استشراف المستقبل إذا كان في الماضي يُعتبر نوعاً من التسلية وتمضية الوقت، حيث كان الناس يلجؤون إلى العرّافين والمنجمين محاولين الحصول على مجرد ظن أو تخمين عن المستقبل، فإنه الآن، ومع ازدياد جدية الحوكمة كصياغة السياسات وسن القوانين وتنفيذها في مختلف المجالات، اكتسب استشراف المستقبل أهمية مضاعفة. السؤال الآن هو: كيف ستكون حوكمة الفضاء الافتراضي في المستقبل؟ يعتقد الحجة الإسلام والمسلمين محمد كاظم حقاني فضل أن سرعة التطورات في العالم الحالي كبيرة لدرجة أن التنبؤ بتحولات العشر سنوات القادمة أمر صعب، فما بالك بالتنبؤ بما سيحدث بعد ٥٠ أو ١٠٠ عام. لكن مدير دائرة المعارف الفقه المعاصر لديه تنبؤ مثير للاهتمام حول مكانة العلوم الدينية في حوكمة الفضاء الافتراضي في المستقبل. نص الملاحظة الخاصة لهذا الأستاذ والباحث في الحوزة العلمية في قم كما يلي:
يجب أن نعترف أن سرعة ونطاق التغيرات في العالم اليوم تجعل التنبؤ بالمستقبل شبه مستحيل. هذه السرعة واتساع نطاق التغيرات في مجال العلوم المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات أكبر من غيرها من المجالات. لذا، فإن أي تخمين حول المستقبل البعيد، حتى بعد عشر سنوات، هو في رأيي كلام بلا أساس.
المستقبل بمعنى بعد ١٠٠ عام بعيد جدًا عن تصوراتنا. لكن حتى بعد عشر سنوات، يمكن التنبؤ بأن دور الأدوات الاتصالية (وليس بالضرورة ما يُسمى اليوم بالفضاء الافتراضي) سيتوسع بشكل كبير.
العوامل المؤثرة على حياة المستقبل تتجاوز بكثير الملل والتعلق الفردي أو إرادة الحكومات. عقلي لا يستطيع التنبؤ بشيء، لأننا رأينا أن حادثة واحدة يمكن أن تغير مسار حركة البشرية. لقد غيرت الحربان العالميتان الأولى والثانية العديد من معتقدات العالم الحديث. اختراع أجهزة التخزين الخارجية حوّل الأقراص المدمجة بسهولة إلى ذكرى، واليوم، وصولنا إلى فضاء الويب جعل تلك الأجهزة أدوات زائدة في أدراج المكاتب وجيوب الأفراد. الهواتف الذكية، التي ربما لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، أصبحت اليوم هاتفاً، وتلفزيوناً، وأداة تدريس، وأداة لتحديد المواقع في الشوارع، ومحفظة للشراء، وأكثر من ذلك. الهاتف وحده أرسل كل هذه المنتجات التكنولوجية إلى المتاحف. فكيف يمكن التنبؤ بالمستقبل؟!
النقطة الوحيدة التي يمكنني الاعتماد عليها هي فهمي للمسار الذي سلكه العالم الحديث في العقود الأخيرة. مع هذا التوضيح، فإنه في المستقبل، وبناءً على ما حدث حتى الآن، سنواجه بشكل مستمر تقلص نفوذ الحكومات وتقليص دائرة تدخل الدول. يتجه العالم نحو الفردية وتعزيز الفردية البشرية. لذا، يمكن القول إن الحوكمة في الفضاء الافتراضي في المستقبل المنظور ستكون خالية من موضوع يمكن مناقشته أو التفكير فيه.
من هنا يمكن القول إنه عندما تكون الحوكمة في الفضاء الافتراضي سالبة بانتفاء الموضوع، فلن يكون للعلوم الدينية دور في حوكمة الفضاء الافتراضي. سيكون الفضاء الافتراضي وعالم الاتصالات في يد كل فرد من الناس، وبالطبع في يد الأثرياء الكبار والكارتلات الاقتصادية، وليس في يد الحكام.
على هذا الأساس، إذا أراد المتدينون أن يسيروا نحو المستقبل بعيون مفتوحة، فعليهم أن يسعوا لتعزيز القوة المدنية للدين، وبدلاً من السعي وراء القوة السياسية، عليهم أن يستفيدوا من القوة السياسية ما دامت متاحة لخدمة القوة المدنية للدين.