مسعود راعي

الأصول العملية القضائية/25

لدينا في القانون الدولي قاعدة تُسمى قاعدة «ريبوس سيك ستانتيبوس» (تغيير الأوضاع والظروف الأساسي)، ومضمونها يساوي تمامًا المعنى الذي يُطرح في الأصل العملي للبراءة. تعبر هذه القاعدة عن أن كل ما لم يُحظر في القانون الدولي فهو جائز؛ لذا في المرحلة الأولى، يجب إثبات ما هو منهي عنه في القانون الدولي، وإلا فما دام لم يُثبت، نحكم بجوازه.

إشارة: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور مسعود راعي، أحد أبرز أساتذة القانون الدولي في إيران. تأليفه لعدة كتب وأكثر من ٢٠٠ مقالة في مجال القانون الدولي جعله من أهم أساتذة هذا المجال في إيران. ولد عام ١٣٤٥ هـ.ش. في أصفهان، وحصل على الدكتوراه في القانون الدولي من الجامعة الحرة، وهو الآن أستاذ كامل في الجامعة الحرة الإسلامية فرع نجف آباد. في هذه المذكرة الشفوية، تحدث عن جريان الأصول العملية في المذاهب الحقوقية الأخرى غير المذهب الحقوقي الإسلامي. ويرى أن كثيرًا من الأصول العملية ناتجة عن تأملات بشرية، وهذا الأمر هو الذي جعلها تجري في المذاهب الحقوقية غير الإسلامية. وفيما يلي نص المذكرة الخاصة لهذا الأستاذ والباحث البارز في القانون الدولي:

فيما يتعلق بإمكانية جريان الأصول العملية تنفيذيًا في المذاهب الحقوقية، هناك عدة نقاط تستحق الدراسة.

أولاً، تنقسم المذاهب الحقوقية في تصنيف عام وكبير إلى المذاهب الحقوقية الطبيعية والمذهب الوضعي. هذا التصنيف الكبير موجود في تخصصات وفروع القانون، مثل القانون العام والخاص والتجاري والجزائي والدولي. مع الالتفات إلى هذه النقطة الأولى، عندما يُطرح موضوع جريان الأصول العملية في المذاهب الحقوقية، فإن القاعدة في هذا النظر لا تكون موجهة إلى فرع أو تخصص معين، والإجابة المقدمة ستكون فقط حول إمكانية أو عدم إمكانية وجود الأصول العملية في المذاهب الحقوقية، بغض النظر عن فروعها وتخصصاتها.

ثانيًا، كل من الفروع والتخصصات التابعة للحقوق الطبيعية والحقوق الوضعية تشكل مذاهب حقوقية أصغر، وتنوعها كبير جدًا؛ فعلى سبيل المثال، عند الدخول إلى المذاهب الدولية بشكل خاص، تبرز مذهبان رئيسيان: مذهب السوبجكتيفيزم أو مذهب أصالة الأعيان، ومذهب أصالة الإرادة. تحليل أصالة الأعيان يقودنا إلى أن هذا المذهب في الواقع فرع من أصالة الإرادة، وهو بدوره نفس المذهب الوضعي. كما نلاحظ عند التأمل أن المذهب الحقوقي الطبيعي نفسه يتفرع إلى فروع متعددة؛ وكذلك المذهب الوضعي يتفرع إلى أربعة فروع فرعية، مثل مذهب النيو هين الذي هو أحدث مذهب في القانون الدولي.

ثالثًا، يمكن الإجابة على هذا السؤال بطريقتين: إجابة إجمالية وإجابتين تفصيليتين.

في الإجابة الإجمالية، الجواب إيجابي؛ لأن الأصول العملية التي تُطرح في أصول الفقه هي نتاج فكر بشري، والروايات فيها جانب إرشادي بهذا المعنى. وإن كان المرحوم الشيخ الأنصاري قد تبع نظرة خاصة في بحث البراءة، إلا أن الإجمال في المسألة هو أن عقلاء العالم، عندما يواجهون موضوعًا مشتبهًا في حكمه ولم يُصمم أصل أو قاعدة للخروج من تلك المشكلة، يرجعون إلى مثل هذه الأصول كالبراءة والاحتياط والاستصحاب. هذه النقطة هي نفس النظرة التي طرحها سماحة آية الله السبحاني في تقسيم هذه الأصول إلى أربعة أصول في كتابه الأصولي «الموجز»، حيث بيّن تمامًا أن هذه الأصول عقلية. التأمل في هذه النظرة يظهر أننا نواجه في الواقع فهمًا عقليًا مشتركًا بين جميع العقلاء. هذه هي الإجابة الإجمالية.

أما الإجابة التفصيلية فتكون على النحو التالي: مع ملاحظة الفروع – التخصصات الحقوقية والمذاهب المعرفة تحت هذه الفروع – التخصصات، مثل مذاهب القانون الجزائي والقانون العام، نلاحظ أن هذه الأصول في بعض الحالات تُظهر كنتاج للمعرفة البشرية. على سبيل المثال، لدينا في القانون الدولي قاعدة تُدعى قاعدة «ريبوس سيك ستانتيبوس» (تغيير الأوضاع والظروف الأساسي)، ومضمونها يساوي تمامًا المعنى الذي يُطرح في الأصل العملي للبراءة. تعبر هذه القاعدة عن أن كل ما لم يُحظر في القانون الدولي فهو جائز؛ لذا في المرحلة الأولى، يجب إثبات ما هو منهي عنه في القانون الدولي، وإلا فما دام لم يُثبت، نحكم بجوازه. فعلى سبيل المثال، إذا لم تخرج غواصة في المياه الإقليمية لدولة إلى سطح الماء وترفع علمها، ينشأ الشك هنا فيما إذا كان مثل هذا الفعل منهيًا عنه في القانون الدولي أم لا؟ في الجواب على هذا السؤال، يُقال إنه ما دام لا يوجد يقين بالمنع، يُصدر الحكم بالجواز؛ وهذا عين عبارة أخرى لأصل البراءة. وبالطبع، كما يحصل أحيانًا في جريان قاعدة البراءة شك فيما إذا كان الموضوع قد تحقق أم لا، يحصل في جريان قاعدة ريبوس أيضًا شك؛ فعلى سبيل المثال، إذا شك فيما إذا كانت هذه الغواصة حربية أم غير حربية؟ إذا كانت غير حربية فلا حاجة للخروج إلى سطح الماء، أما إذا كانت حربية فيجب الخروج إلى السطح، وفي هذه الحالات لا تجري قاعدة ريبوس. لكن بشكل عام، قاعدة ريبوس معادلة لأصل البراءة.

بالإضافة إلى القانون الدولي، توجد في القانون الخاص والقانون الجنائي حالات تشير إلى جريان الأصول العملية في ساحة علم الحقوق. فعلى سبيل المثال، في القانون الجنائي أيضًا، ما دام لا يوجد دليل إثباتي على العقوبة، لا يوجد حق في معاقبة المتهم. هذه القاعدة في الحقيقة هي عين أصل البراءة.

Source: External Source