إشارة: المساواة الإنسانية، في النظرة الأولى، تُعدّ من الحقوق الطبيعية والفطرية للإنسان، وبداهتها تصل إلى حد عدم الحاجة إلى استدلال لإثباتها. في المقابل، يطرح المفكرون الإسلاميون مسألة العدل مقابل المساواة. بحسب رأيهم، ما يشكل أساس الوجود والخلق هو العدل لا المساواة. حجة الإسلام والمسلمين إبراهيم باقري، الذي يعمل منذ سنوات طويلة في معهد البحوث ومركز البحوث الإسلامية التابع للسلطة القضائية، من مؤيدي النهج الثاني. بل إنه يعتقد أن مجرد المساواة الظاهرية الإنسانية أحياناً تؤدي إلى الظلم. تحدثنا مع هذا الأستاذ والباحث في الفقه الجزائي حول التحديات الفقهية لقبول حق المساواة الإنسانية. مدير مجموعة الفقه الجزائي في المعهد العالي للفقه والعلوم الإسلامية، الذي اختير عدة سنوات باحثاً متميزاً في السلطة القضائية، يعتقد في الوقت نفسه أن الله تعالى لا يضع حكماً يخالف حق المساواة والكرامة الإنسانية. وفيما يلي نص الحوار الخاص لفقه معاصر مع هذا الأستاذ والباحث البارز في الحوزة العلمية بقم:
فقه معاصر: ما هو حق المساواة الإنسانية وما أبعاده؟
باقري: فيما يتعلق بحق المساواة الإنسانية، يجب أولاً الالتفات إلى متعلق هذا الحق؛ أي إلى ماذا يتعلق هذا الحق وما هو موضوعه؟ إذا التفتنا إلى هذه النقطة، فسوف يُحلّ الكثير من المشكلات والمعضلات، ويمكننا تفسير حق المساواة الإنساني في الدين الإسلامي المبين، وخاصة في المذهب الجعفري.
للناس حقوق تارة تكون بسبب إنسانيتهم؛ أي حقوق تُناط بالإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو المذهب أو اللون أو النسب أو مكان الإقامة. تشمل هذه الحقوق حرية العقيدة، وحرية التعبير، وحرية اختيار الدين. على سبيل المثال، الآية الشريفة «لا إكراه في الدين» تعبر عن حرية الإنسان في اختيار الدين.
بالإضافة إلى ذلك، حقوق مثل التعليم والتربية تُناط بالإنسان بما هو إنسان. في هذا المجال، تظهر آيات قرآنية كريمة مثل «بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان» أن التعليم والتبيان حق أساسي لجميع الناس بغض النظر عن الدين والمذهب واللون والنسب.
في الكرامة الذاتية، جميع الناس متساوون. أما إذا كانت الكرامة المكتسبة مقصودة، فهناك فروق. الكرامة المكتسبة تعني اكتساب صفات إضافية كالتقوى التي تؤدي إلى تفوق الفرد. الآية الشريفة «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» تعبر عن أن معيار التفوق هو التقوى.
فقه معاصر: هل الحقوق الإنسانية في الإسلام متساوية تماماً؟
باقري: في إنسانية الإنسان بما هو إنسان، جميع الناس متساوون ولا فرق بينهم. لكن في بعض الحالات التي ترتبط الحقوق بالجنس أو الظروف الخاصة، توجد فروق. على سبيل المثال، في موضوع الدية أو الميراث، قد توجد فروق ترجع إلى الظروف الخاصة ومتطلبات العدل والكرامة الإنسانية.
هذه الفروق لا تعني التمييز، بل هي مبنية على العدل والكرامة. على سبيل المثال، في الميراث، أحياناً يكون نصيب المرأة أكثر من الرجل وأحياناً أقل، وذلك يعتمد على الظروف الخاصة والواجبات المالية والاجتماعية للأفراد.
أما في الدية، فمع أنها في الظاهر أكثر للرجل من المرأة، إلا أن التشريعات الحديثة مثل التزام صندوق الخسارات قد أزالت هذه الفروق وأصبحت دية المرأة والرجل متساوية.
فقه معاصر: هل قبول حق المساواة الإنسانية يُحدث تغييراً في الأحكام الشرعية؟
باقري: قبول حق المساواة الإنسانية لا يُحدث تغييراً في الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية مبنية على مبادئ أساسية هي العدل والكرامة. هذان المبدآن محور وأساس جميع الأحكام التكليفية والوضعية التي وضعها الشارع المقدس.
العدل يعني وضع كل شيء في موضعه المناسب، والكرامة الإنسانية تعني احترام الخصائص والظروف الخاصة للناس. هذان المبدآن يجعلان الأحكام الشرعية مبنية على العدل والكرامة، ولا يوجد أي تمييز في حقوق الناس.
فقه معاصر: هل يمكن أن تكون بناءات العقلاء في الأمور المستحدثة حجة؟
باقري: إذا كانت بناءات العقلاء موافقة للعدل والكرامة، فيمكن أن تكون حجة. الله تعالى لا يضع حكماً يخالف العدل والكرامة؛ لذلك إذا قبل العقلاء أمراً موافقاً لهذين المبدأين الأساسيين، فإن الله تعالى يؤكده ويصدقه.
هذا يدل على أن الأمور المستحدثة يمكن تبريرها وفق مبادئ العدل والكرامة وقبولها. من مجموع الآيات والروايات، يمكن استنتاج أن الله والمعصومين راضون عن هذه الأمور.
فقه معاصر: هل المساواة تعني التساوي المطلق؟
باقري: المساواة لا تعني التساوي المطلق. أحياناً تكون المساواة الظاهرية ظلماً. على سبيل المثال، إذا تم تكريم شخصين مختلفين في الظروف والجهود بشكل متساوٍ، فهذا بحد ذاته ظلم؛ لذلك يجب أن تُعدَّل المساواة على أساس العدل، مع مراعاة الاختلافات في ظروف الأفراد وخصائصهم.
