مصطفی درّی

فقه العلاقات الدولية: ماهيته، أبعاده وتحدياته

في هذه الأثناء، يوجد علم آخر يُدعى «الحقوق الدولية» وهو مختلف تماماً عن العلاقات الدولية؛ لكن هل يتجلى هذا الاختلاف في «فقه العلاقات الدولية» أيضاً؟ بكلمة أخرى، هل نواجه بابين فقهيين يُسميان «فقه العلاقات الدولية» و«فقه الحقوق الدولية»؟ في الكتب التي أُلّفت حول فقه العلاقات الدولية، وكذلك في تصنيف أبواب الفقه المعاصر الذي كان حتى الآن أساس عمل مركز الدراسات الفقه المعاصر، لم يتم التفريق بين هذين البابين الفقهيين؛ لذا فإن «فقه العلاقات الدولية» يشمل أيضاً المسائل الفقهية المتعلقة بالحقوق الدولية.

كلما كان تنظيم العلاقات الدولية بناءً على الفقه الشيعي تحدياً، فإن وضع باب فقه العلاقات الدولية بين أبواب الفقه يواجه تحدياً أيضاً. فقه العلاقات الدولية يواجه تحدياً في التعريف وتحدياً في الوضع بين أبواب الفقه المعاصر.

ما يُستفاد من عنوان هذا الباب الفقهي هو أنه يتناول بيان الأحكام المتعلقة بالعلاقات بين الأمم من منظور الفقه؛ لكن الواقع هو أنه إذا لم نقل إن هذا الباب الفقهي يتناول بالكامل الأحكام المتعلقة بالعلاقات بين «الدول»، فإن معظم مسائلها على الأقل تتعلق بالعلاقات بين الدول. ربما لهذا السبب أيضاً أصبح عنوان هذا الحقل وهذا الباب الفقهي بين الناطقين بالعربية «العلاقات الدولية» الذي يصرح اختصاصه بالعلاقات بين الدول. في كل حال، مهما كان العنوان الذي نضعه لهذا الباب الفقهي، لا يمكن إنكار أن المسائل التي تُطرح في هذا الباب الفقهي تتعلق بالعلاقات بين الأمم، وبالعلاقات بين الدول، وبالعلاقات بين الأمم ودول الدول الأخرى. أما العلاقات بين الدولة والأمة في كل بلد، فتُبحث في فقه السياسة أو فقه الحكومة.

في هذه الأثناء، يوجد علم آخر يُدعى «الحقوق الدولية» وهو مختلف تماماً عن العلاقات الدولية؛ لكن هل يتجلى هذا الاختلاف في «فقه العلاقات الدولية» أيضاً؟ بكلمة أخرى، هل نواجه بابين فقهيين يُسميان «فقه العلاقات الدولية» و«فقه الحقوق الدولية»؟ في الكتب التي أُلّفت حول فقه العلاقات الدولية، وكذلك في تصنيف أبواب الفقه المعاصر الذي كان حتى الآن أساس عمل مركز الدراسات الفقه المعاصر، لم يتم التفريق بين هذين البابين الفقهيين؛ لذا فإن «فقه العلاقات الدولية» يشمل أيضاً المسائل الفقهية المتعلقة بالحقوق الدولية. بالطبع، لرفع هذا التحدي والالتواء اللفظي، ولأن «العلاقات الدولية» و«الحقوق الدولية» هما تخصصان جامعيان مستقلان، ربما يكون مناسباً تغيير عنوان هذا الباب الفقهي إلى «فقه الدولي» أو «فقه الشؤون الدولية».

جمع مسائل هذين المجالين الفقهيين تحت باب واحد، وإن كان يحل تحدي وضع هذه الموضوعات تحت باب فقهي واحد؛ لكنه يثير مسألة جديدة وهي التضخم الشديد لباب «فقه الشؤون الدولية». عندما يكون لحقوق المياه الدولية وحدها أكثر من ١٠٠ مادة، فإن مجموع مسائل الحقوق الدولية إلى جانب مسائل العلاقات الدولية التي تحمل بدورها كمّاً هائلاً من الأسئلة في العلاقات بين الدول والأمم مع بعضها البعض، يشكل باباً فقهياً يحتوي على عدة آلاف من المسائل الفقهية؛ وهذا الأمر، وإن لم يكن في نفسه مشكلة، إلا أنه يسبب عدم التوافق بين أبواب الفقه المعاصر. ربما أن يكون لباب فقهي واحد، مقارنة بغيره من أبواب الفقه، تضخم غير طبيعي واستثنائي، علامة على أننا في الحقيقة نواجه عدة أبواب فقهية تحت عنوان واحد، وأن جمع هذه الأبواب تحت عنوان واحد كان خطأً من الأساس.

في كل حال، يُطرح «فقه الشؤون الدولية» كواحد من أبواب الفقه المعاصر؛ لكن ليس الجميع متفقين مع هذا الموضوع. الدليل على ذلك أن هذا الباب الفقهي إما لم يُطرح أصلاً في عناوين المجموعات العلمية للمراكز الفقهية البحثية، أو يُطرح تحت عنوان «الفقه السياسي»؛ لذا حتى الآن، لا يوجد اتفاق بين الباحثين الفقهيين حول استقلالية أو تبعية فقه الشؤون الدولية بين أبواب الفقه.

هذه كلها بالإضافة إلى التحديات المتنوعة التي تحملها كل مسألة من مسائل فقه العلاقات الدولية، والمسائل الجديدة التي تُضاف يومياً إلى هذا الباب الفقهي.

مجموع هذه الغموضات والتحديات، دفع مركز الدراسات الفقه المعاصر إلى أن يجعل عنوان إحدى مجلاته الإلكترونية «فقه العلاقات الدولية؛ ماهيتها، أبعادها وتحدياتها».

الفصل الأول من هذه المجلة مخصص لبيان ماهية وأبعاد هذا الباب الفقهي. آية الله السيد نور الدين شريعتمدار الجزائري الذي كتب قبل سنوات مقالة في هذا الشأن، والدكتور السيد محمد ساداتي نجاد الذي له مجموعة من ثلاثة مجلدات بهذا الاسم، وحجة الإسلام والمسلمين الدكتور منصور مير أحمدي الذي قضى سنوات في التدريس والبحث في هذا المجال، عبّروا عن آرائهم في ماهية هذا الباب الفقهي.

كما أُشير في السطور أعلاه، فإن فقه العلاقات الدولية له مفاهيم مشابهة مثل فقه الحقوق الدولية، ويجب توضيح الفرق بينه وبين هذه المفاهيم المشابهة بدقة. الدكتور ساداتي نجاد، والدكتور مجيد مبلغي، والدكتور عبد الوهاب فراتي، قدموا في ثلاثة حوارات منفصلة ثلاثة نهج مختلفة في هذا الخصوص.

بيان الفصول والشبكة الموضوعية لهذا الباب الفقهي تم الاهتمام به في الفصل الثالث من هذه المجلة. أستاذان في الفكر السياسي لهما معرفة بأبعاده الدولية، عبّرا في حوارين عن الفصول والمسائل الأهم في هذا الباب الفقهي.

ربما يمكن القول إن جذر الكثير من الخلافات الموجودة في فتاوى الفقهاء حول العلاقات الدولية يعود إلى مقدماتهم وأسسهم الفقهية. هذه الأسس والمقدمات تم بحثها في ثلاثة حوارات مع ثلاثة أساتذة وخبراء في فقه العلاقات الدولية.

من أهم الأعمال التي يجب القيام بها لإنشاء وترسيخ باب فقهي جديد ناشئ هو إنتاج وتطوير القواعد الفقهية لذلك الباب. في الفصل الخامس من هذه المجلة، حجة الإسلام والمسلمين الدكتور مسعود راعي، أستاذ جامعة نجف آباد أصفهان، وحجة الإسلام الدكتور محمد ملك زاده، أستاذ مساعد في مركز البحوث في الثقافة والفكر الإسلامي، ذكرا في حوارين منفصلين بعضاً من هذه القواعد.

حقاً، إن أحد أكثر أبواب الفقه المعاصر تحدياً هو فقه العلاقات الدولية. في الفصل السابع، تم الخوض في هذه التحديات في حوار مع الدكتور رضائي نجاد والدكتور صادق حقيقت وأمين رضائي نجاد.

فقه العلاقات الدولية ليس الجهاز الاستنباطي والفقهي الوحيد بين الأديان الذي يتناول هذا الموضوع. السؤال الآن هو: هل يقدم فقه العلاقات الدولية الإسلامي إضافات وابتكارات وحلولاً جديدة في تنظيم العلاقات الدولية لم يعبر عنها فقه الأديان الأخرى؟ نائب الشؤون الدولية السابق في مركز البحوث في العلوم والثقافة الإسلامية، الذي له تجارب كثيرة في المجال الدولي، يناقش هذا الموضوع.

يخلط الكثيرون باب «فقه العلاقات الدولية» بالنهج الدولي لعلم الفقه، في حين أن الأول باب فقهي والثاني نهج لجميع أبواب ومسائل الفقه. فقه العلاقات الدولية ينظم فقط العلاقات بين الدول والأمم، لكن النهج الدولي للفقه يؤثر حتى في أبواب العبادات. في الفصل الثامن الذي يتناول هذا الموضوع، عبّر الدكتور كياني نجاد والدكتور أخوان صراف عن مستلزمات هذا النهج، والدكتور فراتي نقد نهج فقه المسائل الدولية.

الفصل التاسع استكشف مستقبل فقه العلاقات الدولية. الدكتورة طيبة محمدي كيا، حاصلة على الدكتوراه في العلاقات الدولية، والدكتور كياني نجاد، ناقشا في حوارين منفصلين صورتهما عن مستقبل هذا الباب الفقهي.

الفصل الأخير من هذه المجلة، كسائر المجلات الإلكترونية لمركز الدراسات الفقه المعاصر، مخصص لتاريخ هذا الباب الفقهي. فهرس المقالات الفقهية والحقوقية في فقه العلاقات الدولية، فهرس كتب فقه العلاقات الدولية، وتقرير مفصل عن كتابين مهمين مُؤلَّفين حول هذا الباب الفقهي، هي عناوين الفصل العاشر من هذه المجلة.

نرجو أن يكون هذا الجهد المتواضع خطوة في سبيل تطوير وتعميق الفقه المعاصر الشيعي، وأن يوفر رضى مولانا الإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه)، آمين.

Source: External Source