إشارة: قلّما تناولت المواد التي كُتبت في هذه الأيام عن قائد الأمة الشهيد جوانبه العلمية، ولا سيما الفقهية، مع أنّ جهوده في مجال الفقه، وبخاصة الفقه المعاصر، كانت من أهم ميادين حياته العلمية. وبهذه المناسبة، ألقى حجة الإسلام والمسلمين مصطفى دُرّي، نائب رئيس معهد دراسات الفقه المعاصر، في مذكرة خاصة، نظرة موجزة على خصائص هذا الفقيه الشهيد في علم الفقه. وفيما يلي نص هذه المذكرة الخاصة:
كان الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي، على غرار سلفه آية الله الخميني، من الفقهاء الوحيدين الذين أتيحت لهم في تاريخ الفقه الشيعي فرصة حكم دولة إسلامية. نعم، كان للفقهاء الشيعة تاريخ في الحكم الرسمي وغير الرسمي على المستويات الإقليمية والمحلية ومستوى المدن، بل كانوا أحيانًا يمارسون الحكم، في الظاهر، إلى جانب الملك؛ غير أنّ حكمهم لم يكن قط رسميًا وحقيقيًا وغير تشريفي، إلى أن وقعت الثورة الإسلامية في إيران.
غير أنّ تجربة حكم فقيهين شيعيين أظهرت أنّ تولّي الفقيه زمام الحكم، وإن كان يزيد من شهرته وشهرة فتاواه، ولا سيما تلك التي تنطوي على بُعدٍ حُكمي، فإنّه يجعله، بالقدر نفسه، مهجورًا من حيث الدراسة الحقيقية لأبعاده وتوجهاته الفقهية. وقد حدث ذلك في حياة آية الله الخميني؛ إذ لم تكن آراؤه تحظى بالاهتمام في الكتب ودروس البحث الخارج، أو كانت الدروس والكتب التي تتناول تلك الفتاوى والآراء تُهمَّش بتهمة كونها حكومية؛ كما حدث أيضًا في حياة خليفته آية الله الخامنئي. وكان ذلك مع أنّ فقاهة آية الله الخميني ومرجعيته كانتا قد ترسختا نسبيًا قبل الثورة الإسلامية، بل وقبل بدء نهضته ضد الحكم البهلوي؛ أمّا آية الله السيد علي الخامنئي، الذي لم تحظَ فقاهته ومرجعيته بالاهتمام إلا بعد تولّيه القيادة، فقد ازدادت حالة التهميش الفقهي في حقه. وإلى جانب هذين العاملين، أدّت السمة الأخلاقية الشخصية لهذين القائدين الراحلين للثورة، اللذين لم يُظهرا أي رغبة في الشهرة وتداول اسميهما على الألسن، ولم يسعيا قط إلى الدفاع عن مكانتهما العلمية والفقهية، إلى زيادة تهميشهما فقهيًا.
تسعى هذه المذكرة إلى إلقاء نظرة موجزة وعابرة على المنهج الفقهي لآية الله الخامنئي، ولا سيما في مجال الفقه المعاصر، من دون النظر إلى الأبعاد السياسية والحُكمية لشخصيته.
وما هو متاح من الجهود الفقهية لهذا الفقيه الشهيد يعود بعضه إلى الروايات الشفهية لتلامذته إبّان تدريسه السطوح العليا في الحوزة العلمية بمدينة مشهد، فيما يتمثل بعضه الآخر في الكتب المستقاة من دروس بحثه الخارج، وكذلك في خطاباته خلال لقاءاته بالفقهاء وطلاب العلوم الدينية وشرائح الشعب المختلفة.
الاهتمام بالفقه المعاصر: وفقًا لروايات تلامذة دروس المكاسب التي كان يلقيها آية الله الخامنئي في الحوزة العلمية بمدينة مشهد، وكذلك عدد من المؤلفات التي دوّنت ذكرياته قبل الثورة الإسلامية، كان يبدي، أثناء تدريسه دروس السطوح العليا، اهتمامًا بالغًا بالتطبيقات المستحدثة لهذه الفروع، ولا سيما في مجال الحكم. ويبدو أنّ هذا المنهج لديه كان متأثرًا بأستاذه آية الله الخميني. وبعد وقوع الثورة الإسلامية وتولّيه مسؤوليات متعددة، لم تتح لهذا الأمر فرصة كبيرة للظهور، إلى أن تولّى القيادة عام ١٤١٠هـ؛ إذ شدّد مرارًا وتكرارًا في خطاباته، ولا سيما أمام طلاب الحوزات العلمية وأساتذتها، على ضرورة استجابة الحوزات العلمية، بصورة علمية وفورية، للتحديات الفقهية التي تواجه الحكم والعالم. وفي الوقت نفسه، لم يتناول في درس بحثه الخارج، الذي أسّسه في مطلع تسعينيات القرن العشرين، الموضوعات القديمة في علم الفقه قط، بل بحث موضوعات جديدة، مثل «الصابئة» و«الغناء والموسيقى» و«الجهاد» وما شابه ذلك. وقد جعل تشجيعه الدائم طلاب الحوزات وأساتذتها على تناول الموضوعات الفقهية المعاصرة، إلى جانب تقديره للجهود الفقهية المبذولة في القضايا المعاصرة، واحدًا من أكثر المدافعين عن الفقه المعاصر جديةً وريادةً بين الفقهاء الشيعة. كما قدّم دعمًا جادًا لعقد مؤتمرات رصينة ومهمة في موضوعات معاصرة بارزة، مثل «فقه الطاقة النووية» و«فقه الفن»، وأشاد، خلال لقائه بالقائمين على هذه المؤتمرات، بجهودهم وشجّعهم على مواصلة هذا المسار.
الاهتمام بالفقاهة المعاصرة: لم يغفل آية الله الخامنئي قط، إلى جانب تأكيده ضرورة الاهتمام بالفقه المعاصر، عن الفقاهة المعاصرة أيضًا. فعلى الرغم من تأكيده الدائم الفقه الجواهري والانضباط الفقهي، لم يفهم الفقه الجواهري قط بمعنى عدم إعادة قراءة المناهج والأدلة الفقهية. وكان الاهتمام الجاد بالقرآن الكريم، والتعرّف الدقيق والعلمي على الموضوع، والدراسة التاريخية لظروف نشوء الموضوع وصدور النصوص، والاهتمام بفتاوى المتقدمين وعدم الاكتفاء بالكتب الفقهية للمتأخرين، واعتماد مناهج جديدة في علم الرجال، ومراعاة متطلبات الحكم الديني في الفتوى، إلى جانب الالتفات إلى تداعيات الفتوى والمقاصد العليا للشريعة، من أهم أبعاد فقاهته.
محورية القرآن: مع أنّ آية الله الشهيد كان مأنوسًا بالقرآن منذ طفولته، وأنّ تلاوة والدته اليومية للقرآن، بحسب تعبيره، بلورت في نفسه حب القرآن، فإنّ هذا الشغف بالأنس مع القرآن لم يقتصر على تلاوته وإقامة جلسات منتظمة للأنس بالقرآن خلال شهر رمضان؛ بل تجلّى الاهتمام بآيات القرآن في جهوده الفقهية أيضًا. ولعلّ بالإمكان اعتبار اهتمامه بالقرآن في دروسه ومؤلفاته الفقهية واحدًا من أكثر المناهج الفقهية علميةً ودقةً في إدخال القرآن ضمن عملية استنباط الحكم؛ وهو منهج لم يكتفِ بمجرد ذكر آيات القرآن في مستهل المباحث الفقهية من باب التيمن والتبرك، ولم يتجاهل التراث الحديثي من خلال «إظهار» اهتمام جاد بالقرآن. فقد كان يرى القرآن دليلًا لفهم الأحاديث، والأحاديث مفسّرة لآيات القرآن. ويتجلّى ذلك بوضوح في بعض فتاواه المهمة، مثل فتوى حرمة الغناء في حال الإضلال، المستفادة من الآية الشريفة من القرآن.
الاهتمام بمعرفة الموضوع: إنّ ضرورة معرفة الموضوع بدقة، ولا سيما في القضايا المستحدثة، أمر يؤكد عليه كثير من الفقهاء وأساتذة الحوزة منذ سنوات؛ غير أنّ كثيرًا منهم يحصرونه في مجرد مطالعة المؤلفات المتخصصة في معرفة ذلك الموضوع، ولا يتجاوزونها. أمّا آية الله الشهيد، فإضافة إلى ذلك، كان يعقد لقاءات مستمرة مع المتخصصين في علوم مختلفة، مثل الاقتصاد والأسرة والسياسة والعلوم والتكنولوجيا والفن والإعلام، وهو ما كان يتيح له رؤية دقيقة وواضحة للموضوعات الفقهية.
كما كان نطاق مطالعاته الواسع، الذي شمل كتبًا علمية وقصصية وتخصصية متنوعة، يساعده كثيرًا على فهم الموضوعات.
ولكن لعلّ أهم إجراء اتخذه في هذا المجال كان تأسيس «مؤسسة معرفة موضوعات الأحكام الفقهية»؛ وهي مؤسسة أنجزت بصورة تخصصية بحوثًا كثيرة حول موضوعات فقهية متنوعة، ونشرتها في صورة كتب ومقالات.
ترشيق الفقه والابتعاد عن العلوم قليلة الجدوى: يبدو أنّ حياة آية الله الخامنئي العلمية شهدت مسعى واضحًا للابتعاد عن العلوم قليلة الثمرة، سواء في نطاق حياته الشخصية أم في نطاق إدارته للشأن العلمي. وتُعدّ تصريحاته المتكررة بشأن ترشيق السنوات الدراسية والكتب والدروس الحوزوية، وتنبيهه إلى تضخم علم أصول الفقه، وتحذيره جماعة مدرسي الحوزة من حذف العرفان النظري من الدروس الحوزوية، وعدم تدريسه البحث الخارج في الأصول واكتفاؤه بتدريس البحث الخارج في الفقه، من مؤشرات هذا المنهج في حياته الفقهية. وكان يؤكد مرارًا، خلال لقائه بأساتذة الحوزة وطلابها، التهجّد والإخلاص ومرافقة الزوجة والجدية في تحصيل العلم وغير ذلك؛ غير أنّه لم يشجّع قط على الدروس غير الضرورية والعلوم المتضخمة والسنوات الدراسية الطويلة، بل حذّر منها أيضًا.
الإخلاص العلمي: من الأمور التي لم تحظَ باهتمام صريح ضمن أدلة علم الفقه، غير أنّها طُرحت في كلمات بعض الفقهاء، مثل الوحيد البهبهاني، بوصفها شرطًا للاجتهاد، الإخلاص العلمي. وهناك شواهد كثيرة على تحلّي هذا الفقيه الشهيد به في أعلى درجاته؛ منها أنّه لم يتصدَّ قط للرد على الاتهام المطوّل له بعدم الاجتهاد والفقاهة. وكان يذكر الفقهاء دائمًا بالتكريم في المباحث العلمية، ولم يُرَ قط ساخرًا من فقيه، تلميحًا أو تصريحًا، بسبب فتوى أو نظرية. ولم يبذل أي مسعى من أجل مرجعيته، بل واجهها بجدية طوال عقود، وقاوم طباعة رسالته العملية. ولم يذكر قط مؤلفًا من مؤلفاته بالإشادة، ولم يصف أحدًا بأنّه تلميذه. وكان يتحلّى بتواضع خاص ونادر تجاه أساتذته، ولا سيما الإمام الخميني. ولم يُرَ قط واصفًا نفسه بالفقيه أو المجتهد أو العالم، بل حتى بالخبير في علم الفقه، وكان شديد المواظبة على هذا التواضع العلمي. وكانت شهادته آخر علامة وشاهد على حياة حافلة بالإخلاص عاشها هذا الفقيه الحكيم.
