إشارة: “الفقه الأدنى” و”الفقه الأقصى”؛ مصطلحان ترددا كثيراً حتى بات يستخدمهما غير المتخصصين في العلوم الفقهية. يسعى المنهج “الأقصى” (الحداكثري) إلى استكشاف كافة أحكام القضايا المعاصرة من علم الفقه، وفي المقابل، يرى المنهج “الأدنى” (الحداقلي) أن دائرة تدخل الفقه محدودة، ويترك بيان أسلوب إدارة شؤون الإنسان الأخرى للعقلاء والعلوم الأخرى. الدكتور عبد الوهاب فراتي هو من أنصار التوجه الثاني، لكن مع فارق جوهري؛ وهو أنه يرى في “المنهج الأدنى” ميزةً لهذا العلم لا نقطة ضعف. ويرى فراتي أن المنهج الأقصى ليس له جذور أو سوابق لدى علماء السلف. وهو الذي عكف لسنوات في حقل الفكر السياسي على دراسة التيارات المعرفية المختلفة، يتناول هذه المرة “علم الفقه” بهدف التعريف بهذين المنهجين. وفيما يلي المذكرة الحصرية لعضو المجلس العلمي لقسم فقه السياسة والعلاقات الدولية في معهد دراسات الفقه المعاصر:
جذور المصطلح وسياقه التاريخي
بلا شك، فإن مصطلح “الفقه الأدنى” ليس واژة علمية محضة؛ بل هو منهجية فقهية برزت في الأدبيات التي تلت الثورة الإسلامية، وغالباً ما تُستخدم في سياق ذمي. وفي الواقع، فإن أنصار “الفقه الحكومي” يصفون التوجهات الفقهية الأخرى بهذا الوصف لتمييز أنفسهم عنها، وإلا فإنه لا تبار (جذور) له لدى السلف الصالح. ومع ذلك، يجب أن نتساءل: ما المقصود بهذا المصطلح وعلى ماذا يدل؟ وللإجابة على هذا السؤال، أطرح ثلاثة مقاربات وتعريفات لتوضيح سياق هذا المصطلح:
١. التفكيك بين العرفيات والشرعيات
الفقه الأدنى هو الفقه الذي يقتصر على الوظيفة الأولى لعلم الفقه، وهي “العبادات”. وحتى يومنا هذا، لم يشكك أحد في أن العبادات هي اختصاص أصيل للفقه ولا يجوز إسنادها لعلم آخر. لكن السؤال الجوهري هو: ما مصير القضايا غير العبادية ومن هو المتولي لشؤونها؟ لقد طُرح هذا السؤال قديماً، وقدم فقهاء ذلك العصر إجابة تستحق التأمل؛ فمنذ العهد الصفوي وحتى دستور المشروطة (١٣٢٤-١٣٢٩هـ)، ميز الفقهاء بين الشؤون الشرعية والعرفية، وطُبق هذا التمايز في المحاكم. كان المراد بالأمور العرفية إسناد التنفيذيات الشرعية كالقود والحدود للسلطان، والاحتفاظ بالمسائل التعبدية والشرعية المحضة في حوزة الفقيه. وهذا يشير إلى أن مفهوم “العرفي” في المصطلح المعاصر يختلف عما كان يقصده القدماء، وبعبارة أخرى، فإن “العرفنة” المعاصرة لا تمتد جذورها إلى الماضي.
الفقه الأدنى؛ سمة ذاتية أم قصور معرفي؟
يُعرف الفقه الأدنى بأنه الفقه الذي لم يلج المجالات الحديثة مثل الصيرفة، التأمين، الأوراق التجارية، الشركات، والملكية الفكرية. ولأننا نقارن هذا الفقه بالنظم القانونية الحديثة، نسميه “أدنى”، ثم نتساءل: لماذا لم يتدخل الفقه في هذه الأمور؟ الإجابة السهلة هي القول بأنه فقه “أدنى” ولا شأن له بهذه القضايا. لكن ما نغفل عنه هو أن هذه الأمور (غير الفقهية والعرفية) هي قضايا استحدثها العقلاء لتنظيم شؤون حياتهم، ولا صلة لها بالماهية الفقهية.
إذا كان فقهاؤنا في العصور الخوالي قد أجابوا على قضايا زمانهم، فهم لم يفعلوا ذلك بصفتهم “فقهاء” بالضرورة، بل بصفتهم “علماء مدينتهم”. لذا، حين سُئلوا عن ماهية البيع والإجارة وأبدوا رأيهم، لم يكونوا بصدد بيان رأي الشريعة التأسيسي، بل بصفتهم خبراء في الشؤون العرفية. وحتى في عصر الأئمة (عليهم السلام)، كان المعصومون يجيبون على الأسئلة العرفية للناس بصفتهم علماء المدينة والكوفة، ولم تكن تلك الإجابات بالضرورة أحكاماً شرعية توقيفية. ومن هنا، نجد موضوعات خارج العبادات في مصادرنا الفقهية، لكن الحكم فيها لم يكن بوصفها “فقهاً وشريعة”، بل بوصف الفقيه صاحب نظر وخبرة. إذا كان هذا هو المقصود بالفقه الأدنى، فهو ليس ذماً؛ بل يعني أن الفقه لم ينسب الأمور الخارجة عن العبادات لنفسه قسراً. على سبيل المثال، حين سُئل الإمام (عليه السلام) عن جواز إعادة استخدام الماء المستعمل في الغسل فأجاب بـ “لا”، علق المرحوم السيد مصطفى الخميني (المتوفى ١٣٩٧هـ) في تحليله لهذه الروايات -التي تصل إلى إحدى عشرة رواية- بأن إجابة الإمام ليست فقهاً، بل هي “إرشاد صحي” قدمه عالم المدينة للسائل.
الخلط بين الإجابات الفقهية والعرفية
الفقه الأدنى -بمعناه المعاصر- يعني الاقتصار على الأمور العبادية والفردية، والعجز عن معالجة قضايا مثل الحكم والتخطيط وإدارة الدولة والمجتمع. يرى منتقدو هذا المنهج أن هذه الشؤون خارجة عن عهدة الفقه. وهذا التعريف يقف تماماً في مقابل “الفقه الأقصى” الذي ظهر بعد الثورة. من منظور الفقه الأقصى، تتوسع دائرة الفقه، لكن التأمل في مضمونه يوضح أن هذا التوسع ليس في “الفقه” ذاته، بل في “آراء الفقيه”. إن ما كان يطرحه الإمام الخميني بعد الثورة لا يمكن اعتباره “مُخرجاً فقهياً” محضاً، بل هو حصاد تأملاته واجتهاداته. بعبارة أخرى، فقه الإمام الخميني وسع “صلاحيات الفقيه”، وهذا لا يعني بالضرورة توسيع “دائرة الفقه”. صحيح أن كل ما يصدر عن الفقيه الحاكم معتبر، لكن الاعتبار لا يعني أنه صار “فقهاً” بالمعنى الاصطلاحي. فالحكم الحكومي ملزم، لكنه جزء من “الأوامر السلطانية” وليس من المتن الفقهي الأولي. أحد مواطن الخلط لدى منتقدي الفقه الأدنى هو عدم التمييز بين “نطاق الفقه” و”صلاحيات الفقيه”.
الفقه الأدنى والسكولارية
بناءً على ما تقدم، لا يمكن وسم الفقه الأدنى بالسكولارية بشكل مطلق. صحيح أنه لم يتناول قضايا مثل الدولة والسياسة (وفق التعريف الثالث)، ولكن يجب أن نرى كيف يملأ هذا الفراغ وإلى أين يحيلنا؟ لملء هذا الفراغ، هناك عدة مسارات:
-
استقاء الحلول من خارج الحضارة الإسلامية؛ وفي هذه الحالة يصح نسبته إلى السكولارية.
-
استخدام المنظومة الدينية الكلية، واستحضار الأخلاق والكلام والاستفادة من طاقاتهما؛ وهنا لا يمكن اعتبار الخروج من الفقه خروجاً عن الدين أو سكولارية، لأن “النظام المستعار” لا يزال إسلامياً.
-
الاستناد إلى التجربة الإسلامية المعاصرة لدول مثل ماليزيا أو السعودية؛ وفي هذه الفرضية أيضاً، لا تصح نسبة السكولارية للفقه الأدنى لأننا لم نخرج من المنظومة الإسلامية.
بناءً عليه، فإن هجوم البعض على “الفقه الأدنى” لتبرير “الفقه الأقصى” بدعوى أن مآله السكولارية هو قول غير دقيق؛ إذ يجب فحص طبيعة “النظام البديل” الذي يعتمده هذا الفقه لسد الفراغات الإجرائية.
