إشارة: يمارس حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي زاده موسوي البحث والتدريس في حقل الكلام الإسلامي منذ سنوات. وأدت تجاربه الدولية الواسعة لزيادة إلمامه بالنظريات الكلامية المتنوعة في العالم الإسلامي. ومن جهة أخرى، فإن التوجه الأدنى والأقصى للفقه نابع من نزاع كلامي في مستوى انتظار البشر من الدين. ولهذه الذريعة تناقشنا معه حول مستلزمات الفقه المعاصر بناءً على التوجه الأدنى للفقه. وهو إذ يعرب عن أن ما جرى في علم الفقه حتى الآن كان التوجه الأدنى للفقه لا التوجه الأقصى، يصرح بأنه دون التوجه الأقصى للفقه لا يمكن أساساً الحديث عن الفقه المضاف والنظام والفقه المعاصر. وهو بطبيعة الحال يبيّن الزامات الوصول للفقه الأقصى أيضاً. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع عضو الهيئة التدريسية بجامعة الأديان والمذاهب ورئيس مؤسسة أحسن:
الفقه المعاصر: ما هي مستلزمات وخصائص التوجه الأدنى للفقه؟ وهل التوجه الأدنى للفقه نظرية واحدة أم هو بمثابة جامع انتزاعي من عدد من النظريات والتوجهات التي تشترك مع بعضها في موارد؟
علي زاده موسوي: بحثنا الأول هو أن التوجه الأدنى والأقصى للفقه ناظر للنظرة لحضور الدين في حياة الإنسان؛ بـ معنى أننا لو قلنا إن للدين حضوراً أدنى في حياة الإنسان ويقتصر فقط على الساحة الفردية للإنسان ولا مكانة له في الساحة الاجتماعية، فإن هذا الأمر يسري عملياً للفقه أيضاً؛ لأن الفقه يبيّن الأطر العملية للدين. ومن هنا فإن التوسعة والتضييق في مجال مكانة الدين في حياة الإنسان تؤدي للتوسعة والتضييق بالنسبة لدور الفقه في حياة الإنسان. وبناءً عليه فإن جذر البحث عن كون الفقه أدنى أو أقصى يعود لهذه المسألة.
والتوجه الأدنى للفقه يعود لفكر العلمانية. فلو قمنا بالعلمانية فسيغدو فقهنا أدنى أيضاً، ولو لم نقل بها فسيغدو فقهنا أقصى.
وإلى جانب هذين الاصطلاحين، يوجد اصطلاحان آخران باسم الفقه الإمكاني (الفقه بالظرفية) والفقه الفعلي (الفقه بالفعلية). والتوضيح: أن بحثنا أحياناً يدور حول: هل يستطيع الفقه تأمين الاحتياجات الاجتماعية للإنسان فضلاً عن الاحتياجات الفردية التي هي في حقل العبادات والفرديات أم لا؟ هذا سؤال. والسؤال الآخر هو: هل استطاع الفقه تطبيق هذه الظروف اليوم أم لا؟ السؤال الأول ناظر لطاقة الفقه، والسؤال الثاني ناظر لفعالية الفقه. وفي الإجابة عن السؤال الأول أقول إن فقهنا يملك هذه الطاقة. أما في الإجابة عن السؤال الثاني فيجب القول إن هذه الطاقة لم تصل للفعلية بعد. وهذا الأمر نفسه تسبب في ألا نستطيع في حقل المجتمع حل مشاكل المجتمع وتقديم إجابات ذات كفاءة لها. وعلى سبيل المثال في حقل الاقتصاد، فإن قول الفقه لمطالب في عرصة الأخلاق الاقتصادية يغدو هو نفسه فقهاً أدنى. فـ الفقه الأقصى في الاقتصاد یعنی استطاعته إبداء الرأي في المسائل الاقتصادية الكلية. وعلى سبيل المثال، إبداء الرأي في المصرفية، والائتمان التجاري (اليوزانس)، والتمويل (الفاينانس)، والكمبيالة، والمضاربة في الأوراق المالية وما شابه ذلك. فعندما لا نكون مطلعين على هذه الموضوعات، فطبيعياً لن نستطيع أيضاً إصدار الأحكام الفقهية المتناسبة معها.
وفي رأيي، فإن مسألة الفقه الأدنى والفقه الأقصى ليست مسألة اليوم لمجتمعنا الفقهي ولا ينبغي أن تكون. والمسألة المهمة التي يجب على الفقهاء الاهتمام بها اليوم هي مسألة إيصال الطاقات المتنوعة لعلم الفقه إلى الفعلية. وهذا الأمر يملك مستلزمات طبعاً يجب الاهتمام بها. وإحدى هذه المستلزمات الاهتمام بـ مقاصد الشريعة أو بتعبير آخر الفقه المقاصدي. فدون النظر لأهداف الشريعة لا يمكن تقديم إجابات صحيحة للمسائل الكلية الماثلة أمام الفقه. والمستلزم الآخر هو الاهتمام بظروف الزمان والمكان. وكما طرح الشهيد المطهري في كتاب “الإسلام ومقتضيات الزمان”، فدون الاهتمام بظروف الزمان والمكان لا يمكن استنباط الأحكام الفقهية بالشكل الصحيح. والمستلزم الآخر هو الحركة نحو الفقه المركّب. فالفقهاء اليوم لا يستطيعون بمفردهم فهم المسائل المستحدثة للعالم اليوم لكي يفتوا بخصوصها. وفهم هذه الموضوعات والمسائل يتطلب المساعدة من المتخصصين في تلك المسألة.
وبناءً عليه فإن وقوعنا اليوم من الناحية الواقعية في مأزق الفقه الأدنى يعود لعدم الاهتمام بالنكات المذكورة: من عدم الاهتمام بمقاصد الشريعة إلى عدم تدخل الزمان والمكان في استنباط الحكم الفقهي وعدم استخدام المتخصصين لفهم الموضوعات الفقهية.
وعندما نُصاب بـ الفقه الأدنى، فإن أول مستلزماته هو أن الفقه سيكون مؤثراً فقط في حقل العبادات والأمور الفردية للإنسان، ولن يلج الحقل الاجتماعي؛ وبناءً عليه فحيث تحدث منطقة الفراغ في الحقل الاجتماعي، فسيُساق المجتمع نحو التساهل والتسامح الزائد عن الحد. وعندما يضعف دور الفقه في مجتمع ما، فسيضعف دور الدين لا شعورياً ويتجه المجتمع نحو العقلانية الحديثة ويغدو ساحة لـ طغیان العقلانية الحديثة؛ وهي عقلانية نابعة من العقل العصامي الاستقلالي لا العقل المتصل بالوحي الذي هو المقياس والمعيار لدينا.
الفقه المعاصر: بناءً على التوجه الأدنى للفقه، ما هي المستلزمات والخصائص التي يكتسبها الفقه المعاصر؟
علي زاده موسوي: عندما نقبل التوجه الأدنى للفقه، سيمارس الفقه إبداء الرأي عملياً في الأمور الفردية فقط ولن نملك بعد ذلك شيئاً باسم الفقه الاجتماعي، وفقه الأنظمة، والفقهاء المضافة.
الفقه المعاصر: هل يُعد إنشاء الأنظمة الفقهية كـ نظام الفقه الاقتصادي، ونظام الفقه السياسي و… ممكناً بناءً على التوجه الأدنى للفقه؟
علي زاده موسوي: كلا، عندما قلنا بـ الفقه الأدنى، فلا يعود للبحث عن الأنظمة الفقهية معنى وسيتخرج عملياً عن حقل بحث الفقه.
الفقه المعاصر: هل يُعد «إيجاد الحكومة الإسلامية» أمراً مطلوباً وممكناً بناءً على التوجه الأدنى للفقه؟
علي زاده موسوي: كلا، لا إمكان لمثل هذا الشيء. فلو قلنا بالتوجه الأدنى للفقه فلن يملك الفقه أي حكم في عرصة المجتمع، وحيث إن الحكومة مسألة اجتماعية أيضاً، فمن ثم لن يملك الفقه فكرة في عرصة الحكومة أيضاً. والأحكام السلطانية يعني الأحكام السياسية؛ فعندما يغدو الفقه أدنى لن نملك شيئاً باسم الفقه السياسي والأحكام السلطانية.
الفقه المعاصر: بناءً على التوجه الأدنى للفقه، هل تختلف طريقة استنباط المسائل ومستوى إعطاء الوزن لبعض الأدلة في عملية الاستنباط؟
علي زاده موسوي: يبدو أن هذا السؤال غير سديد؛ لأن ما واجهناه منذ بداية تشكل علم الفقه كان الفقه الأدنى؛ ومن هنا فإن أدلتنا وطريقة استنباطاتنا الفقهية تشكلت بناءً على هذا بالذات. وبناءً عليه فإن السؤال الصحيح هو «هل تختلف طريقة استنباط المسائل ومستوى إعطاء الوزن لبعض الأدلة في عملية الاستنباط بناءً على التوجه الأقصى للفقه؟»
لا يمكن بالتمسك بفتوى واحدة كـ فتوى تحريم التبغ تسمية الفقه فقهاً أقصى؛ لأن هذه الفتوى لم تكن نابعة من جهاز فكري داعم، بل كانت مجرد فتوى لفقيه في مسألة ما. فـ الفقه الأقصى يعني إيجاد نظام فكري داعم يلقي بظلاله على علم الفقه ويغلب عليه وتنظم كافة الاستنباطات، والأدلة، والمناهج بناءً عليه. ومثل هذا الشيء لم يكن موجداً حتى الآن ولكن يجب إيجاده حتماً؛ وإلا فلن تتفعل طاقات الفقه إلى الفعلية.
