إشارة: حجّة الإسلام والمسلمين مجيد دهقان بنادكي، خصّص منذ سنوات طويلة مجال تمحّضه وبحثه في مسائل المرأة والأسرة. وقد ألّف في هذا المجال كتباً ومقالات عديدة، منها كتاب «الجنس واللغة في القرآن». وهو عضو في الهيئة العلمية بمركز بحوث المرأة والأسرة. وفي هذه المذكّرة الشفوية يبحث في الأبعاد والتحدّيات الفقهية لمسألة تغيير الجنس. ويرى أنّ هذا التغيير وإن كان جائزاً من حيث الحكم الأوّلي، فإنّ إطلاق الحكم بجوازه من حيث الحكم الثانوي يواجه صعوبات وإشكالات كبيرة. المذكّرة الشفوية الخاصّة بعضو المجلس العلمي لمجموعة فقه النساء والأسرة في معهد دراسات الفقه المعاصر، كما يلي:
ينقسم موضوع تغيير الجنس إلى عدّة أقسام: القسم الأوّل يتعلّق بماهية الموضوع ذاتها، أي ما معنى هذا الموضوع أساساً؟ ول فهم الموضوع بدقّة، يلزم النظر في أبعاده المتنوّعة. البعد الأوّل: ما هو القصد الفعلي لمن يطلب تغيير الجنس؟ هل طلبه ذو طابع نفسي أم بيولوجي أو فيزيولوجي؟ وماذا يحدث بالضبط في العملية الجراحية؟ فإذا لم تتمّ موضوعشناسية دقيقة، فإنّ استنباط الحكم الشرعي سيأتي ناقصاً. والجدير بالذكر أنّ أكثر الفتاوى في هذا الباب قد افترضت إمكان تغيير الجنس، ثمّ حكمت بجواز العملية بناءً على ذلك الافتراض؛ غير أنّه ينبغي قبل ذلك دراسة إمكانية الأمر بدقّة من جهة الموضوع.
أهمية هذه الموضوعشناسية تكمن في أنّ متلقّي الفتوى ليس بالضرورة على دراية بالمصطلحات الفقهية؛ فقد يرد في الفتوى: «في فرض إمكان تغيير الجنس يُحكم بالجواز»، بينما «تغيير الجنس» في الاصطلاح الفقهي له معنى، وفي نظر الطبيب المتخصّص له معنى آخر؛ ممّا يعرّض الفتوى لسوء الفهم أو الاستغلال.
الجنس موضوع يندرج تحت اختصاص علوم متعدّدة كعلم الوراثة، وعلم الأحياء، والفيزيولوجيا، وعلم النفس، والطب النفسي. وتختلف آراء أهل الاختصاص في هذه العلوم، وقد تتعارض أو تتداخل أحياناً؛ لكنّ المعيار في استنباط الأحكام الشرعية هو فهم العرف العام – لا العرف الخاص – أي العرف الذي يلتفت إلى الدقائق والتفاصيل والتمييزات.
كما يُطرح بحث آخر: هل الجنس من الموضوعات المستنبَطة التي يتعيّن على الفقیه تشخيصها، أم من الموضوعات العرفية التي يرجع تشخيصها إلى العرف؟ والأقرب أنّ الجنس ليس من الموضوعات المستنبَطة شرعاً؛ إذ كان موجوداً قبل ورود الشرع، وليس مخلوقاً له؛ فهو إذن من الموضوعات العرفية. والشاهد أنّ في عصر الشارع وقبله كان هناك أفراد لا يُعدّون ذكوراً ولا إناثاً، وقد شرّع الشارع أحكاماً خاصّة بالخنثى.
والثابت في الشرع أنّه لا يُعترف بجنس ثالث؛ إذ يلحق الشارع الخنثى دائماً بأحد الجنسين: الذكر أو الأنثى، ولا يُقرّ بوجود جنس ثالث مستقل. وهذا تدخّل من الشارع في الموضوعات العرفية، وله أمثلة أخرى في الفقه.
والخنثى هو من تكون هويّته الجنسية مخالفة لأعضائه الظاهرة؛ كأن تكون أعضاؤه أنثوية لكن ميوله ذكورية، أو العكس. وفي الوقت الراهن، وبعد استيفاء الشروط القانونية، يتيسّر لهؤلاء إجراء الجراحة وتطابق الجنس. لكن ينبغي ملاحظة أنّ ما يحدث ليس «تغيير الجنس» بل «تطابق الجنس». وحتى المصطلح الإنجليزي المقابل ليس تغييراً، بل تأكيداً أو مواءمة للجنس؛ إذ يُعدّل الفرد أعضاءه لتتطابق مع هويّته الجنسية. وثمرة ذلك رضا الفرد بسبب هذا التوافق بين بدنه وهويّته وميوله.
أمّا الحكم بالجواز فقهيّاً، فمع عدم وجود محذور أوّلي ظاهري، يبقى السؤال: هل يبقى الجواز بعد تطبيق العناوين الثانوية كالحرج والمشقّة؟
قد يُجاب: إنّ الشخص المعني لا يجد حرجاً بل يشعر برضا كبير. لكن يلزم التحقّق من استمرار هذا الرضا على المدى الطويل. فمثلاً: إذا قامت امرأة بتغيير جنسها واكتسبت أعضاء ذكورية ثمّ تزوّجت امرأة أخرى، مع عدم إمكانية الانتصاب والجماع، هل يستمرّ الرضا وعدم الحرج؟ وهل ترضى الزوجة بالعيش معه دون حرج عليها؟ لذا فإنّ إطلاق الحكم بجواز تغيير الجنس أمر غير ميسّر ببساطة.
