إشارة: لا شك أن مصير المجتمعات البشرية متشابك إلى درجة أنه ليس بإمكان أمة أن تعيش منعزلة عن غيرها من الأمم، بل إن عوامل حيوية كثيرة تدعو جميع المجتمعات إلى التعاون والتكافل فيما بينها، حتى إن علاقات الدول ببعضها اليوم تشبه علاقات الأفراد داخل الدولة أو المدينة أو الحي، وكلما تقدمنا ازداد هذا الارتباط والاعتماد المتبادل. كما قال الإمام الخميني (رحمه الله) في هذا الشأن: (اليوم العالم كأسرة واحدة ومدينة واحدة، وللمدينة أحياء مختلفة مترابطة فيما بينها). وانطلاقاً من هذا النظر وهذا الشعور بالضرورة، يعلن بوضوح: إذا كان حال العالم هكذا، فلا ينبغي لنا أن ننعزل، بل يجب أن نكون لنا علاقات مع الدول التي تتعاون معنا ولا تؤذينا… الإسلام نظام اجتماعي وحكومي، ويريد أن يكون له علاقات مع العالم كله. وفي هذا السياق، أجرت قاعدة “وسائل” حواراً تفصيلياً مع حجة الإسلام قاسم شباننیا، الأستاذ المشارك في معهد الإمام الخميني (رحمه الله)، ويقدم نصه للقراء.
فيما يتعلق بفقه العلاقات الدولية ونسبته بينهما، أوضحوا لنا.
الموضوع الذي أُوكل إليّ هو حاجة اليوم في بلادنا، ويجب طرحه على نطاق واسع، وأن يأخذ جوانب عملية أيضاً، بحيث يمكننا الاستفادة من المناقشات التي نصل إليها في مجال فقه العلاقات الدولية في الميدان العملي، لأن المتوقع أننا بعد أربعين عاماً من انتصار الثورة الإسلامية، في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، نتمكن من تنفيذ الأحكام الفقهية الخاصة بنا، التي هي في الحقيقة تنفيذ الأحكام الموجودة في القرآن الكريم وكلام أهل البيت عليهم السلام في العلاقات الدولية.
فيما يخص مفهوم العلاقات الدولية، يجب القول إن هناك عدة مصطلحات في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، منها “السياسة الخارجية” و”العلاقات الدولية”. السياسة الخارجية (Foreign policy) تشير إلى السياسات التي تتبعها دولة ما في ساحتها الخارجية.
إذا نظرنا إلى مسألة في العلاقات الدولية من منظور دولة معينة، مثل علاقتها بدول أخرى وما إلى ذلك، والتي ترتبط بسياسات خاصة بدولة ما، فإنها تُسمى السياسة الخارجية.
أما العلاقات الدولية، فبعيداً عن نوع العلاقات بين دولة وأخرى، هناك قلق جدي في الساحة الدولية وهو تحقيق الصلح والأمن الدوليين. ولتحقيق مثل هذا الصلح وتجنب الحرب والدماء في النظام الدولي، لا مفر من اتباع بعض السياسات والاستراتيجيات.
إذا رفعنا مستوى النقاش إلى العلاقات بين الدول والأمم والمنظمات الدولية التي هي اللاعبون الرئيسيون في العلاقات الدولية، لا من حيث السياسة الداخلية لدولة أو السياسات المفروضة من دولة في الساحة الخارجية، فإن السبل التي يقدمها الفقه والتي يمكن أن تحقق الصلح والأمن الدوليين، نسميها فقه العلاقات الدولية؛ أي إن العلاقات الدولية مجموع التفاعلات التي تتشكل بين اللاعبين في الساحة الدولية. وإذا أردنا من المنظور الفقهي تحديد تكاليف لاعبي العلاقات الدولية، فإنها تندرج تحت عنوان فقه العلاقات الدولية.
المناقشات التي ستُطرح تشمل فقه السياسة الخارجية والعلاقات الدولية معاً، لأن هذين متشابكان تماماً ولا يمكن فصلهما؛ إذ نريد تحديد تكليف الدولة الإسلامية في الساحة الدولية، ونرى ما هي التعاليم التي يقدمها فقهنا لدولة أو أمة أو حكومة أو منظمة إسلامية إذا أرادت العمل نحو تحقيق الصلح والأمن الدوليين.
اقتراحي لعنوان النقاش هو “فقه السياسة الخارجية والعلاقات الدولية”، فهما مفهومان متشابكان تماماً، وبدون مراعاة السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، فإن طرح فقه العلاقات الدولية وحده لن يؤدي إلى نتيجة.
لأن متعلق الحكم الذي يعطيه الله تعالى، فيما يتعلق بالمناقشات في النظام الدولي، يجب أن يُحمّل على عاتق شخص أو دولة ما. فإذا نظرنا إليه من هذا المنظور، فإن النقاش يرتبط بالسياسة الخارجية للدولة الإسلامية؛ لذا فالمناقشات المطروحة متشابكة تشمل فقه السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
وبما أن هذا النقاش يُنظر إليه من منظور الفقه، فإن الحكم الذي جاء في الإسلام له مخاطب، فمن هو هذا المخاطب؟ الفقه بالتأكيد لا يخاطب الدول الكافرة، ولا يجعل مخالفيه أولئك الذين لا يؤمنون بحقانية الدين.
لذا يجب أن تكون الدولة والأمة الإسلامية، والمنظمات الإسلامية سواء الإقليمية أو الدولية، مخاطبة آيات القرآن الكريم، لأن لها مخاطباً خاصاً وتضع الواجب على عاتق جماعة معينة، وإنما لتحقيق الصلح والأمن الدوليين هذان متشابكان.
هل يمكن أن يكون فقه العلاقات الدولية تطبيقياً وعملياً؛ من حيث أن في الساحة الدولية لاعبين مختلفين مشاركين، وقد تكون دول عديدة حتى باسم الدول الإسلامية لا تؤمن بالإسلام وتعمل خلاف مصالح الإسلام والمسلمين؟
يجب النظر إلى ما يفعله في الواقع أولئك الذين ينافسون النظرية الدينية للعلاقات الدولية؛ فجماعة بثقافة ليبرالية وبعض النظريات البشرية الصنع، أنشأوا قوانين في النظام الدولي ناتجة عن تفكير خاص هو الليبرالية.
إن قوانين وحقوق الدولية كُتبت غالباً بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها كُتبت لهدف أن تحافظ القوى الكبرى آنذاك على سلطتها، ورأوا أن أفضل طريقة لحفظ الوضع القائم هي سن قوانين وإجبار الدول على التوقيع عليها.
هل يمكن سن قوانين بدون ذهنية خلفها؟ الآن هناك قوانين وحقوق تحكم العالم كله، نحن نعتبرها باطلة ونرى منشأ تشكلها باطلاً؛ أما الإسلام فدين حق، وتعاليمه وموازينه يجب أن تحكم العالم كله لأنه دين عالمي.
قوانين الإسلام قوانين متوجهة إلى البشرية جمعاء، وإن كان مخاطبها المسلمين، لكنها تريد تأمين مصالح ومنافع البشرية كلها؛ لذا فالقوانين التي تُسن تراعي مصلحة المشركين والكفار.
عندما نقول دين الإسلام، ليس معناه أن مخاطب فقهنا هم المسلمون فقط، سواء دولاً أو أمماً أو منظمات، فالتعاليم التي يقدمها الإسلام في الساحة الدولية ساحتها عالمية؛ أي إنها تحدد تكليفنا تجاه الكفار والمشركين أيضاً.
على سبيل المثال، مسألة لم تُطرح بشكل صحيح في فقه العلاقات الدولية هي أصالة الصلح والحرب، التي ذكرناها في بعض الكتابات، ويبدو أننا نقول إن الأصل في الإسلام على الحرب، وقد طرحها بعضهم، وبعضهم قالوا إن الأصل على الصلح.
إذا كان الأصل مبنىً لا يقبل الاستثناء، فالأمر ليس كذلك؛ ففي مواضع يُجوز الصلح وفي مواضع يُجوز الحرب، لكن الملاك الرئيسي هو الآية ٥٦ من سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي إن الجن والإنس خُلقوا ليعبدوا الله، لذا فالأصل الحاكم على فقه العلاقات الدولية الذي يلقي بظله في كل مكان هو الهداية وعبودية الله.
هذا يتحقق تارة بالحرب وتارة بالصلح، وبالطبع إذا كان بالصلح فهو أفضل، لأن الصلح مقدم من جهات. وبالطبع هذه العبودية لله لم تُقل للمسلمين فقط، بل لجميع البشر.
لذا فمسألة العولمة التي تُطرح اليوم، نحن نعتقد أنهم يريدون عولمة باطلهم، أما الإسلام فيقر هذا الحق لجميع عباده أن يعيشوا تحت حاكمية حقة ومشروعة، ويجب أن تكون الحاكمية الإلهية عالمية.
عالمية تعني أن مصالح جميع الأفراد مراعاة فيها؛ لذا انظروا في فقه الإسلام للعلاقات الدولية، فالإسلام له كلام حول كيفية التفاعل مع أهل الكتاب، وإن كانت الأحكام متوجهة إلى المسلمين، لكن البرنامج الذي قدمه الإسلام يشمل جميع مجالات العلاقات الدولية.
ما النسبة بين فقه العلاقات الدولية وفقه الفرد، وهل الفقه في مواجهة القضايا الدولية لا يحتاج إلى نظرة كلية وحكومية؟
لأن الفقهاء في الماضي كانوا مشغولين بمناقشات المكلف كفرد، فالمناقشات التي كانوا يطرحونها كانت ناظرة إلى التكليف الفردي، لأن الظروف لم تكن مهيأة لجعل الإسلام ديناً عالمياً وتحت حكومة حقة يمكن الحصول على حكومة عالمية حقة، خاصة في عصر الغيبة لم يروا هذه الظروف، فلم تُناقش هذه المسائل؛ لكن هذا لا يعني أنه إذا أردنا الدخول في فقه العلاقات الدولية يجب تجاوز الفقه الفردي، برأيي يجب الاستفادة من قدرات فقه السلف الذي يرى المكلف غالباً كفرد، لكن يجب تكميله.
على سبيل المثال، في مناقشة العلاقات الدولية قد يُقال: هل للإسلام أحكام فقهية لكثير من المسائل التي تُطرح اليوم في العلاقات الدولية؟ يجب القول إن الفقه الإسلامي له خصائص يمكن الاستفادة منها لتقديم برنامج لجميع المسائل في العلاقات الدولية، وحتى توجيه التكاليف إلى الدول والحكومات.
إحدى قدرات فقهنا هي القواعد، فهناك قواعد مثل قاعدة نفی السبیل التي أوردها الفقهاء في كتبهم، ورأوها بفقه فردي؛ أي إن المكلف لا يجوز له أن يسمح للكفار بالسيطرة على المسلمين؛ لكن نفس قاعدة نفی السبیل يمكن أن يكون لها تطبيق كبير في فقه العلاقات الدولية الحالي، حتى لو نظرنا إليها بنظرة حكومية.
ما يُقال إن فقه العلاقات الدولية لا يعني ترك فقه السلف وتصميم شيء جديد، فالفقهاء في الماضي حلّوا كثيراً من المسائل بمساعدة هذه القواعد، على سبيل المثال في الأحكام الفقهية جاء أن مسيحياً أو يهودياً يريد بناء بيت في بلد إسلامي، فاستخدم الفقهاء قاعدة نفی السبیل وقالوا إن البيت الذي يبنيه الكفار في البلد الإسلامي لا يجوز أن يكون ارتفاعه أكثر من بيوت المسلمين لئلا يسيطر على بيوت المسلمين، دخلوا مصداقياً لكن حددوا واجب المكلف الفرد.
الإمام الخميني في كتاب تحرير الوسيلة ذكر أنه إذا عقد الحاكم الإسلامي عقداً مع دول الكفر يؤدي إلى سيطرة الكفار على المسلمين، فإنه يجب على المسلمين نقض ذلك العقد؛ في مناقشات فقه العلاقات الدولية، بالإضافة إلى أننا نستطيع الاستفادة من القواعد الموجودة في الفقه، يجب إنشاء قواعد أخرى، مثل رواية “الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه”؛ أي إن الإسلام علو، ولا يجوز أن يُسيطر أحد عليه، والجزء الثاني هو نفس قاعدة نفی السيطرة.
تارة تُطرح الأحكام الفقهية من قبل الفقهاء بشأن العلاقة مع الكفار، وتارة تُطرح مصالح المسلمين والحكومة الإسلامية والمجتمع الدولي؛ في ذلك المستوى يجب الاستفادة من نفس الفقه بنظرة جديدة، وبإضافة مناقشات باسم مصلحة المجتمع البشري يمكن استنتاج قواعد أخرى، ثم مناقشة أي الحكمين يجب تقديمه إذا تعارضا.
قد يُقال في الفقه الفردي إن حكماً معيناً مقدم؛ لكن إذا تابعتم النقاش حكومياً وجماعياً، فإنه يقول إن مصالح الجمع يجب أن تُقدم، مناقشة المصلحة لم تُطرح بقوة في أصول الفقه الفردي؛ لكن في مناقشة الحكومة الإسلامية إذا تقدمنا بنظرة حكومية فإن مناقشة المصلحة تُطرح بجدية، ومناقشة المصلحة في فقه العلاقات الدولية يمكن أن تساعد، أولاً يجب استخراج أصول في فقه العلاقات الدولية، جزء من الأصول والقواعد يجب استخدامها من الماضي، وجزءاً آخر يجب بناؤه.
يتصور بعضهم أن الإمامة والولاية مسألة داخلية، لكن الأمر ليس كذلك، فمناقشة الحاكمية والولاية والإمامة كما تُطرح في الساحة الداخلية، تُطرح في الساحة الدولية؛ لذا يجب طرح أصل في الساحة الدولية، وهو أصل الولاية الإلهية.
أصل الحاكمية الإلهية يجب أن ينتشر في كل مكان، وكذلك فيما يتعلق بولي الفقيه، إذا اعتقدنا أن ولي الفقيه استمرار لإمامة الإمام المعصوم، وكما نقول إنه لا يجوز وجود إمامين في زمان واحد، فإن إماماً واحداً يحكم العالم كله، يمكننا استخدام هذا في مناقشة ولاية الفقيه، فعندئذٍ يتغير نوع نظرتنا إلى المسائل.
في فقه العلاقات الدولية، إذا أراد بعض الباحثين الدخول في هذا المجال، يجب أن يدخلوا من منظورين: أحدهما كيفية المواجهة مع العلاقات الدولية القائمة، والآخر كيفية تنفيذ العلاقات الدولية المثلى التي للإسلام برنامج لها.
في العلاقات الدولية القائمة، بعض زعماء الكفر يديرون العالم، أولاً كيف يجب مواجهتهم، الجبهة المقابلة هي جبهة الاستكبار، إذا نظرنا من هذا المنظور فإن نوع نظرتنا للدخول في المفاوضات يتغير تماماً.
عندما أريد الدخول في مفاوضات، لا أسعى لحل مشكلة مؤقتة لدولة ما، بل أخطط في البرنامج الطويل الأمد للإسلام، حتى عند الجلوس إلى طاولة المفاوضات أنظر في ذلك الاتجاه، لذا عند الذهاب إلى المفاوضة لا يجوز الذهاب من موقع الانفعال، بل يجب النظر فيما يؤدي إلى نمو الإسلام.
الإسلام ليس معارضاً للمفاوضة، بل وضع شروطاً لها. المفاوضة التي لا تؤدي إلى تقوية الظالم، المفاوضة التي لا تسبب سيطرة الكفار، و… وقد ذُكرت الشروط في كتاب “مفاوضات الحكومة الإسلامية مع الدول الأخرى من منظر الفقه الإسلامي”.
أي يجب كيفية الاستفادة من العلاقات الفقهية في الوضع القائم في العلاقات الدولية الذي لنا أحكام له، وكيف نقل العالم من الوضع القائم نحو صلح وأمن مستدام لم يُختبر في العالم حتى الآن. لم يحدث أبداً ألا نشهد حرباً وصراعاً، لكن التعاليم التي يقدمها الإسلام قادرة على تأمين ذلك الصلح والأمن المستدام.
في المناقشات التي نريد متابعتها في العلاقات الدولية، يجب أن يكون لنا نظرة إلى الآفاق المستقبلية والمثلى، هذا النوع من النظر مختلف عن النظر الفردي إلى الفقه؛ أي الآن أناقش تكليف المكلف كونه في موقع معين، لكن إذا نظرتم إليه في برنامج ونظام شامل فإنكم ترونه، لذا إذا دخل الفقه في هذا المجال لا يجوز النظر إلى الأحكام سطحياً، بل يجب النظر إليها نظامياً.
ما رأي الإسلام في أصالة الصلح والحرب؟
في هذا المجال آراء متعددة، عندما يُقال الأصالة ماذا يُقصد بالأصل؟ الأصل له معانٍ متعددة، ما نعنيه نحن هو أن الأصل مبنى محكم لا يقبل الاستثناء، أي دائماً هو كذلك.
إذا قلتم الأصل على الحرب؛ كما طرحه بعضهم لأن الإسلام له جهاد ابتدائي، فالأصل على الحرب، بينما الإسلام لا يوصي دائماً بالحرب، بل الحرب حالة استثنائية في الإسلام حيث لا يكون الصلح ممكناً.
وبعضهم قالوا إن في الإسلام الأصل على الصلح، إذا كان كذلك فما مصير الجهاد الابتدائي؟ على سبيل المثال إذا تعرض بعضهم في بلد كفر للظلم، هل يجب على المسلمين التدخل أم لا؟ إذا اشتبك بلدان، وبلد تعرض للظلم، هل يجب على الدول الإسلامية التدخل أم لا؟
فالذين يقولون الأصل على الصلح بمعنى أن الإسلام دائماً يقول الصلح ولا معنى للحرب، كيف يبررون هذه؟ لذا نستفيد من القرآن وكلام أهل البيت، كما قيل في القرآن إننا لم نخلق الجن والإنس إلا ليعبدوا الله، ولتوفير أرضية عبودية الله يجب هدايتهم؛ فالأصل الأول في الإسلام على الهداية، تارة تتحقق الهداية بالصلح وإذا لم تتحقق بالحرب.
الجهاد الابتدائي ليس لإجبار الآخرين على الإسلام بالقوة، بل الجهاد الابتدائي للحرب مع زعماء الكفر الذين يمنعون الدعوة. أهل السنة يعرفون الجهاد الابتدائي أكثر بجهاد الدعوة بمعنى توفير أرضية دعوة الآخرين، حق الآخرين أن يسمعوا كلام الإسلام.
سواء الذين يقولون الأصل على الحرب أو الذين يقولون الأصل على الصلح، ماذا يعنون بالأصل؟ إذا كان بمعنى غير قابل للاستثناء كمبنى، فكلا الرأيين له استثناء، الشيء الوحيد الذي لا استثناء له هو أصل الهداية التي تتحقق تارة بالصلح وتارة إذا لم تكن ممكنة بالصلح يجب اللجوء إلى الحرب.
بعضهم طرحوا رأياً آخر مثل السيد ورعي الذي قال في كتابه: إن الأصل في الإنسان ليس على الصلح ولا على الحرب، بل الأصل على المصلحة؛ أي ننظر فيما تقتضيه المصلحة، تارة على الصلح وتارة على الحرب؛ أما النقطة التي ذكرتها أنا فهي أعلى من المصلحة، قلت إن الأصل يجب أن يكون على الهداية، لأن أصل الهداية لا يقبل الاستثناء أبداً وتحت أي ظرف؛ وإنما تتحقق تارة بالصلح وتارة بالحرب.
إذا كان لديكم نقطة أو اقتراح بشأن فقه العلاقات الدولية، تفضلوا.
الذين يريدون الإحاطة بفقه العلاقات الدولية، يجب أن ينتبهوا إلى أمرين، فإن لم يحيطوا بأحدهما لن يجد نقاشهم مكاناً: الأول الإلمام بأدبيات العلاقات الدولية، الآن هناك علاقات تُناقش، وإذا أردنا الدخول فيها يجب أن نعرف الموضوع جيداً؛ ولازمه الدخول في المسائل السياسية، خاصة في المناقشات الدولية لنرى ما هي تحديات العالم اليوم، وما منشؤها، وإلى ماذا وصلوا حتى الآن؟
في الخطوة الأولى يجب أن نعرف ما الذي يحدث، وما النظريات المطروحة، لأنها قد تساعدنا، أو قد نتركها كلها جانباً لكن يجب الانتباه إليها.
النقطة الثانية هي قدرة استنباط الأحكام الإلهية؛ أي الجانب الفقهي، للأسف في مناقشات العلاقات الدولية هناك توجهات، بعضهم يقولون فقه العلاقات الدولية لكن عملهم هو تبرير كل ما موجود في العلاقات الدولية بسذاجة وسطحية لكل ما يحدث.
برأيي هذا النظر خطر في فقه العلاقات الدولية، في فقه العلاقات الدولية كما نحيط بالجانب، لا يجوز أن نرعوب ونبرر الوضع القائم بحيث نبرر إعلان حقوق الإنسان بأي طريقة كانت.
كما ذكر السيد كديور في كتابه، يقول إن القصاص ليس له مكان في إعلان حقوق الإنسان، وبما أنه لم يرد في هذا الإعلان، فهذا الحكم كان لـ١٤٠٠ سنة مضت؛ لذا الجانب الثاني هو البعد الفقهي، يجب الإحاطة باستنباط الأحكام الإلهية إلى درجة يمكن استخراج حكم الشرع، بحيث لا يرعوب به؛ أي أن يكون حقاً في صدد قول ما يقوله الإسلام، بعيداً عما يقوله الآخرون، وبعد أن نرى ما يقوله الإسلام يجب النظر فيما يجب فعله في الساحة الدولية.
المشكلة الأخرى أن بعضهم دخلوا في مناقشات فقه العلاقات الدولية لكنهم غير ملمين بالموضوعات الجديدة، وبعضهم لضعف بعدهم الفقهي أصبحوا مبررين للوضع القائم ويوجهون نقداً؛ إذا استطاع باحث الإحاطة بهذين المجالين يجب أن يعمل، وإحدى الساحات التي هناك حاجة ماسة لدخول الباحثين فيها، خاصة طلاب وفضلاء الحوزة العلمية في هذا الجزء.
