بحسب موقع الإعلام لمعهد دراسات الفقه المعاصر، طرحت مجموعة مبادئ فقه الحقوق والواجبات المواطنية في الجلسة العلمية التاسعة والسبعين بعد المئتين مسألة «إمكانية المواطنة الإسلامية»؛ وقد قدمها حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي شريفي -أمين مجمع بحوث الفقه السياسي والحكومة بالمعهد-، ونقدها حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حسين جوان آراسته -عضو هيئة التدريس بالمعهد التابع للحوزة والجامعة-.
عُقدت الجلسة في سياق تحول علاقة «الفقه السياسي» بدول الأمة الحديثة، وكيفية تبرير أو نقد الواقع القائم في البلدان الإسلامية، إلى تحدٍ نظري بارز في أدبيات الفقه السياسي المعاصر.
إمكانية المواطنة في الإسلام (۲) الفجوة بين النظرية الفقهية وواقع الدول الإسلامية
بدأ الدكتور شريفي حديثه بطرح قضية جوهرية: «يبدو أن واقع المواطنة في البلدان الإسلامية قد تباعد عن النظريات المدنية، لا سيما تلك ذات الأساس الفقهي».
أكد أن الأدبيات الفقهية تحمل تصوراً محدداً للمجتمع الإسلامي، غير أن الواقع يقدّم مجموعة دول أمم متعددة، لكل منها نظام مواطنة مستقل ومتباين.
وأوضح أن السؤال الأساسي هو: هل يُعترف في الإسلام أصلاً بـ«مجتمع سياسي»، أم أن المجتمع «إيماني» فحسب؟ وقال: «إن اعتبرنا المجتمع الإسلامي غير سياسي بل إيمانياً فقط، فإن طرح «المواطنة الإسلامية» يصبح موضع تساؤل جذري، إذ تعني المواطنة العضوية في المجتمع السياسي»، ومن هنا يمكن رسم أربعة نماذج لها.
النماذج الأربعة المقترحة للمواطنة الإسلامية
۱. المواطنة المدينة المركزية (مستلهمة من ميثاق المدينة)
قُدّم النموذج الأول بوصفه «المواطنة المدينة المركزية»، مستنداً إلى تجربة المدينة وميثاقها التاريخي. أشار شريفي إلى أن بعض الباحثين يرون في مواطنة المدينة تطويراً للمواطنة اليونانية القديمة.
لكنه أشار إلى فارق جوهري: كانت دولة المدينة اليونانية قائمة على الديمقراطية، بينما كُتب ميثاق المدينة بيد النبي ﷺ وقُبل من اليهود قبولاً مفروضاً. هذا الفارق يُصعّب قياس دول الأمة الحديثة على نموذج المدينة.
۲. المواطنة المدنية (الاتفاق على المبادئ المشتركة وقبول التنوع)
النموذج الثاني هو «المواطنة المدنية» الذي طرحه بعض المعاصرين ككانسيدن في كتابه «التعددية الدينية والمواطنة في الإسلام».
تقوم على الاتفاق على مبادئ مشتركة وقبول التنوع، مقابل النموذجين القومي والثقافي. ويشهد تاريخ الإسلام على اعتراف المسلمين باليهود والمسيحيين والزرادشتيين ودعمهم دون إكراه على تغيير الدين، وهو ما يمكن اعتباره نمطاً مدنياً للمواطنة.
غير أن الدكتور شريفي لفت إلى أن العضوية السياسية الكاملة لغير المسلمين في الدول الإسلامية المعاصرة لا تزال محل نقاش وتختلف عن التجربة التاريخية.
۳. المواطنة الإيمانية (النموذج الفقهي السائد)
النموذج الثالث هو «المواطنة الإيمانية»؛ القراءة الغالبة في الفقه الإسلامي.
فيها يكون الإقليم سيالاً: كل منطقة يقوم فيها الحكم الإسلامي تُعد دار إسلام. يُعتبر المسلمون مواطنين من الدرجة الأولى، وأهل الذمة من الدرجة الثانية، مع تقييد حقوق غير المسلمين السياسية. يستند هذا النموذج إلى نظرية الخلافة عند أهل السنة وبعض قراءات ولاية الفقيه عند الشيعة.
۴. المواطنة الوطنية (تحدي دول الأمة الحديثة)
النموذج الرابع هو «المواطنة الوطنية» المستندة إلى هوية دول الأمة الحديثة، والتي تسود اليوم في أكثر من خمسين بلداً إسلامياً.
ترى نظرية الخلافة السائدة عند أهل السنة تقسيم البلدان الإسلامية نتاجاً سلبياً للاستعمار، وتؤكد وحدة الأرض والحكم. أما في القراءة الشيعية فيُفترض وحدة حكم الإمام على سائر البلاد الإسلامية، ويحتاج التعدد الدولي إلى تبرير فقهي.
أشار إلى محاولات حل التعارض كـ«الملكية المشاعة» لآية الله الحائري، وآراء آية الله مصباح في تعدد ولي الفقيه في عصر الغيبة، لكنها تواجه إشكاليات ولم تحسم المسألة بعد.
ثلاث تحديات رئيسية أمام شرعية المواطنة الوطنية
عدّد مقدم الجلسة ثلاث تحديات جوهرية:
- عدم توافق وحدة الأرض والحكم مع النظريات الكلاسيكية للخلافة والإمامة.
- تفاوت حقوق المسلمين بين الدول الإسلامية المختلفة.
- المساواة في معاملة غير المسلمين في الدول الحديثة مقابل الفروق الفقهية الكلاسيكية.
أكد أن شرعية المواطنة الوطنية مرهونة بحل هذه التحديات نظرياً، وإلا بقي الشق بين الفقه السياسي وواقع الدول الإسلامية.
استمرار الجلسة ومداخلات الناقد
قدّم الناقد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور حسين جوان آراسته مداخلات تكميلية ونقدية، مؤكداً ضرورة إعادة قراءة دقيقة لمفاهيم «الملة»، «الأمة»، «التابعية» و«المواطنة».
التأكيد على البدء من أركان الدولة
شدد على أهمية الدقة المنهجية، وقال إن دراسة المواطنة ينبغي أن تبدأ من أركان الدولة (الشعب، الإقليم، الحكم)، إذ ترتبط المواطنة بركن الشعب أساساً.
رفض تساوي المواطنة بالمساواة المطلقة في الحقوق، مشيراً إلى وجود فروق حتى في الدول الحديثة بين المواطنة الأصلية والمكتسبة.
الفصل المفهومي بين «الملة» و«الأمة»
اقترح الفصل المفهومي مع التكامل الهيكلي: «الأمة» مركبة من بعد إيماني (الأمة الإسلامية) وبعد تعاقدي (غير المسلمين بعقد الذمة). التابعية في الدول الحديثة سياسية تعاقدية، ويمكن توسيع مفهوم الملة في الدولة الإسلامية دون تعارض شرعي.
نموذج المواطنة المتطور وفكرة الأمة الإسلامية
استلهم من تجارب كالاتحاد الأوروبي إمكانية تطور المواطنة إلى مستوى فوق وطني، وأن «الأمة الإسلامية» يمكن أن تلهم تكاملاً مماثلاً رغم قيود القانون الدولي. استند إلى المادة ۱۱ من الدستور الإيراني التي تجمع بين قبول الدولة الوطنية وهدف وحدة الأمة.
إمكانية المواطنة في الإسلام (۴) ضرورة التحليل المفهومي للمواطنة والأمة
أكد الأستاذ رهایی على توضيح المقصود من «المواطنة» من بين النظريات المعاصرة، وعلى ضرورة تحليل علاقتها بـ«الأمة» و«الولاية» و«الميثاق» دون تقابل بين الأمة والملة.
إعادة قراءة ميثاق المدينة والفصل بين العصور
شدد على الفصل بين فقه ما قبل وبعد الميثاق، إذ إن بعض أحكام الجزية والذمة نتاج ظروف لاحقة. استند إلى آية الأنفال (۷۲) للدلالة على مستويات مختلفة من الولاية في صدر الإسلام، مما يفيد في تحليل المواطنة.
إمكانية المواطنة في الإسلام (۵) التردد في استقلال «حقوق المواطنة»
شكك الأستاذ دانشپژوه في استقلال فرع «حقوق المواطنة»، معتبراً إياه مجموعة حقوق داخلية وليس فرعاً مستقلاً. أكد الفصل بين «التابعية» (العضوية) و«المواطنة» (درجة المشاركة السياسية).
الختام
أثنى الدكتور شريفي على النقود، موضحاً أن ضيق الوقت حال دون التفصيل، وأن النسخة المكتوبة تتناول تعريف المواطنة وأقسامها وعلاقتها بالأمة.
أكد أن الهدف إعادة تعريف المواطنة الحديثة في إطار النظرية الإسلامية، لا إنكارها.
انتهت الجلسة بالتأكيد على استمرار الحوار العلمي وترحيب الحاضرين بتعميق البحث المفهومي والتاريخي.
مسألة مفتوحة في الفقه السياسي المعاصر
أظهرت الجلسة أن المواطنة نقطة حساسة في علاقة الدين بالحكم والأرض والهوية في العالم الإسلامي المعاصر، ممتدة من ميثاق المدينة إلى دول الأمة اليوم.
الحوارات النقدية تؤكد أن الإجابة على «هل يمكن صياغة مواطنة إسلامية في إطار الدول الوطنية الحالية؟» تحتاج إلى إعادة نظر نظري عميق وحوار مستمر بين التراث الفقهي والواقع السياسي المعاصر.

