ملاحظة: يحظى موضوع تعدد الزوجات منذ قرون بمؤيدين ومعارضين. يشير المؤيدون إلى وجود الأرامل اللاتي لا تتوفر لهن فرصة زواج أخرى سوى أن يكنّ زوجات ثوانٍ، وفي حال عدم زواجهن ستنجم عن ذلك أضرار اجتماعية كثيرة؛ بينما يرى المعارضون أن تعدد الزوجات ظلم للأبناء والزوجات، وهو أمر يتحقق حتى مع توفير كافة إمكانيات الحياة. وفي السنوات الأخيرة، أُضيف دليل آخر إلى أدلة المعارضين لتعدد الزوجات، وهو أن البعض اعتبر تعدد الزوجات مصداقاً للعنف ضد الزوجة. وباعتقاد هؤلاء، فإن العنف لا يقتصر على العنف الجسدي فحسب، بل يمكن تصور أنواع أخرى له كالعنف النفسي واللفظي وغيرهما، وأن تعدد الزوجات يترتب عليه عنف نفسي وعاطفي ضد الزوجة. طرحنا هذا الموضوع على حجة الإسلام والمسلمين أمير مهاجر ميلاني، مدير قسم الفقه في معهد بحوث المرأة والأسرة. ورغم أنه لم ينكر التلازم بين تعدد الزوجات والعنف ضد الزوجة في بعض الموارد، إلا أنه لم يعتبره أمراً دائماً ومستمراً. وباعتقاده، فإن مفتاح حل مسألة تعدد الزوجات يكمن في مراعاة الظروف الزمانية والمكانية لصدور النصوص؛ الأمر الذي سيترك آثاراً هامة في الاستنباطات الفقهية إذا ما تم الالتفات إليه. وفيما يلي تفاصيل الحوار الخاص لـ “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في فقه النساء والأسرة:
الفقه المعاصر: هل الحكم الأولي في الإسلام هو مجرد إباحة تعدد الزوجات أم استحبابه؟
مهاجر ميلاني: هناك اختلاف في وجهات النظر بين الفقهاء في هذه المسألة. يعتقد المرحوم صاحب الجواهر أن استحباب تعدد الزوجات ثابت، ويعزو دليل ذلك إلى التأسي بأهل البيت (ع) الذين كانت لديهم زوجات متعددات. أما المرحوم آية الله الشبيري الزنجاني فيرى أنه لا يوجد في الإسلام استحباب لتعدد الزوجات، بل هو مجرد حكم بالإباحة، وهو ثابت لمن تتوفر لديه شروط الزواج المجدد في ظروف خاصة. كما يذكر المرحوم الشهيد الصدر في كتابه “اقتصادنا” أن بعض الأدلة والأحكام الفقهية يجب أن تُدرس في ظروفها الزمانية والمكانية، في حين أن بعض الفقهاء يدرسونها ويفتون بها دون مراعاة هذه الظروف وفي حالة من الفراغ، بينما لو درسوا هذه الأدلة في سياقها الزماني والمكاني لتوصلوا إلى نتائج مختلفة. وهذه النقطة قابلة للسريان على موضوع تعدد الزوجات وأدلته أيضاً. فإذا دُرست روايات أهل البيت (ع) بالنظر إلى النسيج الاجتماعي في عصرهم، فليس من المعلوم أن يجري حكم استحباب تعدد الزوجات في ظروفنا الفعلية التي تختلف في نسيجها الاجتماعي عن عصر المشرع. وحتى وجود سيرة في عصر المعصوم (ع) وتقريرها من قبله، ليس من المعلوم أن يعني جواز سريانها إلى سائر الأزمان؛ إذ لعل الإمام (ع) قد قرر تلك السيرة في وعائها الزماني وبالنظر إلى المقتضيات الزمانية والمكانية الخاصة بها، لا كفعل عابر للزمان والمكان؛ لذا فإن التمسك بسيرة أهل البيت (ع) لاكتشاف حكم استحباب تعدد الزوجات ليس بهذه البساطة.
الفقه المعاصر: هل يمكن من خلال آيات مثل “وعاشروهن بالمعروف” استنتاج عدم جواز تعدد الزوجات في حال عدم الرغبة القلبية للزوجة الأولى؟
مهاجر ميلاني: كلا، لم يتوصل أي فقيه إلى مثل هذه النتيجة. إذا قلنا إن المقصود من “عاشروهن بالمعروف” هو العرف الشرعي، فمن الواضح أن تعدد الزوجات جائز في العرف الشرعي، ولا دخل لرضا أو عدم رضا الزوجات في حكمه. وحتى لو اعتبرنا “المعروف” بمعنى العرف العقلائي، فإن حجية هذا العرف مشروطة بعدم وجود بيان شرعي يخالفه، في حين ورد حكم جواز تعدد الزوجات في أدلة متعددة بشكل مطلق، وهو بمثابة المقيد أو المخصص لهذه الآية.
الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار تعدد الزوجات مصداقاً لـ “العنف ضد الزوجة” والحكم بحرمته أو مرجوحيته؟ وهل هناك فرق في هذا الحكم بين تعدد الزوجات الدائم والمنقطع؟
مهاجر ميلاني: تعدد الزوجات لا يستلزم دائماً العنف ضد المرأة. فإذا اتخذ شخص زوجات متعددة وعاملهن جميعاً بالمعروف والمودة والمحبة، ووفر لهن إمكانيات الحياة المتعارفة، فإن تعدد الزوجات لا يُعد مصداقاً للعنف ضد المرأة فحسب، بل هو مصداق لسعادتها أيضاً. أما إذا ناد هذه الأمور وأساء معاملة الزوجات السابقات، ولم يوفر لهن إمكانيات الحياة الأساسية، ولم يتعامل معهن بالعدل، فسيكون تعدد الزوجات مصداقاً للعنف. وبالطبع، فإن العنف الذي نقصده يختلف عن العنف المطروح في الأدبيات الحديثة. فبقول الشهيد الصدر، يجب رؤية النص في إطار المفاهيم الدينية لا في إطار الأدبيات الحديثة؛ لأنه قد صدر في ذلك الإطار.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن تعدد الزوجات لا يمتلك قبحاً ذاتياً، وأنه ليس قبيحاً أو مصداقاً للمعاشرة بالسوء في كافة المجتمعات حتى في الوقت الحاضر، هل يمكن التشكيك في جوازه من خلال تطبيق عناوين وافدة وغير شرعية مثل “العنف ضد الزوجة”؟
مهاجر ميلاني: كلا، كما ذكرت، لا يمكن اعتبار هذه العناوين الوافدة مقيدة أو مخصصة لفهم نصوص صدرت قبل قرون وفي فضاء وأدبيات مختلفة.
الفقه المعاصر: في حال رضا الزوجة الأولى، هل يبقى تعدد الزوجات مصداقاً للعنف ضد الزوجة؟
مهاجر ميلاني: كلا، إذا لم تُلبَّ الحاجة الجنسية للرجل بدون زوجة أو بزوجه واحدة، وكان من الضروري له الوقوع في الإثم لتلبيتها، فإن تعدد الزوجات جائز قطعاً ولا يُعد أبداً مصداقاً للعنف ضد المرأة. ولم يقل أي فقيه بأن يذهب الرجل ويرتكب الإثم ولا يلجأ لتعدد الزوجات. طبعاً، لموضوع تعدد الزوجات من الناحية الاجتماعية بحث مفصل، ويجب دراسة وتحليل الأضرار التي قد تلحق بالمجتمع والأبناء والزوجات بشكل جدي، وتبيان الظروف والسياقات التي تنشأ فيها هذه الأضرار.
