بررسی الحدود والروابط بين فقه الأخلاق وفقه التربية؛ في الجلسة العلمية لمركز الدراسات الفقه المعاصر

وفقاً لتقرير الموقع الإخباري لمركز الدراسات الفقه المعاصر، عقدت الجلسة العلمية الخامسة والستون بعد المئتين لهذا المركز حول موضوع «علاقة فقه الأخلاق بفقه التربية» يوم الخميس ۲۹ رجب ۱۴۴۷ في المركز. عقدت هذه الجلسة بجهود مجموعة الفقه الاجتماعي والأخلاق والتربية في مركز الدراسات الفقه المعاصر، وبعرض من حجة الإسلام والمسلمين قدير علي شمس، أستاذ الدرس الخارج في فقه التربية، وبأمانة علمية من حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حسن بوسليكي، عضو المجلس العلمي للمجموعة.

في بداية الجلسة، هنأ الدكتور بوسليكي بالأيام المباركة لمولد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأشار إلى التركيز التاريخي للحوزات العلمية على فقه الأحكام، فقال: «منذ سنوات طويلة كان يُنتقد أن أنشطة الحوزات تركز أكثر على الرسائل العملية، وأن احتياجات المجتمع الواسعة في مجالات مثل الاقتصاد والثقافة أقل استجابة. لحسن الحظ، في العقدين الأخيرين زاد الاهتمام بمجال الأخلاق والتربية».

أشار الأمين العلمي للجلسة، مع بيان نهجين في فقه الأخلاق: استخراج الأحكام الخمسة للموضوعات الأخلاقية مثل الصدق والوفاء بالعهد، والآخر استنباط النظام الأخلاقي للدين، إلى ثلاثة تصوّرات لفقه التربية:

استخراج الأحكام الخمسة للأفعال التربوية.

طرح الأسئلة الأساسية التربوية على الدين لاكتشاف النظام التربوي.

استنباط الأحكام الفقهية الشائعة مع مراعاة الاعتبارات التربوية.

في المتابعة، قال حجة الإسلام والمسلمين قدير علي شمس، أستاذ الدرس الخارج في فقه التربية، مهنئاً بأيام مولد الإمام الجواد (عليه السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام): «فقه الأخلاق وفقه التربية اصطلاحان لهما تصوّران مختلفان في الحوزة؛ بعضهم يملك نظرة فقهية مصطلحة، وبعضهم نهجاً معارفياً ومعرفياً. كلا النظرين ضروريان، ويجب على الحوزة الاهتمام بكليهما».

شرح أستاذ الدرس الخارج في فقه التربية تعريف فقه الأخلاق بأن الأخلاق مجموعة من الفضائل والرذائل النفسانية والأفعال الناشئة عنها، وذكّر: «إذا اعتبرنا هذه المجموعة أفعال المكلفين، فإن دراسة الحكم الشرعي للفضائل والرذائل والأفعال الأخلاقية هو ما يُطرح تحت عنوان فقه الأخلاق».

ثم تحدث عن فقه التربية فقال: «التربية مجموعة من الإجراءات التي يقوم بها المربي لنمو المتربي. إذا أردنا استخراج الأحكام الشرعية لهذه الإجراءات، فهذا هو فقه التربية؛ من واجبات الوالدين والمعلمين إلى دور الحكومة الإسلامية».

أشار حجة الإسلام والمسلمين قدير علي شمس أيضاً إلى الفروق بين هذين المجالين، وشرح أن موضوع فقه الأخلاق هو الفضائل والرذائل والأفعال الأخلاقية، بينما موضوع فقه التربية هو سلوكيات المربي نحو نمو المتربي. وأضاف أن الأدلة والمصادر لهذين مختلفة أيضاً، وكل منهما يحتاج إلى طرق اجتهادية واستنباطية خاصة، ويمكن أن يكون لهذين العلمين اشتراكات في تعريف المفاهيم، لكن حدودهما واضحة.

في متابعة الجلسة العلمية، طرح الحاضرون والأساتذة أسئلة وملاحظات أضافت إلى غنى النقاش.

أشار أحد الحاضرين إلى التعريف الواسع للأخلاق وسأل: ألا يمكن اعتبار جميع الأفعال البشرية متأثرة بالصفات النفسانية، وبذلك يشمل موضوع الأخلاق الصفات والأفعال معاً؟

أجاب حجة الإسلام والمسلمين شمس: «هذا أحد التحديات الجادة في تصنيف مباحث فقه الأخلاق. نحن وضعنا الأفعال التي لها ارتباط وثيق بالملكات والصفات تحت عنوان الأخلاق، وللمعيار الإثباتي استندنا إلى العناوين التي نُوقشت في كتب الأخلاق. كما أضفنا آداب المعاشرة مثل صلة الرحم والسلام إلى فقه الأخلاق».

في المتابعة، طرح الأمين العلمي للجلسة سؤالاً حول أهداف فقه الأخلاق وفقه التربية فقال: «الأخلاق علم هنجاري يقيّم القيم، لكن التربية تسعى إلى الكفاءة؛ أي تريد طرقاً تخلق الفضائل عملياً في نفس المتربي. السؤال هو: في فقه التربية، هل الهدف الواجب الشرعي مقدم أم الكفاءة التربوية؟»

أكد أستاذ الدرس الخارج في فقه التربية في الرد على هذه الملاحظة: «عمل الفقيه تشخيص الواجب، لكنه لا يمكن أن يغفل عن الآثار والنتائج. شرطا الزمان والمكان يؤثران في الفتوى؛ الطريقة التي كانت كفؤة في الماضي قد تعطي نتيجة معكوسة اليوم. لذا الاهتمام بالكفاءة إلى جانب الواجب ضروري».

في قسم آخر من الأسئلة والأجوبة، سأل أحد الجمهور الافتراضيين: هل يمكن اعتبار فقه التربية قائماً على الفضيلة، وفقه الأخلاق قائماً على الواجب؟

قال حجة الإسلام والمسلمين شمس في الرد: «في الفقه المصطلح كلاهما واجبي. الفقيه يحدد واجب المكلف سواء في العناوين الأخلاقية أو التربوية. بالطبع الهدف الرئيسي للفقه هو تشخيص الواجب الحقيقي؛ إذا لم نصل إلى أدلة قطعية، نرجع إلى الأدلة الظنية المعتبرة وفي النهاية إلى الأصول العملية».

وأضاف في شرح الفرق بين النظرة الفقهية والتربوية: «في الفقه، الواجبية هي الأصل، لكن في علم التربية والأخلاق، أهمية كفاءة الطرق. كل منهما يجب أن يؤدي مسؤوليته في مجاله بشكل صحيح؛ الفقيه يحدد الواجب، والمربي يقدم الطرق الكفؤة».

استمرت الجلسة بطرح أمثلة من الأمين العلمي حول دمج النظرة الواجبية الفقهية مع النظرة الكفائية التربوية؛ منها مثال الأب الذي يرى واجبه الشرعي في إيقاظ ابنه للصلاة بالعقاب البدني، لكن النتيجة العملية كانت ابتعاد الابن عن الصلاة والدين.

أظهرت الجلسة العلمية لمركز الدراسات الفقه المعاصر أن فقه الأخلاق وفقه التربية، وإن اختلفا في الموضوع والطريقة، إلا أنهما مكملان لبعضهما في النهاية. فقه الأخلاق يبحث في الأحكام الشرعية للفضائل والرذائل والأفعال الأخلاقية، بينما فقه التربية ناظر إلى سلوكيات المربي نحو نمو المتربي.

في الأسئلة والأجوبة أيضاً اتضح أن الواجبية الفقهية دون الاهتمام بالكفاءة التربوية قد تؤدي إلى نتائج معكوسة. لذلك، كان ختام الجلسة يؤكد على أن دمج النظرة الواجبية الفقهية مع النظرة الكفائية التربوية ليس ضرورياً فحسب، بل هو طريق لإنتاج علوم أكثر كفاءة واستجابة في مجالات الأخلاق والتربية.

Source: External Source