مع الأصول البنيوية للبوذية أيضاً. وتؤكد التعاليم البوذية على أن أي نوع من العنف، حتى العنف اللفظي، يتسبب بإنتاج الكارما (Karma) السلبية ويؤجج دورة المعاناة (Samsara). وفي الواقع تطلب البوذية من أتباعها الامتناع عن ممارسة أي سلوك مؤذٍ تجاه شريك حياتهم وتعزيز الاحترام والمحبة والدعم في العلاقات الأسرية بدلاً من ذلك.

مصاديق العنف ضد الزوج/الزوجة في فقه وقوانين الأديان غير الإسلامية

اليهودية:

في الفقه اليهودي يقتصر الطلاق على الرجل فحسب، ولا تستطيع المرأة الانفصال عنه دون إذن الرجل. واستناداً للشريعة اليهودية يجب على المرأة تلقي «الـ جِت» (سند الطلاق) من زوجها وإلا فلا تستطيع تقديم طلب الطلاق بشكل مستقل حتى لو كانت تحت الظلم والعنف في الحياة المشتركة. وأدى هذا الأمر في بعض الموارد للإجبار أو الاستغلال لحقوق النساء ووضع النساء في ظروف غير لائقة.

في بعض التفاسير التقليدية اليهودية كان زواج الفتيات ممكناً دون رضاهن الكامل. ولا سيما في العصور القديمة حيث كان للآباء دور أساسي في اتخاذ القرار حول زواج الفتيات ولم يكن للنساء في بعض الموارد حق المعارضة مع هذه القرارات.

إحدى قوانين الفقه اليهودي التي خضعت لنقد بعض باحثي حقوق الإنسان هي الأحكام المرتبطة بالنساء في دورة الطمث (النداه). واستناداً لهذه الأحكام تُعد النساء نجسات في هذه الدورة ويُحرمن من بعض الأعمال الدينية والاجتماعية. وبرغم أن هذه القوانين قد تحمل في بعض المجتمعات بعداً دينياً ومعنوياً صرفاً، غير أنها تُعد من منظور حقوق النساء نوعاً من التمييز واللاعدالة.

في بعض الأحكام اليهودية تُتوقع عقوبات شديدة للنساء اللاتي يخالفن القوانين التقليدية؛ ومنها عقوبات كـ الرجم للنساء المتهمات بالزنا في بعض النصوص الدينية.

تُظهر دراسة الفقه اليهودي أن بعض الأحكام والمقررات في هذا الدين ولا سيما الأحكام المرتبطة بالنساء، يمكن اعتبارها في بعض الموارد مصداقاً للعنف ضد المرأة. وتشكّل العديد من هذه القوانين في دورات تاريخية خاصة ولا يزال بعضها يُتبع في المجتمعات اليهودية التقليدية اليوم. ومع ذلك فإن الإصلاحات القانونية وتغير الرؤى الحديثة ساعدت في تعديل بعض هذه الأحكام وتحسين وضع حقوق النساء في المجتمعات اليهودية. ومع اتساع الوعي الحقوقي والدراسات المقارنة بين الأديان، يمكن الوصول لفهم أكثر شمولاً لمكانة النساء في النصوص المقدسة وتقديم حلول لرفع التمييزات التاريخية.

المسيحية:

في بعض الفهومات الخاطئة لتعاليم المسيحية تُقدم المرأة كـ كائن أدنى ويُتوقع منها الطاعة المطلقة لزوجها دون قيد أو شرط. وتُهيئ هذه الرؤية الأرضية لممارسة الضغوط الدينية وفرض العقائد على النساء وهو ما يُعد نوعاً من العنف؛ في حين تؤكد التعاليم الرئيسية للمسيحية على القيمة المتساوية للرجل والمرأة بين يدي الله.

على سبيل المثال فإن الكنيسة الكاثوليكية وسائر الفرق المسيحية تندد باستمرار بـ العنف الاقتصادي واللفظي والفيزيائي وتدعم حقوق النساء بوجه أي إيذاء. ووصف البابا فرنسيس، قائد الكنيسة الكاثوليكية، العنف ضد النساء مراراً بـ «وصمة عار للبشرية» وطلب من المجتمعات اتخاذ خطوات لاجتثاث هذه المعضلة.

إن العنف ضد الزوجة مقتوت في التعاليم المسيحية وتخالف الكنائس المسيحية بشكل عام أي إيذاء في الأسرة.

الزرادشتية:

إن عدم إظهار المحبة، وقلة الاهتمام، واللامبالاة العاطفية تجاه الزوجة يُعد أيضاً من أنواع العنف. وفي الثقافة الزرادشتية يجب أن تُبنى العلاقات الزوجية على قاعدة الصداقة والمرافقة ويجب أن يكون الرجل والمرأة داعمين لبعضهما دوماً. فالإهمال للاحتياجات العاطفية للزوجة يتضاد مع روح التعاليم الزرادشتية. ويُرفض العنف في الأسرة في الدين الزرادشتي بالتأكيد على التعاليم الأخلاقية وتُعتبر أصول كـ المحبة والتعاون والعدالة ضرورية لتمكين العلاقات الزوجية. ومن هذا المنظور فإن حفظ كرامة واحترام الزوجين لبعضهما ليس وظيفة أخلاقية فحسب بل هو أصل أساسي في النظام الاجتماعي. والاهتمام بهذه التعاليم يستطيع إلهام الحركة نحو الحياة الأسرية السليمة وتقليل العنف في المجتمع.

الهندوسية:

برغم أن بعض النصوص القديمة تحدثت عن دعم النساء، غير أن التفاسير التقليدية والاجتماعية تسببت في إيجاد سلوكيات تمييزية. ففي بعض التفاسير يُنظر للنساء كـ ممتلكات للرجال وتُقيد استقلاليتهن. ومن جهة أخرى فإن طقوساً كـ الساتي (حرق الأرامل مع الزوج المتوفى) التي كانت شائعة في الماضي تُعد نموذجاً للعنف المنظم ضد النساء في المجتمع الهندوسي.

  • اللاعدالة الجندرية: في العديد من مناطق الهند لا تزال النساء تحت سلطة الرجال وتُفوض القرارات الكلية الأسرية والاجتماعية للرجال.

  • التعليمات المحورية للأسرة: في بعض التقاليد تُكلف المرأة بالطاعة المطلقة لزوجها دون قيد أو شرط، حتى لو أدت هذه الطاعة للإيذاء الفيزيائي أو الروحي.

  • المهر والجهيزية: تُعد ثقافة دفع الجهيزية (Dowry) إحدى أهم أسباب العنف ضد النساء في الهند. وتُعاني العديد من النساء من العنف الأسري الناشئ عن الخلافات المالية ومسائل الجهيزية.

اليوم ومع زيادة الوعي والحركات المطالبة بـ حقوق النساء، بُذلت جهود واسعة لمنع العنف ضد النساء. ومع ذلك فإن مشاكل كـ الإيذاء الأسري، وقتل الشرف، والزواج الإجباري، والقيود الاجتماعية لا تزال تُشاهد في بعض المجتمعات الهندوسية.

مع ذلك فإن التحولات القانونية والحركات الاجتماعية النسوية في الهند اتخذت خطوات مؤثرة في تقليل العنف ضد النساء. وعلى سبيل المثال فإن المصادقة على قوانين صارمة ضد العنف الأسري وجهود ناشطي حقوق الإنسان أدت لزيادة التوعية حول حقوق النساء.

البوذية:

برغم تأكيد البوذية على المحبة والشفقة، إلا أنه تُشاهد بعض مظاهر العنف ضد الزوجة حتى في المجتمعات البوذية ونشير فيما يلي لأهمها:

العنف النفسي واللفظي

قد تؤدي بعض التقاليد التفسيرية للتعاليم البوذية إلى تقييد دور النساء وإيجاد اللاعدالة. وفي بعض الأوقات قد تتعرض الزوجات للوم المعنوي ويُعتبرن مقصرات بسبب “الكارما السيئة” أو عدم التربية المناسبة في الحياة الماضية. ويمكن لهذا النوع من الخطاب أن يكون نوعاً من العنف النفسي.

القيود الاجتماعية والأدوار التقليدية

في قطاع من المجتمعات البوذية لا يزال دور النساء يُعرف في أطر ثقافية محدودة. وتقييد الزوجة من الوصول للتعليم، أو المشاركة الاجتماعية، أو الاستقلال الاقتصادي هي من الموارد التي يمكن اعتبارها شكلاً خفياً للعنف الهيكلي.

العنف الفيزيائي والاستغلال الديني

في بعض المناطق لا يزال العنف الفيزيائي ضد النساء أو الزوجات موجداً ويُختفى أحياناً تحت تبريرات ثقافية وتقليدية. وبرغم أن الأصول البنيوية للبوذية تندد بمثل هذا السلوك غير أن العنف الأسري لا يزال قائماً كـ مسألة اجتماعية في بعض الثقافات الخاضعة لنفوذ هذا المذهب.

التعاليم البوذية في مواجهة العنف ضد الزوجة

قدمت البوذية حلولاً متعددة لمواجهة العنف ضد الزوجة يتركز معظمها على زيادة الوعي، وتعزيز القيم الأخلاقية، وإشاعة الشفقة. وتتضمن بعض الأصول المفتاحية ما يلي:

  • الأهيمسا (عدم العنف): أصل بنيوي ينفي أي أذى للآخرين ويطالب بـ التعايش السلمي.

  • التأمل والوعي الذهني: تستطيع تمارين الوعي الذهني منع إيجاد المواجهات العنيفة والمساعدة في تحسين العلاقات بين الزوجين.

  • ترويج المساواة والكرامة الإنسانية: تؤكد التعاليم البوذية الحديثة على المساواة بين كافة البشر وتُقدم دور النساء لا كـ تابع بل كـ مشارك ومرافق في مسار التنوير.

دعم الفرد الضحية لـ العنف الأسري في فقه وقوانين الأديان غير الإسلامية

اليهودية:

استناداً للتعاليم اليهودية فإن المجتمع مكلف بدعم الأفراد الذين تعرضوا للإيذاء والعنف. ويتضمن هذا الدعم المجالات المعنوية والنفسية والاجتماعية. وفي بعض النصوص الفقهية ورد أنه لو تعرضت امرأة للعنف من قبل زوجها فتستطيع تقديم طلب الدعم من المحاكم الدينية الملقبة بـ “بيت دين” للخروج من هذا الوضع. وفضلاً عن هذا فإن المنظمات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية اليهودية تتخذ إجراءات لحماية ودعم النساء الضحايا للعنف.

إحدى المباحث المهمة في الفقه اليهودي هي مسألة «الطلاق». ففي الشريعة اليهودية تقتصر صلاحية الطلاق على الرجل، وإن كانت بعض المدارس الخاصة تضع ظروفاً للنساء ليستطعن تقديم طلب الطلاق. وفي الموارد التي يؤذي فيها الزوج زوجته فيستطيع للمرأة استناداً لبعض الأحكام الفقهية طلب الطلاق من محكمة الخاخامات. ومع ذلك فإن تنفيذ هذه الأحكام واجه تحديات جمة على مدى التاريخ.

في العصر الحديث أعاد العديد من علماء اليهود النظر في الأحكام المرتبطة بالعلاقات الأسرية. وفي المجتمعات اليهودية اليوم، ولا سيما في المجتمعات الإصلاحية والمحافظة، قُدمت أساليب دعم جديدة لمنع الظلم على النساء في إطار الزواج. واليوم تُهيئ العديد من الكنائس والمحاكم الدينية بالاهتمام بحقوق النساء الأرضية لتقييد الصلاحية غير المحدودة للأزواج في التعامل مع زوجاتهم.

المسيحية:

تقدم كنائس عديدة حول العالم برامج لدعم ضحايا العنف الأسري. وتتضمن هذه البرامج الاستشارات الروحية، والدعم النفسي، وتوفير المأوى المؤقت، والمساعدات المالية، وكذا زيادة التوعية لدى أفراد المجتمع حول العنف الأسري وتبعاته.

وأنشأت العديد من الكنائس مراكز استشارة ودعم لضحايا العنف الأسري للمساعدة النساء وسائر الأفراد المتضررين. وتُظهر هذه الإجراءات التزام المسيحية بحفظ الكرامة الإنسانية وإقامة السلام في الأسر.

وتتضمن بعض إجراءات الكنائس المسيحية لدعم الضحايا ما يلي:

  • برامج الاستشارة والدعم النفسي: تملك العديد من الكنائس فرق استشارة خاصة تقدم المساعدة الروحية والاستشارة لضحايا العنف لمساعدتهم في إيجاد طريق للخروج من ظروفهم الشاقة.

  • تعزيز التوعية العامة: يتحدث رجال الدين والقادة المذهبيون في الجلسات والمواعظ عن أضرار العنف الأسري ويجعلون المجتمع حساساً تجاه هذه المسألة.

  • إيجاد بيئة آمنة ودعومات عملية: توفر العديد من المؤسسات الخيرية المسيحية أماكن آمنة للنساء والرجال الذين تعرضوا للعنف.

  • الترغيب بالحوار السليم والمتبادل: تؤكد المسيحية دوماً على حل النزاعات عبر السلام، والحوار، والوساطة، ويسعى المشاورون المسيحيون لإعادة بناء العلاقات المتضررة عبر الأساليب السلمية إن أمكن.

الزرادشتية:

في الآيين الزرادشتي تُعتبر مسؤولية المجتمع تجاه الفرد الذي تعرض للظلم بارزة جداً. ويتضمن دعم ضحايا العنف ضد الزوجة جوانب مختلفة؛ ومنها:

  • الدعم القانوني والاجتماعي: وُجدت في النصوص الزرادشتية قوانين وحلول لمنع الظلم ودعم الأفراد المتضررين.

  • ترويج ثقافة الاحترام والعدالة: تُذكر التعاليم في هذا الآيين البشر بأن مراعاة العدالة والاحترام المتبادل في الحياة المشتركة أمر ضروري.

  • ضرورة التوعية: يؤدي المجتمع دوراً مهماً في التوعية تجاه حقوق الزوجين ومنع العنف.

الهندوسية:

يُظهر تحليل التعاليم الهندوسية أن دعم ضحايا العنف الأسري ليس إلزاماً اجتماعياً فحسب بل هو التزام ديني ومعنوي. وبالاستفادة من التعاليم الأخلاقية، والدعومات القانونية، والأنشطة الاجتماعية يمكن اتخاذ خطوات مؤثرة في اتجاه تقليل العنف ضد الزوجة ودعم ضحاياها.

راهکارهای حمایت از قربانیان خشونت در هندوئیسم

  • دور الدين والتعاليم المعنوية: سعى بعض القادة الدینیين للهندوس في العصر المعاصر عبر تفاسير جديدة للنصوص المقدسة لتقديم نماذج لدعم النساء وتقليل العنف الأسري. وتُظهر أصول الكارما (Karma) والدهارما أن الظلم والعنف ضد أي فرد سيحمل تبعات سلبية لمرتكبه وسيوجه تأثيراً سلباً في دورة الكارما. ومن هنا فإن التأكيد على المحبة، والعدالة، والمساواة في الأسرة يُعد حلاً معنوياً لمواجهة العنف.

  • الدعومات الحقوقية الحديثة في المجتمعات الهندوسية: تؤدي القوانين المدنية في الدول ذات الأغلبية من أتباع الهندوسية دوراً مهماً في مواجهة العنف الأسري. وعلى سبيل المثال فإن قانون منع العنف ضد النساء في الهند (The Protection of Women from Domestic Violence Act, 2005) هو أحد الأدوات القانونية التي تمكن النساء من التحرك بوجه العنف الأسري وتلقي الدعومات اللازمة.

  • دور الجمعيات الاجتماعية والمؤسسات الشعبية: تسعى المنظمات غير الحكومية (NGOs) في المجتمعات الهندوسية لدعم النساء الضحايا للعنف. وتوفر هذه الجمعيات عبر التوعية، والمساعدات الحقوقية، والاستشارات النفسية، وإيجاد مراكز المأوى، أرضيات لدعم النساء.

  • التعليم والتوعية: إحدى أهم حلول دعم ضحايا العنف ضد الزوجة في الهندوسية هي تغيير الرؤى الخاطئة عبر التعليم والتوعية. وتستطيع توعية مفاهيم كـ العدالة، والاحترام المتبادل، وحقوق النساء عبر وسائل الإعلام، والمدارس، والمراكز المذهبية المساعدة في تقليل العنف الأسري.

البوذية:

تقدم البوذية حلولاً متعددة لمواجهة العنف الأسري؛ ومنها:

  • ترويج المتا والكارونا: يجب تعزيز المحبة والشفقة في العلاقات الزوجية لإلغاء الفضاء المتاح للعنف.

  • التعليم والوعي: تستطيع المعرفة بـ التعاليم الأصيلة للبوذية المساعدة في إصلاح الرؤى وتقليل العنف ضد الزوجة.

  • التأمل والتبصر الداخلي: تستطيع تمارين التأمل المساعدة في السيطرة على الغضب وتقليل السلوكيات العنيفة.

  • دعم الضحايا: المجتمعات البوذية مكلفة بـ دعم ضحايا العنف وتوجيههم نحو الحلول السلمية.

النتيجة في البوذية: مع ذلك، يُشاهد العنف ضد الزوجة في بعض المجتمعات البوذية. ولا يمكن نسبة هذا الأمر للبوذية بل يمكن اعتباره ناشئاً عن العوامل الثقافية، والاجتماعية، والتقاليد المحلية التي تتضاد أحياناً مع التعاليم الأصيلة للبوذية. وتعتبر بعض هذه المجتمعات لأسباب متنوعة، ومنها الرؤى التقليدية حول الأدوار الجندرية، العنف أمراً شائعاً أو حتى قابلاً للتبرير، في حين أن مثل هذه السلوكيات غير مؤيدة في النصوص البوذية.

العنف اللفظي بين الزوجين في فقه وقوانين الأديان غير الإسلامية

العنف اللفظي هو أحد الآفات الخفية للحياة الزوجية التي تستطيع توجيه تأثيرات مدمرة على علاقة الزوجين. بعبارة أخرى، العنف اللفظي هو نوع من الإيذاء النفسي الذي يمكن أن يتشكل عبر الإهانة، والصراخ، والتحقير، واللوم، والتهديد. وهذا النوع من العنف، بخلاف العنف الفيزيائي، يترك جروحاً غير مرئية لكنها عميقة في روح وذهن الأفراد. وفي كافة الأديان الإلهية يحتل الاحترام والتكريم للعلاقات الإنسانية ولا سيما الرباط الزوجي مكانة سامية. وفي الأديان التوحيدية أيضاً تُبنى علاقات الزوجين على قاعدة المحبة، والدرك المتبادل، والقول الصالح. ومع ذلك فإن إحدى التحديات المهمة في الحياة الزوجية هي العنف اللفظي الذي يستطيع توجيه تأثيرات سلبية على بنيان الأسرة.

اليهودية:

يشير العنف اللفظي لاستخدام الكلمات المؤذية، أو المحقرة، أو اللائمة بين الزوجين مما يؤدي للأضرار النفسية والروحية. وفي النصوص الدينية لليهود أُكد على القول الصالح كـ أحد الأركان المهمة للعلاقات الاجتماعية والأسرية. وتوصي التعاليم الدينية اليهودية بوجوب استخدام الزوجين للكلمات المحبة في التعامل مع بعضهما والاجتناب عن أي كلام مهين أو محقر.

في “التلمود”، بوصفه أحد المصادر الأساسية لتعاليم اليهودية، أُشير لأهمية القول وتأثيره على العلاقات بين البشر. وكذلك في “التوراة” وسائر النصوص الدينية لهذا الدين أُوصي بألا تكون اللسان أداة لإلحاق الأذى بالآخرين. وفي بعض التفاسير الدينية أُكد على أن الكلمات تستطيع جرح قلوب الآخرين كـ الشفرة الحادة؛ ومن هنا فإن السيطرة على القول تُعد من الوظائف الأخلاقية للإنسان.

استناداً لتعاليم اليهود تقوم العلاقة الزوجية على الاحترام، والمحبة، والتفاهم، ويستطيع العنف اللفظي إرباك هذا التوازن. ومن تبعات العنف اللفظي في علاقات الزوجين يمكن الإشارة لتقليل المحبة، وزيادة الفاصلة العاطفية، وتقليل الثقة، وفي النهاية تزلزل بنيان الأسرة.

حلول اليهودية للوقاية من العنف اللفظي

  • السيطرة الذاتية في القول: في اليهودية يُوصى بـ السيطرة على اللسان واستخدام القول الصالح كـ إحدى الفضائل الأخلاقية. ويجب على كل فرد التفكير في تبعات كلماته قبل إبدائها.

  • زيادة التوعية ودراسة النصوص الدينية: تستطيع المعرفة بـ تعاليم التوراة والتلمود حول أهمية القول المحب المساعدة في تحسين العلاقات بين الزوجين.

  • المحبة والاحترام المتبادل: استناداً لتعاليم اليهود يُكلف الزوجان بـ التعامل باحترام مع بعضهما والاستفادة من الأساليب السلمية بدلاً من استخدام الألفاظ الحادة في أوقات الخلاف.

  • التوسل بـ الاستشارة الدينية والنفسية: في حال بروز المشاكل التواصلية تستطيع المراجعة للمستشارين الدينيين والنفسيين المتخصصين المساعدة في حل المسائل ومنع تكرار العنف اللفظي.

  • ممارسة الصبر والاحتِمال: إحدى الحلول المهمة المعلمة في اليهودية هي ممارسة الصبر في أوقات الغضب والسيطرة على المشاعر السلبية.

المسيحية:

في الكتاب المقدس أُشير مراراً لقوة وتأثير الكلمات. ورد في أمثال سليمان ١٥: ١:

«الْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَرُدُّ الْغَضَبَ، وَالْكَلاَمُ الْمُغْضِبُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ.»

وتُظهر هذه الآية أن اختيار الكلمات ولحن القول في العلاقات الإنسانية ولا سيما بين الزوجين يملك أهمية كبيرة. وفي المسيحية لا يُعد الكلام مجرد أداة للتواصل بل يستطيع إيجاد السلام أو تدمير العلاقة.

في أفسس ٤: ٢٩ نقرأ أيضاً:

«لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنَاءِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلْسَّامِعِينَ.»

من الواضح أنه في رؤية المسيحية لا ينبغي للسان أن يكون أداة للإيذاء؛ بل أداة لإيجاد السلام والمحبة في الأسرة.

حلول المسيحية لمواجهة العنف اللفظي

ورد في يعقوب ٣: ٥-٦:

«هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُشْعِلُ؟»

وبناءً عليه تؤكد المسيحية على أن كل فرد يجب أن يحذر كلماته ويستخدم لسانه كـ أداة للسلام والصداقة.

ورد في كولوسي ٣: ١٢-١٤:

«فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَةٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى.»

العشق الحقيقي يتطلب الاحتمال والتسامح، وفي الحياة الزوجية يجب أن تكون هذه الأصول عنواناً لسلوك الزوجين.

إحدى طرق منع العنف اللفظي هي قراءة الدعاء وطلب الهداية من الله. وتوصي المسيحية الزوجين بـ طلب الصبر من الله في لحظات التوتر والتعامل بروحية محبة وتواضع تجاه بعضهما.

تؤكد المسيحية على المفاوضة والحوار المحب في حل المشاكل الأسرية. كما ورد في أمثال سليمان ١٦: ٢٤: «الْكَلاَمُ النَّقِيُّ كَشَهْدِ عَسَلٍ، حُلْوٌ لِلنَّفْسِ وَشِفَاءٌ لِلْعِظَامِ».

وبـ الاجتناب عن الغضب والتعبير المحترم عن المشاعر، يمكن حل المشاكل بـ أسلوب سليم وعادل.

الزرادشتية:

يشمل العنف اللفظي أي قول محقر، وإهانة، ولوم، وغمز ولمز يضر بشخصية وقيم الطرف المقابل. وفي الرؤية الزرادشتية المؤسسة على قاعدة الفكر الصالح، والقول الصالح، والعمل الصالح فإن أي قول مؤذٍ وغير لائق يتضاد مع هذه التعاليم. والأفيستا، الكتاب المقدس للزرادشتيين، يؤكد دوماً على القول الصالح ولزوم استخدام اللسان في اتجاه التودد.

استناداً للتعاليم الزرادشتية فإن القول الصالح لا يمنع العنف اللساني فحسب بل يوطد بنيان الأسرة. وبتعبير آخر ففي التعاليم الزرادشتية يُعد أي نوع من العنف اللفظي غير ضار فحسب بل مغايراً لأصل القول الصالح. ويجب أن تُبنى علاقات الزوجين على قاعدة المحبة، والاحترام، والصداقة لكي يحظى فضاء الأسرة بالسكينة والصفاء. ويقدم زرادشت بالتأكيد على القول الصالح حلاً يستطيع المساعدة في تحسين العلاقات بين الزوجين ومنع الأضرار الناشئة عن العنف اللفظي. ومن هنا فإن اتباع هذه التعاليم لا يوجب السعادة الفردية والأسرية فحسب بل تؤدي دوراً مؤثراً في الهيكل الاجتماعي السليم.

تتألف بعض أهم المباحث الزرادشتية في هذا المجال من:

  • الاحترام المتبادل: يجب على الزوجين حفظ شأن وكرامة بعضهما في القول والاجتناب عن الكلمات الحادة والزنخة.

  • حفظ السكينة والتوازن الروحي: استخدام اللسان في اتجاه السكينة وتعزيز القيم الإنسانية هو من مؤشرات الأسرة الزرادشتية النموذجية.

  • التأكيد على العفو والمغفرة: يوصي الدين الزرادشتي الزوجين بـ قبول أخطاء بعضهما برفق والامتناع عن استخدام الألفاظ اللائمة.

  • دور القول الصالح في تربية الجيل القادم: يتعلم الأطفال في بيئة الأسرة كيفية التفاعل مع الآخرين. وتمتع الوالدين بـ الخطاب المحب يوجه تأثيراً إيجابياً على تربية الأجيال القادمة.

الهندوسية:

في النصوص المقدسة للهندوس كـ الريجفيدا، والأوبانيشاد، والباغافاد غيتا يُوصى بـ القول الصالح والرفيق كـ أحد أدوات النمو المعنوي. فالقول لا يعكس شخصية الفرد فحسب بل يؤثر في الكارما والحياة القادمة للإنسان أيضاً. وبناءً عليه فإن العنف اللفظي بين الزوجين من منظور الهندوسية سلوك ضار يتضاد مع الأصول الأخلاقية لهذا المذهب.

استناداً لتعاليم الهندوس لا تتضمن الكارما الأعمال الفيزيائية فحسب بل تشمل سلوك وقول الإنسان أيضاً. ونتيجة لذلك فإن العنف اللفظي يترك آثاراً سلبية في حياة الفرد ومستقبله. والأفراد في مسار الدهرما (الوظيفة الأخلاقية) مكلفون بـ الاجتناب عن العنف بـ كافة أشكاله، بما في ذلك العنف اللفظي.

تتألف بعض الآثار السلبية للعنف اللفظي في الحياة الزوجية من منظور الهندوسية من:

  • إيجاد الطاقة السلبية (دوشا): الكلمات الحادة والمؤذية تسبب إيجاد اهتزازات سلبية وتربك الهارموني المعنوي بين الزوجين.

  • الإضرار بـ الكارما: الشتم والتحقير اللفظي يسبب إيجاد كارما سلبية في حياة الفرد قد تؤثر في هذه الحياة أو الحياة القادمة.

  • إرباك التوازن الذهني (ساتفا): القول الخشن يربك التوازن الذهني والمعنوي للزوجين ويمنعهما من التقدم الروحي.

تخدم الهندوسية فضلاً عن التأكيد على التبعات السلبية للعنف اللفظي حلولاً للسيطرة عليه وكبح جماحه؛ ومنها:

  • براتياهارا (السيطرة على الحواس): السيطرة على اللسان والامتناع عن القول المؤذي بواسطة التمرين الذهني والسيطرة على المشاعر تستطيع المساعدة في تقليل العنف اللفظي.

  • سادانا (التمرين المعنوي): اليوغا والتأمل كـ جزء من المسار المعنوي يستطيعان المساعدة في سيطرة الفرد على المشاعر والسيطرة على اللسان.

  • جابا (الذكر وتكرار المانترا): تكرار المانترا المقدسة يوجب السكينة الذهنية وتصفية الباطن من الطاقات السلبية.

  • الأهيمسا (الامتناع عن العنف بـ كافة الأشكال): أصل الأهيمسا (عدم العنف) لا يقتصر على الأعمال فحسب بل يتضمن القول والسلوك أيضاً. وممارسة هذا الأصل في الاتصالات الزوجية تستطيع منع بروز العنف اللفظي.

  • سامفاد (الحوار المتضامن): ترويج فن الحوار، والاستماع الفاعل، والدرك المتبادل يوجب تعزيز العلاقات الزوجية وتقليل التوترات اللفظية.

البوذية:

في التعاليم البوذية يُعد مفهوم “القول الصحيح” (Right Speech) أحد الأصول الثمانية للمسار البوذي للنيل للتنوير. ويؤكد هذا المفهوم على أربعة أركان أساسية:

  • الامتناع عن الكذب: الصدق في القول عامل مفتاحي في إيجاد الثقة والدرك المتبادل بين الزوجين.

  • اجتناب الكلمات الحادة والخشنة: اللحن الحاد والناقد يستطيع توجيه الأذى النفسي للزوجة وإرباك العلاقة.

  • الامتناع عن الغيبة والقول السيئ: الحديث عن نقاط الضعف وأخطاء الزوجة ولا سيما بحضور الآخرين يستطيع إدلاء تدمير العلاقة.

  • اجتناب القول الباطل وغير المعني: استخدام الكلمات الإيجابية والملهمة يساعد في تقليل الاسترس وزيادة الود والمحبة في العلاقة الزوجية.

الحلول المقترحة لتقليل العنف اللفظي في الحياة الزوجية من منظور البوذية

  • ممارسة الوعي الذهني (Mindfulness): زيادة الوعي في اللحظة الحاضرة والدقة في اختيار الكلمات قبل إبدائها.

  • التأمل المحب (Loving-Kindness Meditation): يساعد هذا الأسلوب الأفراد في تعزيز الشعور بـ التعاطف والرفق تجاه زوجاتهم.

  • إدارة الغضب والانفعالات السلبية: تشخيص المحفزات العصبية وممارسة التنفس العميق للسيطرة على اللحظات المشحونة بـ التوتر.

  • استخدام القول البناء والمحفز: استبدال الكلمات الناقدة بـ المفردات المشجعة والداعمة.

  • الاستماع الفاعل: الدرك المتبادل والرغبة في سماع مشاكل الزوجة دون حكم مسبق.

العنف ضد الزوج/الزوجة في حقوق الأديان غير الإسلامية

العنف الأسري، ولا سيما العنف ضد الزوجات، هو أحد التحديات الحقوقية والأخلاقية في مختلف المجتمعات. وفي غضون ذلك أدت الأديان الإلهية دوراً مهماً في تبيين الأطر الأخلاقية والقانونية للعلاقات بين الزوجين.

اليهودية:

في التوراة وسائر النصوص المقدسة لليهود لا يوجد أي ترخيص لممارسة العنف ضد الزوجات. وعلى العكس فإن أي نوع من سوء المعاملة أو الإضرار بالزوجة مقتوت بشدة. وفي التلمود، الذي هو أحد أهم المصادر الفقهية لليهود، يُعتبر أي سلوك خشن مع الزوجة غير مقبول. وتؤكد بعض النصوص صراحة على أن الرجال الذين يتعاملون بـ حدة مع زوجاتهم يُعدون مذنبين وحتى في بعض الموارد يستطيع هذا السلوك إدلاء حكم قضائي.

وأصدر الفقهاء اليهود على مدى التاريخ فتاوى متعددة حول مسألة العنف في الأسرة. ويعتقد العديد منهم أنه لو مارس رجل العنف مع زوجته فتستطيع المحاكم اليهودية (بيت دين) إجباره على إصلاح السلوك وتحديد عقوبات مشخصة له عند اللزوم. وفي بعض المدارس الفقهية لليهودية يُؤذن للنساء لحفظ أمنهن وإنهاء السلوكيات الخشنة المراجعة للمحكمة وتلقي الطلاق.

المسيحية:

تُدعى المسيحية، على قاعدة تعاليم الإنجيل وتعاليم السيد المسيح (ع)، الإنسانَ للمحبة، والتسامح، والرفق. ويؤكد الكتاب المقدس، ولا سيما العهد الجديد، تأكيداً خاصاً على السلوك المحب بين أفراد الأسرة ويندد بـ أي عنف وسوء معاملة.

وفي المجتمعات المسيحية تُبنى القوانين المدنية أيضاً على قاعدة الأصول الأخلاقية والدينية. واليوم في أغلب الدول ذات الأغلبية المسيحية يُعد العنف ضد النساء جريمة وتُطبق قوانين لدعم الضحايا وعقاب المرتكبين.

القوانين المدنية حول العنف ضد الزوجات

في دول متعددة كـ الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا يُعد العنف ضد الزوجة، حتى في قالب التأديب البدني، جريمة وتُتوقع عقوبات مختلفة له. وتؤدي المحاكم دوراً مهماً في دعم النساء الضحايا للعنف.

توجه الكنائس للمتابعة الحقوقية للعنف

توصي الكنائس المختلفة، في عين التوصية بالسلام والصلح، الضحايا بـ اتخاذ الإجراءات عبر الطرق القانونية لإحقاق حقوقهن. وفي الوقت نفسه تؤكد على الدعم الاجتماعي والعاطفي للنساء اللاتي تعرضن للعنف.

الزرادشتية:

استناداً لتعاليم الأفيستا والنصوص البهلوية يؤكد الدين الزرادشتي تأكيداً كبيراً على الحياة الأسرية السليمة، والعشق، والاحترام المتبادل، والاجتناب عن أي ظلم وعنف. وفي هذه التعاليم يُنظر للرجل والمرأة كـ ركنين أساسيين للأسرة ويجب أن يكون تفاعلهما قائم على أشا (النظام الكوني والاستقامة).

حظر العنف ضد الزوجات في الآيين الزرادشتي

في النصوص الزرادشتية يُعد أي عنف، سواءً فيزيائياً أم نفسياً، عملاً مقتوتاً وبخلاف التعاليم الدينية. وفي الأفيستا والكتب البهلوية كـ “دادستان ديني” و”الروايات البهلوية” يُؤكد على مراعاة الأخلاق في السلوك مع الزوجة ويُعتبر سوء التعامل مع الزوجات كـ ذنب. ولهذا السبب فإن الزرادشتيين مكلفون بـ التعامل مع زوجاتهم بـ استقامة وشفقة.

عقاب العنف وسوء المعاملة في المصادر القديمة للزرادشتية

تُظهر دراسة النصوص الحقوقية الزرادشتية كـ «ماديان هزار دادستان» أن العنف ضد الزوجات كان يستطيع حمل تبعات قانونية. وعلى سبيل المثال فإن الرجل الذي تؤذي زوجته كان يفقد في بعض الموارد حق حضانة الأطفال بل ويُكلف بـ تعويض الخسارة. وفي النظرة الكلية يطالب المجتمع الزرادشتي بـ حل المشاكل الأسرية بناءً على الحوار والإنصاف ويندد بـ العنف في الحياة الزوجية.

الهندوسية:

تؤثر الهندوسية بفضل تأثيرها العميق على القوانين التقليدية للهند في بعض الموارد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على القوانين المدونة لهذا البلد. ومع ذلك تملك الهند اليوم قوانين مشخصة لمبارزة العنف الأسري. قانون “حماية النساء من العنف الأسري” (The Protection of Women from Domestic Violence Act, 2005) هو من القوانين المهمة التي تدعم النساء بوجه الاستغلال الجسدي، والروحي، والاقتصادي.

وبرغم أن بعض الرسوم والتقاليد الاجتماعية قد تؤدي للعنف ضد النساء، غير أن جهوداً بُذلت من قبل الدولة وناشطي حقوق النساء لتغيير هذه الأساليب. وتؤكد المنظمات المدنية والمجموعات الفاعلة في حقوق الإنسان باستمرار على لزوم حماية حقوق النساء.

وتُظهر دراسة النصوص والأصول الهندية أن الهندوسية ذاتها تؤكد على السلام، والتوافق، والاحترام في العلاقات الأسرية. وبرغم أن بعض التفاسير التقليدية للنصوص المقدسة قد تُهيئ الأرضية للسلوكيات التمييزية، غير أن التعاليم البنيوية لهذا الآيين لا تؤيد العنف ضد النساء. واليوم تسعى الدولة الهندية بـ وضع القوانين الداعمة والأنشطة الاجتماعية لتقليل العنف ضد الزوجات.

البوذية:

إحدى أساسيات التعاليم البوذية هي أصل عدم العنف في البوذية الأهيمسا (Ahimsa). وهذا الأصل، الذي يؤدي دوراً أساسياً في مختلف المدارس البوذية كـ الترافادا، والماهايانا، والفيجرايانا، يؤكد على أن أي أذى وعنف، سواءً جسدياً أم نفسياً، يتضاد مع مسار الخلاص والوعي.

وكان بوذا يؤكد في تعاليمه على الامتناع عن العنف ويوصي بأن يتعامل كل فرد مع الآخرين، ولا سيما الأقرباء، بـ رفق ومحبة. ورد في النصوص المقدسة البوذية كـ الدامابادا (Dhammapada):

«مَنْ يُؤْذِي الآخَرِينَ بِالعُنْفِ لَنْ يَجِدَ السَّعَادَةَ. وَمَنْ يَرْفُقْ بِالآخَرِينَ سَيَخْبُرُ السَّلاَمَ وَالسَّكِينَةَ.»

وبناءً عليه فإن أي عنف ضد الزوجات، سواءً من جانب النساء أم من جانب الرجال، يتضاد مع الأصول البنيوية للبوذية. واستناداً لتعاليم بوذا فإن النيل للسكينة الداخلية والكمال المعنوي يتطلب احترام حقوق ومشاعر الآخرين، ولا سيما الأفراد الذين نملك معهم رابطة أسرية.

النظرة الحقوقية للبوذية تجاه العنف الأسري

في معظم الدول ذات المذهب البوذي صُيغت القوانين المدنية والحقوقية متأثرة بـ التعاليم البوذية أيضاً. وفي دول كـ سريلانكا، وثايلاند، وميانمار يُعد العنف الأسري مقتوتاً من المنظور العرفي والأخلاقي وتوجد في بعض الدول قوانين مشخصة لدعم النساء الضحايا للعنف الأسري.

ويرى بعض الرهبان البوذيين والمبلغين لهذا الآيين أن الزواج ليس مجرد مسؤولية قانونية بل هو التزام أخلاقي بُني على قاعدة المحبة والدرك المتبادل. ومن هنا فإن أي سلوك مهين أو عنيف قد لا يتسبب بـ الإضرار الجسدي والروحي بالزوجة فحسب، بل يجر مسار “الكارما” (Karma) للفرد الممارس للعنف للدمار أيضاً.