نظرة إلى كتاب «نقد أسس الفقه وعلم الكلام»؛

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/14

كتاب «نقد أسس الفقه وعلم الكلام»، لمؤلفه محمد مجتهد شبستري، مجموعة من محاضرات الكاتب ومقالاته وحواراته، يتناول فيها بالنقد أصول الفقه وعلم الكلام الإسلامي. ويسعى شبستري، الذي يُعدّ من المفكرين الدينيين التجديديين، في هذا الكتاب إلى تحدّي المناهج التقليدية في الفقه واللاهوت الإسلامي، وإعادة قراءتها وفق مقاربة هرمنيوطيقية حديثة.

إشارة: يُعدّ محمد مجتهد شبستري أحد أبرز المثقفين في البلاد خلال السنوات الأخيرة. وقد أفضى تجاوزه لعلم الفقه وبعض مصادر هذا العلم إلى إيجاد حدّ فاصل واضح بينه وبين المجددين الدينيين الذين يسعون إلى التوصل إلى مقولات جديدة في العلوم الإسلامية ضمن إطار الشريعة. ومن أهم كتبه «نقد أسس الفقه وعلم الكلام»، الذي صدر عام ٢٠١٧م في ٦٨٩ صفحة. ويعبّر هذا الكتاب، الذي جاء حصيلة محاضرات ومقالات وحوارات عديدة للمؤلف، في حقيقته عن رؤيته إلى مجمل العلوم الإسلامية. ويرى المؤلف في هذا الكتاب أنّ دور الفقه في العلوم الإسلامية وإدارة حياة الإنسان دور محدود في حدّه الأدنى. وبهذه المناسبة، نضع بين أيديكم تقريرًا موجزًا عن هذا الكتاب:

المقدمة

كتاب «نقد أسس الفقه وعلم الكلام»، لمؤلفه محمد مجتهد شبستري، مجموعة من محاضرات الكاتب ومقالاته وحواراته، يتناول فيها بالنقد أصول الفقه وعلم الكلام الإسلامي. ويسعى شبستري، الذي يُعدّ من المثقفين الدينيين، في هذا الكتاب إلى تحدّي المناهج التقليدية في الفقه واللاهوت الإسلامي، وإعادة قراءتها وفق مقاربة هرمنيوطيقية حديثة.

الموضوعات الرئيسة للكتاب هي:

إعادة تعريف المفاهيم الدينية، مثل الله والعدالة وحقوق الإنسان والتديّن؛
دراسة أوجه تعارض الفقه التقليدي مع مقتضيات العصر واقتراح إصلاحات؛
تحليل التحولات التاريخية للدين وتداعياتها في المجتمعات الحديثة؛
نقد الاستخدامات السياسية والأداتية للدين في الحكومات الإسلامية؛
تقديم الهرمنيوطيقا الجديدة بوصفها منهجًا جديدًا لفهم النصوص الدينية.

يتكوّن هذا الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسة:

المحاضرات: تتضمن آراء المؤلف في محاضرات تناولت الدين واللاهوت والعدالة وحقوق الإنسان وموضوعات أخرى.
المقالات: تتضمن تحليلات معمقة لموضوعات مثل الرجم والقصاص وحقوق الإنسان والهرمنيوطيقا الدينية والإصلاحات الفقهية.
الحوارات: تتضمن مقابلات أجاب فيها المؤلف عن الانتقادات، وقدّم تفسيرات جديدة للدين والفقه الإسلامي.

وفيما يلي ندرس كل قسم من هذه الأقسام بالتفصيل.

القسم الأول: المحاضرات

يتضمن هذا القسم عددًا من محاضرات شبستري المهمة التي ألقاها في الأوساط العلمية والدينية. وتشمل الموضوعات الرئيسة لهذه المحاضرات اسم الله، ومعنى العدالة في القرآن، وتحولات الدين، وحقوق الإنسان، ولغة الدين. وفيما يلي نستعرض بعضًا من أهم مباحث هذا القسم:

١. اسم الله وذكر الله

يحاول شبستري في هذه المحاضرة أن يبيّن أنّ مفهوم «الله» شهد على امتداد التاريخ تغيرًا وتحولًا لأسباب اجتماعية وسياسية وفلسفية. ويرى أنّ الدين التقليدي قدّم، بدلًا من تنمية الروحانية، صورة أداتية، بل ومرَضية، عن الله. ويدرس هذا الموضوع من عدة زوايا:

التصورات المختلفة عن الله: قد يظهر الله في أذهان الأشخاص المختلفين بصور متعددة: «الإله القهّار»، و«الإله الرحيم»، و«الإله المشرّع»، و«الإله المثيب والمعاقب».

الاستخدام الأداتي لله: يؤكد شبستري أنّ اسم الله استُخدم أحيانًا في تاريخ الأديان أداةً لتبرير السلطة والقمع.

المقاربة الهرمنيوطيقية لله: يقترح ألّا نفهم الله بوصفه مفهومًا ثابتًا، بل بوصفه تجربة روحية متغيرة.

٢. معنى العدالة في القرآن

يدرس شبستري في هذه المحاضرة مفهوم العدالة في القرآن وكيفية إعادة تفسيره في عالم اليوم. ويبيّن أنّ:

العدالة في القرآن مفهوم أخلاقي وإلهي أكثر من كونها نظامًا قانونيًا محددًا؛

التصورات التقليدية للعدالة في الفقه الإسلامي كانت أحيانًا ناقصة أو غير صحيحة، وهي بحاجة إلى الإصلاح؛

مواءمة العدالة القرآنية مع المفاهيم الحديثة، مثل الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، أمر ضروري من وجهة نظر المؤلف.

٣. التحولات التاريخية للدين حتى العصر الحاضر

يركّز هذا القسم على كيفية تغير مفهوم الدين على امتداد التاريخ. ويقول شبستري:

تحوّل الدين من تجربة روحية فردية إلى نظام اجتماعي وقانوني منظّم؛

كان للقائمين على الشأن الديني، من فقهاء ومتكلمين وحكام دينيين، دور كبير في تشكيل الدين على امتداد التاريخ؛

أحدثت الحداثة والعلمانية والعلم الحديث تغيرات جوهرية في فهم الدين.

٤. حقوق الإنسان وحقوق الله

تتمثل إحدى التحديات الرئيسة في المجتمعات الإسلامية في العلاقة بين حقوق الإنسان والشريعة الإسلامية. ويرى شبستري:

أنّ حقوق الإنسان تقوم على الفردية والحرية، غير أنّ بعض التفسيرات التقليدية للشريعة تقيّدهما؛

وأنّه ينبغي إيجاد مقاربات فقهية جديدة للتوفيق بين حقوق الإنسان والإسلام.

القسم الثاني: المقالات

يتضمن هذا القسم من الكتاب مقالات تحليلية ونقدية حول موضوعات مختلفة، مثل حقوق الإنسان، والعدالة، والعقوبات الإسلامية، والهرمنيوطيقا، والفقه، والدين في العالم المعاصر. ويحاول محمد مجتهد شبستري في هذه المقالات نقد التصورات التقليدية للمفاهيم الدينية والفقهية، وتقديم حلول لإعادة النظر فيها من منظور حديث.

وفيما يلي نستعرض بالتفصيل بعضًا من أهم مقالات هذا القسم:

١. رجم الإنسان باسم الله؟!

يدرس شبستري في هذه المقالة مسألة الرجم بوصفه عقوبة شرعية، ويطرح السؤال الآتي: هل أقرّ القرآن وسنة النبي هذه العقوبة فعلًا؟

ويقدّم عدة حجج مهمة لنفي مشروعية الرجم:

غياب المستندات القرآنية: لا توجد في القرآن أي إشارة إلى عقوبة الرجم. ويؤكد شبستري أنّ هذه العقوبة نشأت من التقاليد الفقهية المتأخرة، لا من النص الأصلي للقرآن.

الجذور التاريخية والثقافية للرجم: يبيّن أنّ الرجم عقوبة تعود إلى ما قبل الإسلام، وكانت تُنفّذ أيضًا في المجتمعات اليهودية والمسيحية.

التعارض مع روح العدالة الإسلامية: تتعارض عقوبة مثل الرجم مع مبادئ العدالة والرحمة التي تُعدّ من الخصائص الأساسية للدين الإسلامي.

ويقترح شبستري إعادة النظر في الأحكام الجزائية الإسلامية على ضوء ظروف الزمان والمكان، ويؤكد أنّ الإصرار على تنفيذ مثل هذه الأحكام من دون مراعاة مقتضيات المجتمع الحديث يمكن أن يؤدي إلى الظلم والعنف.

٢. صون العدالة أم حفظ حق الانتقام؟

يدرس شبستري في هذه المقالة القصاص في الفقه الإسلامي، ويطرح السؤال الآتي: هل القصاص مجرد إجراء لإقامة العدالة، أم أنّه نوع من الانتقام؟

ويبيّن، بالاستناد إلى تحليلات تاريخية وفلسفية، أنّ:

القصاص وُضع في ظل الظروف الاجتماعية للقبائل العربية قبل الإسلام، بهدف منع الحروب الدموية بين القبائل، وكان الغرض منه كبح العنف، لا إقامة العدالة الفردية.

إنّ تنفيذ القصاص في العالم الحديث بصورته التقليدية نفسها قد يؤدي إلى الظلم وزيادة العنف؛ لأنّ الأنظمة القانونية المعاصرة تقوم على إصلاح المجرمين، لا على مجرد معاقبتهم.

يتعارض القصاص مع بعض مبادئ حقوق الإنسان، مثل مبدأ الكرامة الإنسانية ومبدأ إعادة تأهيل المجرمين.

ويقترح شبستري عدم حصر الإسلام في إطار القوانين الجزائية للقرون الماضية، ويدعو إلى السعي لإقامة أنظمة قانونية أكثر عدلًا، بدلًا من التشديد على العقوبات القاسية.

٣. التحول الهرمنيوطيقي في اللاهوت الحديث

من أهم المباحث التي يطرحها شبستري في مقالاته ضرورة استخدام الهرمنيوطيقا في فهم النصوص الدينية. ويوضح في هذه المقالة ما يأتي:

ما الهرمنيوطيقا؟: الهرمنيوطيقا علم يبحث في مناهج تفسير النصوص الدينية والفلسفية، وقد شاع استخدامها اليوم في مجال اللاهوت.

ضرورة استخدام الهرمنيوطيقا في الإسلام: يبيّن شبستري أنّ التفسيرات التقليدية للدين كانت عادة مرتبطة بظروف تاريخية محددة، وأنّه ينبغي استخدام مناهج تفسيرية جديدة لفهم رسالة الدين في العالم المعاصر فهمًا أفضل.

كيف يمكن للهرمنيوطيقا أن تغيّر فهمنا للدين؟: يمكن، باستخدام المناهج الهرمنيوطيقية:

دراسة النصوص الدينية في سياقها الاجتماعي والتاريخي؛
تقديم تصورات أكثر مرونة وحداثة للمفاهيم الإسلامية؛
تحرير الفقه من الأطر التقليدية المحدودة وإعادة تعريفه بما يتناسب مع احتياجات المجتمعات المعاصرة.

٤. داعش والفقه الإسلامي

يحلّل شبستري في هذه المقالة الجذور الفقهية والكلامية للجماعات المتطرفة، مثل داعش، ويوضح كيف أنّ:

الفهوم الخاطئة للإسلام أوجدت شرعية أيديولوجية للعنف؛
الفقه التقليدي بحاجة إلى المراجعة للحد من إمكان إساءة استخدامه من قبل المتطرفين؛
الإسلام دين سلام، وينبغي تقديم تفسيرات أكثر إنسانية له.

القسم الثالث: الحوارات

يتضمن هذا القسم حوارات علمية ومقابلات مع محمد مجتهد شبستري حول موضوعات متنوعة طُرحت في كتاب «نقد أسس الفقه وعلم الكلام». ويجيب شبستري في هذه الحوارات عن أسئلة مهمة تتعلق بالفقه وعلم الكلام والتفسير الديني والعدالة وحقوق الإنسان والحرية ودور الدين في المجتمع.

ويشتمل هذا القسم من الكتاب على عدة حوارات مهمة، نستعرض كل واحد منها بالتفصيل فيما يلي.

١. الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم

يقدّم شبستري في هذا الحوار الهرمنيوطيقا بوصفها منهجًا لتفسير النصوص الدينية، ويؤكد أهميتها في إعادة قراءة الدين. ويرى أنّ:

المناهج التقليدية لتفسير القرآن والحديث لم تعد قادرة على تلبية احتياجات المجتمعات الحديثة؛
ينبغي دراسة القرآن والنصوص الدينية في ضوء الظروف التاريخية والاجتماعية لعصر نزولها؛
لا ينبغي حصر تفسير الدين في آراء الفقهاء والمفسرين التقليديين، بل ينبغي أن يشارك فيه أيضًا المتخصصون في العلوم الإنسانية وعلماء الاجتماع والفلاسفة.

ويشير إلى أنّ الهرمنيوطيقا تستطيع تغيير فهمنا للدين وإتاحة قراءات جديدة للإسلام.

٢. مسألة العدالة وعلم الفقه

يدرس شبستري في هذا الحوار العلاقة بين العدالة والفقه الإسلامي، ويطرح السؤال الآتي: هل يستطيع الفقه التقليدي أن يكون أساسًا لتحقيق العدالة في المجتمعات الحديثة؟

ويطرح عدة نقاط رئيسة:

كانت العدالة في الفقه التقليدي تعني الالتزام بالأحكام الشرعية أكثر من مراعاة الحقوق الفردية والاجتماعية؛
تتعارض الأحكام الفقهية، في كثير من الحالات، مع العدالة بمعناها الحديث، أي حقوق الإنسان والحرية والمساواة؛
ينبغي للفقه أن يتجه نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، بدلًا من التركيز على الأحكام الجزائية والعقابية.

ويقترح شبستري البحث عن سبل لمواءمة الفقه مع القيم الحديثة، بدلًا من تنفيذ الأحكام الفقهية التقليدية بالأسلوب القديم.

٣. التفسير القانوني للدستور وإنقاذ البلاد

تُعدّ كيفية تفسير القوانين على أساس الشريعة والمبادئ الديمقراطية من الموضوعات المهمة في البلدان الإسلامية. ويدرس شبستري في هذا الحوار كيفية إيجاد توازن بين الدين والحكم.

وتتمثل النقاط الرئيسة في هذا الحوار فيما يأتي:

لا ينبغي أن يُكتب الدستور استنادًا إلى التصورات التقليدية للشريعة وحدها، بل يجب أن يراعي أيضًا مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية؛
يمكن للإسلام أن يكون مصدر إلهام للتشريع، لكن لا ينبغي أن يحل محل العقلانية والمبادئ القانونية الحديثة؛
ينبغي تفسير النصوص القانونية بطريقة تراعي حقوق المواطنين، لا بطريقة تؤدي إلى التمييز والتقييد.

ويؤكد شبستري أنّ إقامة مجتمع عادل وديمقراطي لا تتحقق إلا من خلال تفسير قانوني وعقلاني للقوانين الإسلامية.

٤. التحول الهرمنيوطيقي في اللاهوت الحديث

يدرس شبستري في هذا الحوار التحولات الفكرية في اللاهوت الحديث، ويوضح كيف تجاوز المفكرون الدينيون التفسيرات التقليدية واتجهوا نحو مناهج أحدث.

ويعرض ثلاث مراحل مهمة في اللاهوت الإسلامي:

المرحلة الكلاسيكية: كانت النصوص الدينية تُفسَّر فيها تفسيرًا حرفيًا.
المرحلة الفلسفية والكلامية: حاول المفكرون المسلمون فيها إيجاد توافق بين الدين والعقل.
المرحلة الهرمنيوطيقية: استعانت فيها عملية فهم النصوص الدينية بالمناهج التفسيرية الحديثة والعلوم الإنسانية.

ويخلص شبستري إلى أنّ الحفاظ على الدين في العالم الحديث يستلزم استخدام المناهج الهرمنيوطيقية والابتعاد عن الفهوم الفقهية المتشددة.

٥. دور الدين في العالم الحديث

يتناول شبستري في هذا الحوار تحديات الدين في العصر الحديث، ويطرح السؤال الآتي: هل ما زال الدين قادرًا على الاضطلاع بدور مهم في حياة البشر؟

النقاط الرئيسة في هذا الحوار:

ينبغي للدين في العالم الحديث أن يركّز على الروحانية والأخلاق أكثر من تركيزه على الأحكام الجزائية والفقهية.

ينبغي فصل دور الدين عن الحكم لضمان الحريات الفردية.

يمكن للدين أن يكون مصدر إلهام للقيم الإنسانية، لكن لا ينبغي أن يكون أداة للقمع والضبط الاجتماعي.

ويقترح شبستري أن تحل المقاربات الروحية والإنسانية للدين محل التصورات التقليدية والمتشددة.

نتائج الكتاب

يُعدّ كتاب «نقد أسس الفقه وعلم الكلام» أحد أهم مؤلفات محمد مجتهد شبستري، وقد تناول فيه تحديات الفقه وعلم الكلام والتفسير الديني من منظور حديث.

وتتمثل النتائج الرئيسة للكتاب فيما يأتي:

ضرورة إعادة النظر في الفقه وعلم الكلام الإسلامي:

لم يعد الفقه وعلم الكلام التقليديان قادرين على تلبية احتياجات عالم اليوم، وينبغي الاهتمام بمفاهيم مثل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، بدلًا من الأحكام الجزائية المتشددة.

أهمية الهرمنيوطيقا في تفسير الدين:

لم تعد مناهج التفسير التقليدية فعّالة، وينبغي الاستعانة بالعلوم الإنسانية والفلسفة لفهم النصوص الدينية فهمًا أفضل.

مكانة الدين في العالم الحديث:

لا ينبغي أن يكون الدين أداة للحكم والسياسة، وينبغي التشديد على قيم الدين الأخلاقية والروحية، بدلًا من التركيز على الأحكام الفقهية.

ضرورة إصلاح القوانين في البلدان الإسلامية:

لا ينبغي أن يقوم التشريع على التفسيرات التقليدية للدين وحدها، بل يجب إيجاد توازن بين الشريعة والمبادئ الديمقراطية.