ملاحظة: إن العلاج بالخلايا الجذعية، وبسبب كونه من العلوم المستحدثة، يكتنف أبعاداً كثيرة مجهولة حتى لدى الأطباء والمتخصصين في هذا الأسلوب العلاجي. وفيما يتعلق بهذا الأسلوب من العلاج، ثمة الكثير من النقاط المسكوت عنها، كما تجري مبالغات غير صحيحة يجب التحكيم في صدقها أو كذبها. حول تفاوت استخدام هذا الأسلوب العلاجي مع سائر الأساليب كالعلاج الجيني، أجرينا حواراً مع الدكتور صادق قديمي؛ وهو الذي نال درجة الدكتوراه في تخصص الفقه ومباني الحقوق الإسلامية، وينكبّ منذ سنوات بجدية على الدراسة في المجال الطبي. ويرى قديمي أن العلاج بالخلايا الجذعية، رغم مزاياه الوفيرة، يترتب عليه أضرار علاجية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية متنوعة يجب الحذر منها. وفيما يلي تفاصيل الحوار الخاص لـ “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في الحوزة العلمية:
الفقه المعاصر: بشكل عام، ما هي التطبيقات المتصورة للخلايا الجذعية من الناحية العلاجية والطبية؟
قديمي: فيما يخص تطبيقات الخلايا الجذعية طبياً وعلاجياً، يمكن القول إن لها استخدامات واسعة، نشير إلى عدد منها:
علاج أمراض الدم، وهو من أقدم تطبيقات الخلايا الجذعية الذي له تاريخ طويل في الدول المتقدمة وتاريخ أقصر في بلادنا. في هذا الأسلوب، يُستخدم زراعة نخاع العظم المشهور جداً، ويُطبق لعلاج الأمراض الموسمية واضطرابات الدم الأخرى. كما تُستخدم زراعة الخلايا الجذعية لعلاج سرطان الدم.
المورد الثاني، هو علاج الأمراض المزمنة، كالأمراض التي يصاب فيها الشخص بالمناعة الذاتية؛ أي إن الجهاز المناعي يهاجم خلايا الجسم ويدمرها تلقائياً، وهو ما يسمى اصطلاحاً بـ “Autoimmune”، ومن أقسامه يمكن الإشارة إلى اللوكوبوس (الذئبة) والروماتيزم. وللخلايا الجذعية تطبيق واسع في علاج هذه الأمراض، حيث يمكنها ترميم الأنسجة المتضررة.
المورد الثالث، هو إعادة بناء الأنسجة؛ أي إن الأنسجة المتضررة الناتجة عن الحروق والجراحة يمكن إعادة بنائها.
المورد الرابع، هو أمراض القلب؛ فإثر النوبة القلبية قد تتعرض عضلة القلب أحياناً للتغير أو الضمور وتصاب بنوع من الضرر الشديد الذي يستوجب الاستبدال. تستطيع الخلايا الجذعية ترميم هذه العضلة بسهولة، وإن كان هذا الأسلوب العلاجي لم يصل لمراحله النهائية حالياً، لكن يمكن الاستفادة منه بشكل خاص جداً.
المورد الخامس، هو علاج الاضطرابات العصبية. فمثلاً لعلاج الزهايمر والباركنسون، يتم استبدال العصبونات المتضررة بعصبونات جديدة وإعادة الشخص إلى حالة التوازن إلى حد ما. وهذا الأسلوب جارٍ في بلادنا أيضاً، وأعلم أن مشروعه قائم في مركزي بحوث “رازي” و”ابن سينا”، وقد حقق نجاحاً في المرحلة المختبرية.
المورد السادس، هو علاج الأمراض الأيضية (الميتابوليك) مثل إنتاج خلايا “بيتا” في البنكرياس بهدف علاج السكري من النوع الأول، أو العلاجات الموجهة للسرطان.
المورد السابع، هو التجميل وتجديد الشباب، حيث تُستخدم الخلايا الجذعية هناك أيضاً لترميم الأنسجة المتضررة.
بشكل عام، ونظراً للقدرة العالية التي تمتلكها الخلايا الجذعية في ترميم وإعادة بناء الأنسجة والأعضاء، فإن لها تطبيقات كثيرة في العمليات الترميمية.
الفقه المعاصر: هل يختلف أسلوب العلاج عبر الخلايا الجذعية عن أسلوب العلاج الجيني؟
قديمي: يختلف هذان الأسلوبان من عدة جهات. ذكرنا أن الخلايا الجذعية تمتلك قابلية التمايز والتكاثر وتُستخدم لترميم الأنسجة وعلاج الأمراض، أما العلاج الجيني فيُستخدم لإصلاح الجينات داخل الخلايا بهدف العلاج أو حتى الوقاية من الأمراض، وهدفه ترميم أو استبدال الجينات المعيبة.
التفاوت الثاني بينهما هو أن الخلايا الجذعية يمكن زراعتها مباشرة في مكان الضرر، وتُستخدم لإنتاج الدم أو الخلايا الميزنشيمية؛ أما في العلاج الجيني، فتُستخدم “النواقل” (Vectors) لنقل الجينات العلاجية إلى خلايا المريض.
التفاوت الثالث، هو أن الجينات يمكن حقنها مباشرة داخل الخلايا المستهدفة في الجسم، أو أن الخلايا يمكن تغييرها خارج الجسم ثم إعادتها إليه.
ويختلف هذان الأسلوبان من الناحية التطبيقية أيضاً؛ فالخلايا الجذعية تُستخدم غالباً في علاج أمراض الدم، وترميم الأنسجة، والأمراض المزمنة، أما العلاج الجيني فبسبب طبيعته الخاصة والقابلة للنقل، يُستخدم أكثر في الأمراض الوراثية، وأنواع السرطانات، والأمراض الفيروسية.
وبالنسبة للمخاطر والتحديات في هذين الأسلوبين، يجب القول: إن الخلايا الجذعية إذا خرجت عن السيطرة يمكنها تكوين أورام، وهذا يُعد من عيوب هذا الأسلوب. وفي العلاج الجيني أيضاً، من المحتمل تضرر الجينات السليمة، وهو ما يُعد من الأخطار المحتملة لهذا الأسلوب؛ رغم أن كلا الأسلوبين، بصفة عامة، يبعثان على الأمل.
الفقه المعاصر: ما هي مزايا العلاج عبر الخلايا الجذعية مقارنة بالأساليب الأخرى؟
قديمي: من جملة مزايا العلاج بالخلايا الجذعية، القدرة على ترميم وإعادة بناء الأنسجة. في الأساليب الأخرى لا يتم التأكيد كثيراً على قدرتنا على ترميم النسيج أو إعادة بنائه، بل يطرح غالباً بحث الزرع والاستبدال أكثر من الترميم؛ أما في أسلوب العلاج بالخلايا الجذعية، فيمكن عبر ترميم الأنسجة إعادتها إلى حالتها الأولى.
الميزة الأخرى هي علاج الأمراض المزمنة؛ أي إن الأمراض التي يعاني منها الفرد لسنوات طويلة يمكن علاجها بهذا الأسلوب.
الميزة الأخرى لهذا الأسلوب العلاجي هي تقليل الحاجة إلى الأدوية المسكنة أو الجراحة؛ لأنه في هذا الأسلوب يتم الترميم ولا يُزرع نسيج غريب؛ لذا لا يرفضه الجسم ولا تكون هناك حاجة للأدوية المسكنة لكبح مناعة الشخص. كما أنه بما لا يوجد زرع لعضو غريب، فلا حاجة للعمليات الجراحية أيضاً.
الميزة الرابعة، هي القدرة العلاجية العالية التي ذُكرت في المباحث السابقة.
الميزة الخامسة، هي أن هذا الأسلوب العلاجي يحفز الجهاز المناعي، أي يقويه؛ لأننا كما ذكرنا، لا يتم زرع نسيج غريب في هذا الأسلوب حتى نضطر لاستخدام مسكنات لكبح الجهاز المناعي؛ لذا يؤدي هذا الأسلوب إلى تقوية الجهاز المناعي للجسم.
الميزة السادسة، هي أن هذا الأسلوب العلاجي لا يمتلك أعراضاً جانبية. ففي هذا الأسلوب، لعدم وجود زراعة عضو غريب، لا توجد أعراض جانبية؛ بل يتم ببساطة ترميم نسيج من الجسم. في هذا الأسلوب، نحن أمام “شخصنة العلاج”. في علم الحقوق، يُطرح بحث شخصنة العقوبة، وحتى في المباحث التعليمية يقولون أعطوا الشخص برنامجاً تعليمياً بناءً على موهبته، وهو ما يعني شخصنة التعليم. وهنا أيضاً، أهم نقطة في هذا الأسلوب العلاجي هي شخصنة العلاج أو تخصيصه، ولماذا؟ لأن الخلايا الجذعية للشخص تُزرع في الشخص نفسه ويُعاد إليه نسيجه الأصلي ذاته؛ أي تتم الشخصنة بدقة. وربما يمكن القول بجرأة إن هذا من أفضل العلاجات.
الميزة السابعة، هي أن أبحاث هذا الأسلوب العلاجي ليست راكدة، بل هي حديثة وفي طور التوسع والتقدم؛ وبعبارة أخرى، هي أبحاث حيوية ومنتجة في آن واحد.
الفقه المعاصر: هل استخدام الخلايا الجذعية يتبعه أضرار للجسم؟
قديمي: يمكن القول نعم، فهذا الأسلوب العلاجي، كأي أسلوب علاجي آخر، لا يخلو من العيوب. من الناحية الطبية، أحد هذه الأخطار هو مسألة رفض الطعم. في الحالات التي تُؤخذ فيها الخلايا الجذعية من شخص غريب، يُحتمل رفضها من قبل الجسم أو حدوث عدوى. ومن جهة أخرى، وبما أن هذه الخلايا تمتلك قابلية فائقة للتكاثر، فإن احتمال بروز أورام وارد أيضاً في هذا الأسلوب.
من المنظور الأخلاقي، فإن جمع الخلايا الجذعية من الأجنة البشرية يتم أحياناً بشكل سري ودون علم المريض، وهذا الأمر يتبع تحديات أخلاقية وحتى حقوقية.
من الناحية الاجتماعية، يمتلك هذا الأسلوب العلاجي تكلفة عالية، بحيث ربما يمكن القول إن غالبية المجتمع لا يمتلكون القدرة أو الاستطاعة والوصول إليه، وهذا الأمر يولد لديهم شعوراً بالتمييز وعدم العدالة.
من الناحية الاقتصادية، تتشكل تجارات غير قانونية ومربحة جداً حول هذا الأسلوب، وهو ما يُعد نوعاً من الضرر الذي يجب الحذر منه.
