الإشارة: على الرغم من أن تسيير الاقتصاد بشكل شعبي قد سمع به الكثيرون بفضل طرحه في كلام القائد الأعلى للثورة الإسلامية، إلا أن الحوار العلمي حوله كان نادراً. وفي هذا السياق، فإن مناقشة الأبعاد الفقهية لتسيير الاقتصاد بشكل شعبي نادرة للغاية. الحجة الإسلام والمسلمين الدكتور سيد حميد جوشقاني، أمين قسم فقه الاقتصاد بمعهد دراسات الفقه المعاصر، تناول في حوار خاص مع الفقه المعاصر الأبعاد الفقهية لتسيير الاقتصاد بشكل شعبي. ونص الحوار كما يلي:
الفقه المعاصر: ما معنى تسيير الاقتصاد بشكل شعبي؟
جوشقاني: يعني تسيير الاقتصاد بشكل شعبي إنشاء وتعزيز نظام اقتصادي يتماشى مع المشاركة الفعالة للناس في العمليات الاقتصادية بطريقة تمكنهم من الاستفادة من الفرص والمزايا الاقتصادية بشكل عادل. بشكل عام، يسعى تسيير الاقتصاد بشكل شعبي إلى إنشاء نظام يصبح فيه الناس ليسوا فقط مستهلكين بل منتجين ومتخذي قرارات، ويساهم بشكل عام في تحسين جودة الحياة والتنمية المستدامة للمجتمع. يعني تسيير الاقتصاد بشكل شعبي زيادة مشاركة الناس في اتخاذ القرارات الاقتصادية، ويمكن أن تتم هذه المشاركة من خلال المؤسسات المحلية والتعاونيات والمنظمات غير الحكومية. دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستجيب مباشرة للمجتمع واحتياجاته يعد عاملاً مهماً في تسيير الاقتصاد بشكل شعبي. بعبارة أخرى، توفير التعليم والموارد اللازمة للناس ليتمكنوا من المشاركة في العمليات الاقتصادية واكتساب المهارات اللازمة هو معنى تسيير الاقتصاد بشكل شعبي.
الفقه المعاصر: ما هي المهمة التي تقع على عاتق علم الفقه في تسيير الاقتصاد بشكل شعبي؟
جوشقاني: يتطلب تسيير الاقتصاد بشكل شعبي، كونه هدفاً اجتماعياً واقتصادياً، الالتفات إلى المبادئ والقيم الإسلامية. يلعب علم الفقه، كأحد الأركان المهمة للعلوم الإسلامية، دوراً مهماً في هذا المجال. بعض المهام والأدوار التي يضطلع بها علم الفقه في تسيير الاقتصاد بشكل شعبي تشمل:
- تبيين المبادئ الأخلاقية الاقتصادية: يمكن للفقه أن يبين المبادئ الأخلاقية والقيمية في المجال الاقتصادي. تشمل هذه المبادئ العدالة، والإنصاف، والصدق، والمسؤولية في المعاملات والأنشطة الاقتصادية، مما يساهم في تحسين السلوكيات الاقتصادية.
- صياغة القوانين والتشريعات الاقتصادية: يمكن للفقه أن يساهم في صياغة وتعديل القوانين والتشريعات الاقتصادية لتتماشى مع المبادئ الإسلامية وتساهم في تحقيق أهداف تسيير الاقتصاد بشكل شعبي.
- دعم التعاون والمشاركة الاجتماعية: يشجع الفقه ويعزز الأنشطة التعاونية والمشاركات الاجتماعية، وهذا يمكن أن يشمل إنشاء التعاونيات، وصناديق القروض الحسنة، وغيرها من المؤسسات الاقتصادية مثل التكافل الاجتماعي التي تساهم في تلبية احتياجات المجتمع.
- التعليم والتمكين: يمكن للفقه أن يعزز التعليم الاقتصادي في المجتمع، ويمكن أن تشمل هذه التعليمات مبادئ إدارة الأموال، والاستثمار، وريادة الأعمال بناءً على الأسس الإسلامية.
الفقه المعاصر: هل إنشاء المؤسسات المالية مثل الخمس، والزكاة، والصدقة، والكفارة في علم الفقه يتماشى مع تسيير الاقتصاد بشكل شعبي أم أنه لا علاقة له به؟
جوشقاني: إن إنشاء المؤسسات المالية مثل الخمس، والزكاة، والصدقة، والكفارة في علم الفقه له ارتباط مباشر وملحوظ بمفهوم تسيير الاقتصاد بشكل شعبي. تعمل هذه المؤسسات كأدوات لتحقيق العدالة الاجتماعية، والحد من الفقر، وتوزيع الثروة بشكل عادل في المجتمع، وهي من أهداف تسيير الاقتصاد بشكل شعبي. تم تصميم المؤسسات المالية مثل الزكاة والخمس بشكل خاص لتوزيع الثروة بين أفراد المجتمع. تساهم هذه المؤسسات في تلبية احتياجات الفقراء والمحرومين وتؤدي إلى الحد من التفاوتات الاقتصادية. تعزز هذه المؤسسات ثقافة التعاون والإيثار في المجتمع. من خلال دفع الزكاة والصدقة، لا يساعد الأفراد الفقراء فحسب، بل يساهمون أيضاً في تعزيز الروابط الاجتماعية والشعور بالمسؤولية في المجتمع.
كما يمكن لهذه المؤسسات أن تساهم في تمويل المشاريع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تعود بالنفع على المجتمع. إذا تم توزيع الموارد المالية من خلال الزكاة والصدقة على المستوى المحلي، يمكن أن يساهم ذلك في تعزيز الاقتصاد المحلي ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لها تأثير كبير في تسيير الاقتصاد بشكل شعبي.
بشكل عام، تعمل المؤسسات المالية مثل الخمس، والزكاة، والصدقة، والكفارة في الفقه ليس فقط كأدوات مالية، بل تساهم أيضاً في تحقيق أهداف تسيير الاقتصاد بشكل شعبي وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
الفقه المعاصر: من منظور الفقه، ما هي واجبات الحكومة الإسلامية فيما يتعلق بتسيير الاقتصاد بشكل شعبي؟
جوشقاني: من منظور الفقه الإسلامي، تتحمل الحكومة الإسلامية واجبات ومسؤوليات معينة في مجال تسيير الاقتصاد بشكل شعبي. تتعلق هذه الواجبات بتحقيق العدالة، وتعزيز التعاون، وتنظيم السوق، وتطوير الثقافة الاقتصادية، ودعم الإنتاج المحلي، ومشاركة الناس في اتخاذ القرارات. يمكن لهذه الإجراءات أن تساهم في تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمع وتحقيق الأهداف الإسلامية.
بناءً على الأحكام الفقهية المتعلقة بالاستفادة من الموارد الطبيعية، يجب على الحكومة أن تهتم بتوزيع الموارد والثروات بشكل عادل في المجتمع. هذا يعني منع تركز الثروة في أيدي فئة معينة والسعي للحد من الفجوات الطبقية. كما يُستفاد من نهج الأحكام الفقهية، يجب على الحكومة أن تتبنى سياسات تدعم الفقراء والمحتاجين لتوفير الإمكانيات اللازمة لحياة كريمة لهم.
من الأمور الأخرى التي يطرحها الفقه كواجب للحكومة هي تنظيم ومراقبة السوق، والتي تشمل تنظيم الأسعار ومراقبة جودة السلع. في الحالات التي لا يستطيع السوق فيها تنظيم الأسعار بشكل طبيعي، يجب على الحكومة أن تتدخل وتمنع الزيادات غير المبررة في الأسعار. مراقبة جودة السلع والخدمات ضرورية أيضاً لحماية حقوق المستهلكين ومنع الغش والاحتيال.
تطوير الثقافة الاقتصادية الإسلامية، والتعليم وتعزيز المبادئ الاقتصادية الإسلامية، وتعزيز الاستهلاك الصحيح والمثالي هي من بين واجبات الحكومة الأخرى. كما أن إنشاء منصات للمشاركة العامة في اتخاذ القرارات الاقتصادية وتسهيل الظروف لدخول الناس إلى مجال العمل والإنتاج المحلي هي من بين واجبات الحكومة المستنبطة من الأسس الفقهية.
الفقه المعاصر: ما هي الشروط الفقهية لعقود تسيير الاقتصاد بشكل شعبي وتسليم المنشآت الاقتصادية؟
جوشقاني: تتطلب عقود تسيير الاقتصاد بشكل شعبي وتسليم المنشآت الاقتصادية في الفقه الإسلامي، نظراً لتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، مراعاة بعض الشروط الفقهية. تشمل هذه الشروط ما يلي:
- مشروعية العقد: يجب أن يكون كل عقد متوافقاً مع المبادئ والقواعد الإسلامية. يجب ألا يتضمن العقد رباً، أو غشاً، أو أي نوع من المعاملات المحرمة.
- الرضا والاتفاق بين الطرفين: يجب أن يدخل الطرفان في العقد برغبتهما الحرة وبدون أي ضغط. كما يجب أن يتم الاتفاق على شروط العقد بشكل واضح وشفاف بين الطرفين.
- تحديد موضوع العقد: في عقود تسليم المنشآت، يجب أن يتم تحديد نوع ومواصفات المنشأة بشكل دقيق.
- مراعاة الشروط المالية: تشمل التسعير العادل والشفافية المالية.
- التوافق مع قوانين البلد: يجب أن يكون العقد متوافقاً مع القوانين والتشريعات الجارية في البلد وقابلاً للتنفيذ من الناحية القانونية.
- ضمان تنفيذ العقد: في حال عدم تنفيذ الالتزامات، يجب تحديد الضمانات اللازمة لتعويض الخسائر.
- الرقابة والشفافية: وجود مؤسسات رقابية لضمان تنفيذ العقد بشكل صحيح ومنع الفساد والاستغلال أمر ضروري.
- مراعاة المصالح العامة: يجب مراعاة أن يكون العقد في صالح المجتمع والاقتصاد الكلي للبلد وأن يساهم في التنمية المستدامة.
بناءً على هذه الشروط، يمكن القول إن عقود تسيير الاقتصاد بشكل شعبي وتسليم المنشآت الاقتصادية يجب أن تُصمم وتُنفذ بطريقة تكون مشروعة وقابلة للقبول من الناحية الفقهية والقانونية والاجتماعية.
الفقه المعاصر: كيف هي معايير تسليم المنشآت بناءً على القيمة المالية للشركة من الناحية الفقهية؟
جوشقاني: في إطار تسيير الاقتصاد بشكل شعبي، يتطلب تسليم الشركات والمنشآت الاقتصادية بناءً على قيمتها المالية من منظور الفقه الإسلامي مراعاة معايير ومبادئ معينة. تُحدد هذه المعايير لضمان المشروعية والعدالة في عملية التسليم. في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى المعايير التالية:
- تحديد القيمة الحقيقية للشركة باستخدام خبراء محايدين.
- الشفافية والتماثل في المعلومات المالية لاتخاذ قرارات مستنيرة ومنع الخداع.
- مراعاة مصالح الطرفين مع الأخذ في الاعتبار مصالح المجتمع.
- التوافق مع المبادئ الأخلاقية والفقهية الإسلامية في مراحل التسليم وتسيير الاقتصاد بشكل شعبي.
- الرقابة وتأييد المؤسسات المختصة والمحايدة: يمكن أن تشمل هذه المؤسسات المنظمات الحكومية أو المؤسسات الدينية أو تتكون من ممثلين عن الحكومة والعامة.
الفقه المعاصر: كيف هي معايير تسليم المنشآت بناءً على قدرة الاستغلال من الناحية الفقهية؟
جوشقاني: يتطلب تسليم المنشآت الاقتصادية بناءً على قدرة الاستغلال من الناحية الفقهية مراعاة معايير ومبادئ معينة. تشمل هذه المعايير ما يلي:
- تحليل قدرة الاستغلال: يجب تقييم القدرة الإنتاجية والاستغلالية الحقيقية بدقة. يشمل ذلك فحص الطاقة الإنتاجية، والموارد البشرية، والتكنولوجيا، والبنية التحتية. يمكن استخدام الخبراء والمتخصصين المستقلين لتقييم قدرة الاستغلال بشكل عادل ودقيق.
- التسليم بناءً على معلومات شاملة: يجب أن تكون جميع المعلومات المتعلقة بقدرات الاستغلال، بما في ذلك الطاقات الإنتاجية، والسوق المستهدف، والظروف الاقتصادية، متاحة بشكل دقيق وشفاف وكامل. يجب منع أي معلومات خاطئة أو مضللة لضمان عدم إهدار حقوق الطرفين، خاصة المشتري.
- إمكانية التطوير والتحسين من قبل المستغل: يجب مراعاة إمكانيات النمو والتطوير للشركة وتقييم ما إذا كان المشتري يملك القدرة على تحسين وزيادة الاستغلال أم لا.
الفقه المعاصر: من الناحية الفقهية، كيف يجب أن تكون منصات تسليم المنشآت الاقتصادية؟
جوشقاني: يتطلب تسليم المنشآت الاقتصادية من الناحية الفقهية منصات مناسبة ومحددة تساهم في تحقيق العدالة والشفافية والمشروعية في هذه العملية. تشمل المنصات اللازمة لتسليم المنشآت الاقتصادية من منظور الفقه الإسلامي ما يلي:
- القوانين والتشريعات الشفافة: يجب أن تكون هناك قوانين وتشريعات واضحة وشفافة لتسليم المنشآت الاقتصادية تتوافق مع المبادئ الفقهية والأخلاقية. يجب أن تكون جميع القوانين والتشريعات متماشية مع المبادئ الإسلامية والفقهية وتتجنب أي تعارض مع الأحكام الشرعية.
- المؤسسات الرقابية المستقلة: وجود مؤسسات رقابية مستقلة وموثوقة لفحص وتأييد عملية التسليم أمر ضروري. يمكن أن تشمل هذه المؤسسات المنظمات الحكومية، أو المؤسسات الدينية، أو المنظمات غير الحكومية. يجب أن تراقب هذه المؤسسات تنفيذ العقود بشكل صحيح وتمنع وقوع الفساد والاستغلال.
- الوصول إلى المعلومات المالية والاقتصادية: يجب أن تكون جميع المعلومات المتعلقة بالوضع المالي والاقتصادي للمنشأة متاحة بشكل شفاف للمشترين والمستثمرين. يجب إعداد وتقديم التقارير المالية والاقتصادية بدقة وموثوقية لمنع أي خداع أو استغلال.
- وجود عمليات محددة: يجب أن تكون هناك عمليات قانونية وإدارية محددة لتسليم المنشآت تشمل مراحل التقييم، والتسعير، ونقل الملكية.
- التعليم والتمكين: يجب تنظيم برامج تدريبية للأطراف المعنية، بما في ذلك مديري وموظفي المنشآت الاقتصادية، في مجال المبادئ الفقهية والأخلاقية للتسليم. يجب تمكين المشترين من الناحية الإدارية والفنية ليتمكنوا من استغلال المنشآت المسلمة بشكل جيد.
في النتيجة، يجب تصميم وتنفيذ منصات تسليم المنشآت الاقتصادية من الناحية الفقهية بطريقة تأخذ في الاعتبار المبادئ الإسلامية، والعدالة، والشفافية، ومصالح العامة. هذه المنصات لا تساعد فقط في الحفاظ على حقوق الطرفين، بل تساهم أيضاً في السلامة الاقتصادية والتنمية المستدامة.
الفقه المعاصر: كيف هي معايير تسليم المنشآت بناءً على الكفاءات الفردية من الناحية الفقهية؟
جوشقاني: تكتسب معايير تسليم المنشآت بناءً على الكفاءات الفردية من الناحية الفقهية، خاصة في مجالات مختلفة مثل المسؤوليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أهمية كبيرة. في الفقه الإسلامي، ترتبط الكفاءات الفردية بعوامل مثل العلم، والتقوى، والخبرة، والشايستك. بعض هذه المعايير تشمل:
- العلم والوعي: يجب أن يمتلك الفرد المعرفة والوعي الكافي في المجال الذي تُسلم إليه المسؤولية. هذا يعني أن الفرد يجب أن يمتلك القدرة اللازمة لأداء واجباته.
- التقوى والديانة: من الناحية الفقهية، تكتسب التقوى والديانة للفرد أهمية كبيرة. يجب أن يكون الفرد ملتزماً بالمبادئ الأخلاقية والإسلامية في أداء واجباته وأن يتجنب الذنب والفساد.
- الخبرة والمهارة: الخبرة في المجالات المتعلقة بالمسؤولية المسلمة هي من المعايير المهمة الأخرى. يجب أن يمتلك الفرد القدرة والمهارة اللازمة لأداء واجباته.
- الصدق والأمانة: بما أن تسليم المسؤوليات عادةً ما يكون مصحوباً بقضايا مالية واجتماعية، فإن الصدق والأمانة من الخصائص الضرورية.
- العدالة: في بعض الحالات، تؤخذ العدالة الفردية في الاعتبار أيضاً. يجب أن يتصرف الفرد بعيداً عن التمييز وانعدام العدالة وأن يراعي الإنصاف في قراراته.
- سلامة العقل: سلامة العقل والقدرة على اتخاذ القرارات المنطقية والصحيحة هي من المعايير المهمة الأخرى. يجب أن يمتلك الفرد القدرة على فهم وتحليل القضايا.
- الاتفاق الجماعي: في بعض الحالات، تتطلب تسليم المسؤوليات اتفاقاً جماعياً. يمكن أن يتم هذا الاتفاق من خلال التشاور والتفكير المشترك.