إعادة قراءة الأساس الفقهي لإسقاط الجنين في الجلسة العلمية لمعهد دراسات الفقه المعاصر

إعادة قراءة الأساس الفقهي لإسقاط الجنين في الجلسة العلمية لمعهد دراسات الفقه المعاصر

وفقًا لموقع معهد دراسات الفقه المعاصر الإعلامي، عقدت الجلسة العلمية رقم ٢٧٦ لهذا المعهد، مركزة على التحديات الفقهية ـ الحقوقية للاستناد إلى «قاعدة نفي الحرج» في إسقاط الجنين؛ وهي جلسة سعت إلى استكشاف علاقة هذه القاعدة بالمحرمات، ومعيار تحقق الحرج، ونطاقها في القانون لعام ١٤٠٠ هـ.ش.، بالإضافة إلى الغموض في تحديد «حلول الروح» كعقد رئيسية في التشريع في هذا المجال.

في هذه الجلسة، طرح الدكتور إسماعيل بابائي أسئلة حول شمول «نفي الحرج» للمحرمات، والحرج الحالي أو المستقبلي، وتحديد صاحب الحرج، متحدثًا عن الغموضات العملية في تنفيذ القانون. أما آية الله القائني فقد أكد على شخصية الحرج وكونه امتنانيًا، وانتقد الاستدلالات الموسعة في هذا المجال؛ وهي مباحث أظهرت أن الانتقال من المقررة الفقهية إلى نص القانون لا يزال مصحوبًا بتحديات نظرية وتنفيذية.

أشار الدكتور بابائي، مستندًا إلى تجربة تعاون دامت سنوات عدة مع الطب الشرعي، إلى كثرة الأسئلة غير المجابة في هذا المجال.

وقال إن التحدي الأول هو: هل تشمل قاعدة نفي الحرج المحرمات أصلاً أم لا؟ ذلك أن إسقاط الجنين في ذاته يُعد من الأمور المحرمة.

ثم أشار الدكتور بابائي إلى التمييز بين «الحرج الحالي» و«الحرج المستقبلي»، وقال: «في كثير من الحالات، يكون الجنين في وقت طلب الإذن خاليًا من حالة حرج فعلي، والتوقعات تتعلق بصعوبات مستقبلية. يجب النظر فيما إذا كان الحرج الذي سيحدث في المستقبل ولم يحدث بعد يمكن أن يكون إذنًا للإسقاط أم لا؟»

ومن محاور النقاش الأخرى تحديد صاحب الحرج؛ أي هل المعيار حرج الأم، أم الأب، أم الطفل، أم المحيطين، أم حتى المجتمع؟ أشار الدكتور بابائي إلى تصريح القانون بـ«حرج الأم»، وقال إن هذا الاختيار نفسه محل نزاع، إذ في بعض الحالات يقع العبء الرئيسي للمشكلات على كاهل الأب أو الأسرة الأوسع.

كما طرح في حالات مثل الحمل الناتج عن الاغتصاب أو احتمال «القتل الناموسي»، سؤال عن مصداقية «الحرج النفسي» والتهديدات الاجتماعية كإذن للإسقاط. وحذر الدكتور بابائي من أن إهمال هذه الحقائق قد يؤدي إلى عواقب عملية خطيرة.

ومن التحديات الأخرى المطروحة، التعارض المحتمل بين قاعدة «نفي الحرج» وأصل «الاحتياط في الدماء»، بالإضافة إلى الغموض في تحديد معيار دقيق لـ«حلول الروح».

أشار الدكتور بابائي إلى اختلاف الآراء الفقهية في هذا المجال، وكذلك القيود الطبية في تحديد الوقت الدقيق لنفخ الروح، وقال: «الطبيب أساسًا لا يتعامل تخصصيًا مع مفهوم الروح كأمر ماورائي. يمكنه تحديد وقت تشكل القلب أو بدء النشاط الدماغي بناءً على مؤشرات علمية، لكنه لا يملك أداة أو معيارًا علميًا للإدلاء برأي حول الوقت الذي يُنفخ فيه الروح».

ويرى أنه عندما تصل فتوى جواز الإسقاط في حالات الحرج إلى ميدان التشريع، لا يكفي مقررة فقهية عامة، بل يجب الإجابة على أسئلة جزئية ومعقدة وأحيانًا غير قابلة للتنبؤ؛ من دور تقصير الأم أو الطبيب في إحداث حالة الحرج، إلى معيار شخصي أو نوعي للحرج، وإمكان إلزام المحيطين بالتعاون في الاختبارات التشخيصية.

وفي استمرار الجلسة، ركز آية الله القائني على «مفهوم الحرج» ونطاق قاعدة نفي الحرج، وقام بنقد وتمحيص عرض الدكتور إسماعيل بابائي.

وقام بتفصيل بين «العسر» و«الحرج»، مؤكدًا على ضرورة الدقة اللغوية والعرفية في فهم هذه المفاهيم، وقال إن الحرج يعني «الضيق الشديد والضغط الطاقت‌فرسا»، لا كل نوع من الصعوبة. وأوضح أن الحرج ينظر إلى مشقة تفوق الصعوبات العادية، وقال: «الحرج هو الضيق الشديد؛ عمل يصل ضغطه إلى حد يقول فيه العرف: بلغت الروح الحلقوم. ليس كل صعوبة حرجًا».

وقسم «الطاقة» إلى عقلية وعرفية، موضحًا أن محل البحث في قاعدة نفي الحرج هو الطاقة العرفية، لا المحال العقلي؛ إذ إن التكليف بالمحال أصلاً لا يصدر من الشارع.

ومن أهم محاور النقد تحديد سعة قاعدة نفي الحرج. استنادًا إلى إطلاق الأدلة، اعتبر آية الله القائني أن هذه القاعدة تشمل كلا المجالين «فعل الواجب» و«ترك الحرام»، وأكد: «إطلاق أدلة الحرج يشمل كلاً من فعل الواجب وترك الحرام؛ كلما كان ترك الحرام أو فعل الواجب موجبًا للحرج، يُرفع الحكم».

وبتطبيق هذا الأساس على مسألة إسقاط الجنين، أضاف أن الكلام هنا عن رفع وجوب حفظ الجنين في فرض تحقق الحرج، وإذا كان الاحتفاظ بالجنين حرجًا على الأم، فإن القاعدة يمكن أن ترفع ذلك الوجوب.

كما تناول الناقد سؤالًا حول ما إذا كان نفي الحرج يُنشئ مجرد «رخصة» أم يؤدي إلى «إلزام». مشيرًا إلى امتنانية القاعدة، قال: «القواعد الامتنانية لا تؤدي إلى إلزام؛ لسان نفي الحرج لسان رفع لا إثبات. إذا أراد أحد تحمل الحرج، فلم يرتكب حرامًا».

وأكد آية الله القائني على أن في المباحث الفقهية، «الحرج الشخصي» هو المعيار لا النوعي، محذرًا من أن جعل المعيار التصورات العامة والإحصائية غير متوافق مع أساس القاعدة. كما اعتبر الحرج المستقبلي مشمولاً بإطلاق الأدلة، وقال: «ليس شرطًا أن يكون الحرج فعليًا؛ إذا وجد خوف عقلائي من تحقق الحرج في المستقبل، تشمله أدلة الحرج».

وفي الجزء الختامي من الجلسة، قام الحاضرون بتلخيص المباحث والرد على بعض التحديات المطروحة. أشار أحد الأساتذة إلى مفهوم «أمارات حلول الروح»، مؤكدًا أن القانون لم يذكر «الحركة الإرادية» كمعيار، بل طرح علامات للكشف عن حلول الروح، وأن الأربعة أشهر في الفقه غالبًا ما تُعرف كأمارة وسقف زمني، لا كنقطة دقيقة وفجائية.

كما نوقش نطاق قاعدة «نفي الحرج»، وأكد بعض المتحدثين على ضرورة فهم عقلائي محدود لإطلاق هذه القاعدة، مذكرين بأنه لا يمكن اعتبار كل صعوبة عرفية إذنًا لارتكاب المحرمات، خاصة في موضوع مثل إسقاط الجنين المرتبط بمسألة الاحتياط في الدماء.

كذلك أُكد على ضرورة التفريق بين مراتب الحياة المختلفة والدقة في تشخيص «الروح الإنسانية»، واقترح عقد جلسات متخصصة أخرى بحضور فقهاء وأطباء لتوضيح الغموضات القائمة. وانتهت الجلسة بشكر الحاضرين.

Source: External Source