محمد حسن موحدی ساوجی

الأصول العملية القضائية/10

إن أصل عدم الولاية قابل للاستناد إليه في الحقوق الجنائية أيضًا؛ بمعنى أن معاقبة الفرد تُعدّ في الواقع نوعًا من التصرف فيه؛ فمثلاً، إيداعه السجن يعني التصرف في حريته، أو تغريمه ماليًا، أو فرض أي قيد عليه، كل ذلك تصرف في شخصه يُعدّ من تطبيق الولاية. وبالنظر إلى أصل عدم الولاية، فالأصل أننا لا نملك حقًا في معاقبة الآخرين إلا حيث تُقام حجة شرعية قاطعة، فعندئذٍ يجوز تنفيذ العقوبة.

إشارة: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد حسن موحدی ساوجی، ولد سنة ١٣٩١ هـ، وهو مدير قسم الإلهيات في جامعة مفيد. يعمل منذ سنوات طويلة في التدريس والبحث في مجال الفقه والحقوق، وبخاصة الفقه والحقوق الجنائية. ومن جهوده في هذا الميدان كتاب «الإمكان الفقهي الحقوقي لتحويل العقوبات الإسلامية». وفي هذه المذكرة الخاصة بموقع «فقه معاصر»، استفاض في تحليل مبدأين مهمين في فقه القضاء والجزاء، هما أصل عدم الولاية وأصل البراءة. وإليكم تفصيل هذه المذكرة:

أصل عدم الولاية

إن لدينا أصلًا من الأصول مقبولًا تقريبًا عند فقهائنا، كأصل عدم الولاية، الذي يُعدّ ربما من أهم الأصول في الفقه الجنائي. يفيد أصل عدم الولاية أن الإنسان لا سلطان له ولا ولاية على إنسان آخر، ولا حق له في التصرف في شؤونه إلا في حالات خاصة استثنائية لها دليل خاص. وخلافًا لهذا الأصل، فإن أشخاصًا كالنبي الأكرم والأئمة (عليهم السلام) لهم ولاية على الآخرين، كما للأب ولاية على ولده الصغير بشروطها. وهذا الأصل قابل للاستناد في الحقوق الجنائية أيضًا؛ إذ إن معاقبة الفرد تُعدّ تصرفًا فيه؛ فإيداعه السجن تصرف في حريته، والغرامة المالية أو أي قيد آخر تصرف في شخصه يُعدّ من تطبيق الولاية. وبناءً على أصل عدم الولاية، فالأصل عدم جواز معاقبة الآخرين إلا حيث تُقام حجة شرعية قاطعة، فعندئذٍ يجوز التنفيذ.

أصل البراءة

ومن الأصول الأخرى المستخدمة في الفقه الجنائي أصل البراءة، الذي يقضي بأن الأصل عدم ارتكاب الجريمة إلا إذا ثبت خلاف ذلك. وثمرة هذا الأصل مع أصل عدم الولاية أنه في حال عدم اليقين بإجرام شخص أو عدم إقامة حجة قاطعة عليه، لا يجوز معاقبته. والحجة القاطعة هي ما بُحث في علمي الأصول والفقه وحجيته مثبتة بدليل قطعي، كالخبر الواحد.

لكن في الخبر الواحد – الذي أبرز دليل حجيته سيرة العقلاء – يُثار التساؤل: هل يعتمد العقلاء على الخبر الثقة الظني في الأمور المهمة كقضايا الدماء والفروج، أم لا؟ فلو أُقيم خبر بجواز إعدام شخص لكونه محاربًا، هل يجوز الحكم بإعدامه بناءً على خبر ثقة واحد لا يفضي إلى القطع؟ إن مثل آية الله السيد أحمد الخوانساري لا يقبلون حجية الخبر الثقة هنا. والأمور المهمة لا تقتصر على الدماء، بل تشمل كل أمر خطير، كسلب حق كبير، أو عقوبة السجن التي تضيع حرية الإنسان سنوات، أو الجلد الذي يُعدّ من الأمور المهمة أيضًا. ويزيد بعض الفقهاء أنه في زمن الغيبة لا يجوز أصلاً تنفيذ الحدود، بل يُؤجل إلى زمن ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

إن الثمرة المهمة لهذين الأصلين تبرز في حال الشك في ثبوت الجريمة، كعدم العلم باستحقاق التعزير أو الحد؛ فما لم يحصل القطع بالإجرام أو الحجة القطعية، لا يجوز الحكم بالإجرام والمعاقبة؛ ففي الزنا مثلاً، ما لم يتحقق القطع بوقوعه أو شهادة أربعة شهود عدول ينقلون الواقعة تفصيلاً، لا يحق معاقبة الفاعل.

Source: External Source