إشارة: وفقاً لتقرير وكالة أنباء الحوزة، وبجهود مجموعة الفقه السياسي في مركز فقه الأئمة الأطهار، عقدت الجلسة المتخصصة «تمييزات علم العلاقات الدولية وفقه العلاقات الدولية» بتقديم حجة الإسلام مجتبى عبدخدائي، مدير مجموعة الفقه السياسي في مركز فقه الأئمة الأطهار، بشكل «حضوري ـ افتراضي عبر الويب».
في هذه الجلسة، أشار حجة الإسلام عبدخدائي، مدير مجموعة الفقه السياسي في مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، إلى أن دراسة «مناسبات علم العلاقات الدولية مع فقه العلاقات الدولية» عنوان أنسب للنقاش، وقدّم مباحثه حول ثلاثة محاور رئيسية: أولاً مجال مسائل علم العلاقات الدولية، ثانياً مجال فقه العلاقات الدولية، ثالثاً المناسبات والحاجات المتبادلة بين هذين المجالين.
تفسير مجال العلاقات الدولية في ضوء مستوى التحليل الجزئي والكلي
بدأ بالحديث عن الخلفيات التي أدت إلى تشكل العلاقات الدولية كعلم أكاديمي، واعتبر هدفين تفسيرياً وتوصيفياً مشاركين في نشأة هذا العلم. ثم في بيان مجال المسائل والمجالات الدراسية لتخصص العلاقات الدولية، أضاف: إن مجال هذا العلم تشكل بناءً على مستوى التحليل، وهذا يعني أننا أحياناً نعتبر أسباب الظواهر الدولية في سلوك الوحدات الفاعلة واللاعبين في الساحة الدولية، وهذا هو مستوى التحليل الجزئي، وأحياناً لا نبحث عن الأسباب في سلوك الوحدات، بل في النظام الدولي، وفي هذا التحليل الكلي ندرس تأثير الهيكل وعمليات النظام الدولي.
أضاف هذا الأستاذ الحوزوي في المتابعة: متناسباً مع مستويي التحليل المذكورين، يتشكل مجالان دراسيان جزئي لـ«دراسة الوقائع وأداء الوحدات» وكلي لـ«دراسة هيكل وأداء النظام الدولي». وبناءً عليه، تتناول السياسة الخارجية المباحث الجزئية، والسياسة الدولية المباحث الكلية. بالإضافة إلى ذلك، كانت دراسة أسباب النزاع والحرب من المباحث الرئيسية والأولية في تشكل مجال العلاقات الدولية، لذا فإن مباحث الأمن الدولي من المباحث الأساسية في هذا المجال.
مدير مجموعة الفقه السياسي في مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، مع ذكر أهمية الاقتصاد والثروة في مباحث القوة الدولية، اعتبر مجال الاقتصاد السياسي الدولي من المجالات الدراسية الأخرى في هذا الحقل.
وأشار إلى أنه في العقود الأربعة الماضية، مع الثورة الإسلامية، أصبحت مباحث الدين والهوية والثقافة من المباحث المؤثرة والمهمة في هذا المجال، وعدّ العلمانية أمراً منسوخاً في مجال دراسات العلاقات الدولية، وقال: مواضيع أخرى مثل البيئة، والجنس، والفقر وعدم العدالة، والاستعمار والسيطرة من المباحث الأخرى في هذا المجال الدراسي.
وجه الاشتراك في نظريات العلاقات الدولية
هذا الباحث الديني، مع الإشارة إلى أن التنظير في مجال العلاقات الدولية قد توسع كثيراً، وأن هذه النظريات في معظم الحالات تتعارض فيما بينها، أكد: رغم عدم الوحدة في نظريات العلاقات الدولية في الموضوع والمنهج والغايات، فإن وجه الاشتراك في النظريات والعامل الذي جعل النظريات المختلفة تُعتبر نظريات علمية هو أولاً أن جميع النظريات متفقة على أن وقائع الساحة الدولية يجب مشاهدتها من منظور النظريات، وأن الواقعات تكتسب معناها فقط من منظور النظريات. ثانياً أن جميع هذه النظريات تسعى إلى الإجابة على أسئلة واحدة. هذه الأسئلة هي: ما هي الكينونات والظواهر في الساحة الدولية؟ كيف هي العلاقات والمناسبات بين هذه الكينونات، وما هي القوانين الحاكمة عليها؟ ما هي أسباب الحرب والنزاع بين الوحدات في الساحة الدولية؟ ما هي أنماط التحالف والائتلاف والصداقة والعداء في هذه الساحة بناءً على أي أساس؟ ما هي القوانين الحاكمة على المنافسة في بيئة لا يوجد فيها حكومة مركزية؟ كيف تتبع السياسة في ساحة غياب السلطة المركزية أي صيغ وقوانين؟
حجة الإسلام عبدخدائي، مع الإشارة إلى أن كل إطار نظري قد طرح فكرة في الإجابة على الأسئلة أعلاه، وفي تفسيرها طرح أسئلة أخرى داخل البارادايم الفكري الخاص به، أشار إلى أن النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية أيضاً في الإجابة على الأسئلة أعلاه وبناءً على الأفكار المركزية التي تختارها طرحت أسئلة متعددة وأجابت عليها، وتسعى إلى فهم قواعد السياسة في ساحة الفوضى الدولية.
كما أشار إلى أن علم العلاقات الدولية له مجالان نظري وعملي، وأوضح: المجال النظري يسعى إلى الصيغ العامة، والمجال العملي مرتبط بالتخطيط السياسي والبرمجة واتخاذ القرار والإجراءات في حالات محددة. ثم تناول أهمية الارتباط بين المجال النظري والعملي في العلم، وقال إن جميع النظريات لها مناسبات مع المجال العملي. كما أن أي تخطيط سياسي وإجراء لا يخلو من إطار نظري. هذا الإطار النظري إما اختير علمياً وبدقة، أو تلقّي كتجربة فردية ناقصة. وبناءً عليه، كما أن الصناعة قد تبعد عن المراكز العلمية، فإن التخطيط السياسي قد يحدث بشكل غير علمي.
دور فقه العلاقات الدولية بين «النظام القيمي» و«منطق الحساب»
حجة الإسلام عبدخدائي في المتابعة تناول السؤال: «ما هو الفهم من فقه العلاقات الدولية وعلم الفقه، وما دور هذا العلم في مجال العلاقات الدولية؟»، وفي الإجابة قال: يجب أن يحدد فقه العلاقات الدولية الوضع والواجب الشرعي للمكلّف تجاه الوقائع والسلوكيات، وكذلك الوضعيات والهياكل والعمليات والقواعد والإجراءات التي تحدث في الفضاء الدولي. لذا فإن فقه العلاقات الدولية جزء من الفقه يسعى إلى العلم بالأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية في مجال ظواهر الدولية.
أكد: بناءً على مجالات علم العلاقات الدولية المختلفة، يجب تشكل فقه العلاقات الدولية أيضاً في مجال السياسة الخارجية، ومجال السياسة الدولية، والأمن الدولي، والاقتصاد السياسي الدولي، والدراسات الإقليمية، ومجال مباحث الثقافة والهوية والقومية.
هذا الأستاذ الحوزوي في المتابعة، مع الإشارة إلى أن كل عمل وإجراء له أساسان تدبيري وقيمي، اعتبر العلم مسؤولاً عن الأساس التدبيري للعمل، والفقه مسؤولاً عن تحديد التكليف في الأساس القيمي للعمل، وأكد على أن أي عمل لا يخلو من أساس قيمي، وأشار إلى أهمية دور الفقه كمسؤول عن تحديد تكليف هذا الأساس: لذا لا يمكن للفقه أن يغيب عن أي مجال من مجالات العمل والإجراء. ومجال العمل والإجراء يشمل جميع مراحل التخطيط السياسي والبرمجة واتخاذ القرار والتنفيذ. يجب على الفقه تحديد الإطارات والضوابط القيمية لجميع هذه المراحل.
أكد: إذا نظرنا إلى دائرة مسؤولية الفقه من هذا المنظور، فإن طرح مباحث مثل النظرة القصوى والدنيا إلى الفقه، أو نقاش توقع البشرية من الدين، يصبح بلا معنى من الأساس.
مناسبات علم وفقه العلاقات الدولية
حجة الإسلام عبدخدائي في الإجابة على السؤال: «كيف هي مناسبات مجال علم العلاقات الدولية والفقه؟»، قسم هذه المناسبات إلى قسمين: مساعدات العلم للفقه، ومساعدات الفقه للعلم. ثم بيّن حالات حاجة الفقه إلى العلم في خمسة أقسام:
١. قسم موضوعشناسی: الموضوعات في مجال العلاقات الدولية، ككثير من الموضوعات في مجال المسائل الاجتماعية، أمور معقدة تحتاج إلى دراسة وفهم متخصص، ولا يكفي مجرد اقتباس تعريف من دائرة معارف أو قاموس لمعرفة الموضوعات وترتيب الحكم الشرعي عليها. اليوم حتى أكثر الموضوعات عينية مثل السلاح النووي أو المنظمات والمعاهدات الدولية وما شابه، تحتاج إلى فهم عميق ومنطقي لما هو خلف هذه الأمور. على سبيل المثال، بدون فهم منطق الردع لا يمكن الحصول على معرفة صحيحة بالسلاح النووي. لذا فإن وظيفة هذا السلاح تعتمد أكثر على جنود الدبلوماسية من جنود العسكرية. كذلك فهم المنظمات الدولية نفسه قسم معقد، ولا يمكن اعتبار وظيفتها كالعقود البسيطة وحكمها بـ«أوفوا بالعقود».
أساساً فهم هذه الأقسام يختلف بناءً على الآراء والإطارات النظرية المختلفة. يجب على الفقيه في موضوعات معقدة أن يكون مجتهداً وصاحب مبنى بنفسه، ولا يمكنه التنصل من مسؤولية موضوعشناسی بقوله إننا نرجع إلى الخبراء. لأن أولاً بعض الذين يجلسون في موقع الخبرة غير معروف هل هم فعلاً يمتلكون إطاراً تحليلياً علمياً، وثانياً كل خبير يبدي رأيه بناءً على خلفيته الفكرية، وطالما لم تُحدد الإطارات النظرية والفكرية للشخص فإنها غير قابلة للنقد، وقد يبدي الخبير رأيه بناءً على نظرية منسوخة وغير معتبرة، أو غير متوافقة تماماً مع مباني المجتهد.
٢. مسئلهشناسی: الفقه في مجال مسئلهشناسی بحاجة إلى العلم. العلم في مجالات مختلفة مثل السياسة الدولية، والسياسة الخارجية، والاقتصاد السياسي الدولي، والأمن، والمباحث الإقليمية يتعامل مع مسائل ذلك المجال. كلا المجال النظري للعلم والمجال العملي الذي يتعلق بالتخطيط السياسي والبرمجة واتخاذ القرار يضع مسائل كثيرة أمام الفقيه، تشمل مسائل عامة ومسائل عينية وجزئية. والفقيه يجب أن يحدد حكم هذه المسائل، وبتعبير آخر الإطارات القيمية للعمل بناءً على المباني الشرعية في مواجهة هذه المسائل والظواهر.
٣. محیطشناسی وفضاشناسی: فهم الفضاء والبيئة مؤثر في مباحثنا الفقهية من عدة جوانب: أولاً معرفة شروط العسر والحرج، والضرورة والاضطرار، والعناوين الثانوية التي تؤثر على نوع الحكم في موضوعات معقدة مثل إدارة الدولة وما شابه، ممكنة بنظرة علمية. الفقيه يستعين بالعلم في فهم هذه الشروط. ثانياً أن فهم الفضاء الدولي مؤثر في فهم الموضوعات والمسائل وبالنتيجة في حكمها. الفضاء الدولي فوضوي ومبني على منطق القوة، فضاء تنافسي لا يوجد فيه حكومة مركزية. هذا الفضاء والشروط يتطلب منطقاً سلوكياً خاصاً.
٤. القوة: إحدى شروط التكليف هي القوة والقدرة. ما مقدار القوة اللازمة للتكليف، وما إذا كان المكلّفون الحقوقيون مثل الدول في الساحة الدولية يمتلكون القدرة والقوة اللازمة للعمل بواجب معين، يحتاج إلى قياس مقدار قوتهم. قياس قوة المكلّفين الاجتماعيين مثل الدول والأمم والجماعات وما شابه يحتاج إلى مؤشرات ومعايير عينية علمية ومتخصصة.
٥. التبعات: عمل كل مكلّف في الساحة الدولية سيكون له تبعات. إذا قبلنا أن تبعات عمل ما إلى حد ما وبناءً على ضوابط تؤثر في تحديد الواجب الشرعي واستنباط الفقيه في المسائل المعقدة والكلية، فإن معرفة هذه التبعات يحددها العلم.
حجة الإسلام عبدخدائي في نهاية هذه الجلسة العلمية، تناول الحالات التي يكون فيها العلم بحاجة إلى الفقه، وقال: في النظرية التفسيرية، كنا نسعى إلى فهم الوقائع والقوانين الحاكمة على المناسبات، وفي النظرية المعيارية نسعى إلى النظام المثالي ونحاول استخراجه، ونأخذ في الاعتبار الطريق إلى الوصول إليه. ونتيجة لذلك، يمكن استخراج النظام القيمي من الواجبات والمحظورات التي يحددها فقه العلاقات الدولية للمكلّف، ويمكن الاستعانة بالفقه في بناء النظرية المعيارية.
