مجتبى خندان

البحث الفقهي في الخلايا الجذعية/12

إن تكنولوجيا الخلايا الجذعية، وإن كانت تبشر بعلاجات ثورية، إلا أنها واجهت التخوم الأخلاقية والفقهية التقليدية بالتحدي. وفي حين أن استخدام الخلايا الجذعية البالغة (ASCs) حظي إلى حد كبير بالقبول في الإطار الفقهي، فإن المسألة الرئيسية تتركز حول المنشأ الجنيني (ESCs) الذي يتعارض مع حكم حرمة إتلاف النفس.

إشارة: تطور استخدام الخلايا الجذعية ونما في العلوم الطبية بسرعة فائقة، إلى درجة أخذت تنكشف معها أبعاد جديدة له كل يوم. وقد بلغ هذا الأمر حداً لم يعد فيه الإنسان يتوهم أن كثيراً من آماله البعيدة المنال—من قبيل الخلود (عدم الفناء) والبقاء شاباً—أمرٌ مستحيل. غير أن التقدم المتزايد في استخدام الخلايا الجذعية أثار في الوقت ذاته أسئلة وتحديات فقهية عديدة. وفي هذا المقال الخاص، يتحدث حجة الإسلام والمسلمين الدكتور مجتبى خندان، الأستاذ والباحث في فقه الخلايا الجذعية، عن هذه التحديات:

تُعد تكنولوجيا الخلايا الجذعية واحدة من أكثر مجالات الطب التجديدي تقدماً وبعثاً للأمل في القرن الحادي والعشرين. وبفضل قدرة الخلايا الجذعية الفريدة على التمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا المتخصصة في الجسم (قدرة التجدد الذاتي والتعددية/الإطلاق البرمجية)، فإنها توفر إمكانات هائلة لعلاج الأمراض المزمنة والمستعصية مثل مرض باركنسون، والسكري، والقصور القلبي، وإصابات النخاع الشوكي. وتنقسم هذه الخلايا أساساً إلى ثلاث فئات رئيسية: الخلايا الجذعية البالغة[١]، والخلايا الجذعية الجنينية[٢]، والخلايا الجذعية المحثوثة المتعددة القدرات[٣].

وفي حين أن الإنجازات العلمية في هذا المجال شاسعة ومذهلة، إلا أنها أدت إلى مسائل أخلاقية وقانونية معقدة تتطلب ورود الفقه الشيعي فيها أمر ضروري. وتدور هذه التحديات معظمهما حول محور منشأ الخلايا—ولا سيما الأجنة المبكرة—والوضع القانوني لهذه الأجزاء البيولوجية البشريّة. ويُعد صوغ إطار فقهي رصين لتوجيه الاستخدام الصحيح والأخلاقي لهذه التكنولوجيا من الانشغالات الرئيسية للمجتمع العلمي والمراجع الدينيين. ويهدف هذا المقال إلى دراسة دقيقة للتحديات الفقهية الأساسية في مجال الخلايا الجذعية.

القسم الأول: التحديات الفقهية لمصدر الخلايا الجذعية

ُيعد منشأ الخلايا الجذعية العامل المحدد الأساسي لحكمها الفقهي؛ إذ يترتب على التمايز بين المصادر البالغة والجنينية والمحثوثة أحكامٌ مختلفة.

أ) الخلايا الجذعية البالغة[٤] ودم الحبل السرّي

إن الخلايا الجذعية البالغة، التي تُستخرج من الأنسجة الموجودة في جسم الفرد البالغ أو المولود الحديث (مثل نخاع العظم، أو الدهون، أو دم الحبل السري)، تواجه بشكل عام أقل قدر من التحديات الفقهية.

  • جواز الاستخراج والاستخدام: من المنظور الفقهي، يُعتبر استخراج هذه الخلايا عموماً مصداقاً لـ “التداوي والمعالجة” باستخدام أجزاء من جسم الشخص نفسه أو برضا وليّه (في حالة دم الحبل السري للمولود)، ولا إشكال فيه؛ لأن هذا الإجراء لا يستلزم إتلاف عضو رئيسي أو هتكاً شديداً للكرامة. ويؤكد الفقهاء عموماً على جواز استخدام هذه الخلايا لعلاج الشخص المتبرع نفسه أو زرعها لآخر.

  • تحديات الملكية والتجارة: يكمن التحدي الرئيسي في هذا Bخش في الجوانب القانونية والاقتصادية. فعلى الرغم من أن الخلايا تُؤخذ من جسم الإنسان، إلا أنها بعد الفصل والمعالجة والتكثير في بنوك الخلايا تنال طبيعة تجارية. وال his السؤال هنا: هل الخلايا الجذعية البالغة المُستخرجة—على الرغم من كونها ذات منشأ بشري—قابلة للبيع والشراء؟ أم أن الخدمات المتعلقة بمعالجتها وحفظها هي فقط القابلة للتعاقد؟ في الوقت الحالي، وفي الغالبية العظمى من الحالات، يتم التبادل المالي حصراً لقاء الخدمات المرتبطة بالاستخراج والمعالجة والحفظ والعلاج، لا لقاء الخلايا نفسها كسلعة.

ب) الخلايا الجذعية الجنينية[٥]

تُعتبر الخلايا الجذعية الجنينية التي يُحصل عليها من الكتلة الخلوية الداخلية[٦] للأريمة المبكرة (البلاستوسيست)[٧]، المحور الأكثر إثارة للجدل في المباحث الفقهية في هذا المجال. ويتركز التحدي الأساسي حول هذه الخلايا في مسألة حياة الجنين وزمن نفخ الروح فيه.

  • مسألة حياة الجنين وحفظ الكرامة الإنسانية: بناءً على المباني الفقهية، يمتلك الجنين البشري بعد الإخصاب حرمة شرعية، وتُعد الإجهاض العمدي له—حتى في المراحل المبكرة—منهياً عنه بشدة. ويُعتبر القضاء على الجنين لاستخراج الخلايا الجذعية من منظور كثير من الفقهاء بمثابة “إتلاف النفس” أو على الأقل “هتك كرامة” هذا الكائن الحي، حتى وإن لم يكن هذا الكائن قد وصل بعد إلى مرحلة يمكن اعتباره فيها “إنساناً كاملاً”.

  • نقطة الافتراق في فتوى الفقهاء: زمن نفخ الروح: يعتمد الحكم الفقهي للاستخراج[٨] اعتماداً شديداً على رؤية الفقيه بشأن التحديد الدقيق لزمن نفخ الروح في الجنين:

    • رأي الجواز المشروط (أولوية حفظ الحياة المحتملة): يرى بعض الفقهاء أنه وإن كان للجنين في المراحل الأولى حرمة، إلا أنه في حالة الضرورة القطعية وعلاج الأمراض المستعصية للإنسان الحي، وبشرط أن يُستفاد من الأجنة التالفة (غير المرغوب فيها أو المصابة بتشوهات شديدة)، قد يُحكم بالجواز. والنقطة المفصلية في هذا الرأي هي عدم جواز إعادة إغراس[٩] هذه الخلايا لإدامة حياة الجنين؛ لأن ذلك يؤدي إلى تضييع هدف محترم شرعاً (تطور الجنين وتكامله).

    • رأي عدم الجواز المطلق (حفظ حرمة الجنين): يعتقد كثير من مراجع التقليد أن أي استخدام يؤدي إلى إتلاف الجنين—حتى لو كان الجنين في مراحل مبكرة جداً (كالكبسولة البلاستولية/البلاستوسيست)—هو أمر محرم؛ لأن هذا الكائن هو إنسان كامل بالقوة، واستخدامه كمصدر للمواد الأولية يُعد هتكاً للكرامة الإنسانية. ويُتخذ هذا الموقف بناءً على قواعد مثل “حرمة إتلاف النفس” و”حرمة تضييع النسل”.

  • مسألة “إتلاف الجنين” في الفقه: إذا تلف الجنين بصورة طبيعية أو بسبب إجراءات طبية غير مقصودة (على سبيل المثال، الأجنة المتبقية من عمليات التلقيح الاصطناعي IVF التي تصل إلى مرحلة البلاستوسيست ولكنها غير قابلة للاستخدام في الزرع)، فإن استخدام خلاياها للعلاج يواجه تحدياً أقل مقارنة بالأجنة التي تُتلف عمداً لغرض الاستخراج. وفي الفقه، فإن الحالات التي يتم فيها إتلاف النفس عمداً لحفظ نفس أخرى تتطلب دراسة دقيقة لأدلة الضرورة والإكراه. وفي حالة الخلايا الجذعية الجنينية (ESCs)، يحدث هذا الإتلاف غالباً لتحقيق منافع علاجية، وهنا يقع تعارض مباشر بين حفظ الحياة بالقوة (الجنين) وحفظ الحياة بالفعل (المريض المحتاج للعلاج).

القسم الثاني: تحديات الحفظ في البنوك، والصيانة، وملكية الخلايا

بعد الاستخراج، تدخل الخلايا الجذعية في عمليات بيوتكنولوجية معقدة تثير مسائل الملكية والحفظ.

تحديات بنوك الخلايا الجذعية

يتضمن حفظ الخلايا في البنوك[١٠] الجمع، والمعالجة، والتجميد (الحفظ بالتجميد)، والصيانة طويلة الأمد للخلايا. ويشمل ذلك بنوك دم الحبل السرّي (ASCs) وكذلك بنوك الخلايا الجنينية (في المراكز التي تتوفر فيها إمكانية زراعة وحفظ ESCs).

والمسألة الفقهية هي: هل تُعرَّف خدمات الحفظ والبنوك تحت عنوان “حفظ الأمانة” أم “الخدمات العلاجية”؟ وإذا اعْتُبِرَت الخلايا كائناً شبه مالي، فهل تخضع عقود حفظها لأحكام الإجارة، أو الوكالة، أو العارية؟ في العرف العلمي الحالي، تُعتبر هذه الخدمات عقوداً نموذجية لحفظ العينات البيولوجية مع التزامات خاصة، والتعامل التجاري الجاري هو على “خدمات الحفظ” وليس على الخلايا نفسها كسلعة.

مسألة ملكية الخلايا

إن التحدي القانوني والفقهي الأهم في هذا المجال هو تحديد الوضع القانوني للخلايا الجذعية: هل الخلية الجذعية “جزء إنساني” أم “مال” قابل للتملك؟

  • الخلية كجزء إنساني: إذا كانت الخلية الجذعية—على الرغم من فصلها عن الجسم—تظل خاضعة للكرامة الإنسانية وللأحكام المتعلقة بأعضاء جسم الإنسان، فإن بيعها أو هبتها بالمعنى المتعارف لـ “المال” لن يكون صحيحاً. واستناداً إلى القاعدة الفقهية «لا ضَرَرَ و لا ضِرار في الإسلام»[١١] التي قال فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «في تشريع الإسلام أُزيلت أرضية الضرر، ولا يوجد حكم شرعي ضرري ولا إضراري من شخص لآخر»، فإن أي جزء مرتبط بنحوٍ ما بالشخصية الإنسانية لا يكون قابلاً للتبادل المالي.

  • الخلية كمادة بيولوجية (مال): في المقابل، تذهب بعض التحليلات إلى أنه بعد الفصل، والمعالجة، والتكثير المكثف، والتنقية، تكتسب الخلية الجذعية خصائص “المال” (قابليتها للتبادل)، ولا سيما إذا كانت خلايا محثوثة (iPSCs) أو جنينية (ESCs) فقدت أصالة ارتباطها المباشر بشخص واحد.

التبعات الفقهية للملكية

  • الإرث: إذا اعْتُبِرَت الخلايا مالاً، فإنها في حالة وفاة المالك الأول (المتبرع) تُعد جزءاً من التركة. وإذا اعْتُبِرَت جزءاً إنسانياً، فلا يجري عليها الإرث.

  • الهبة والبيع: يعتمد جواز أو عدم جواز البيع المباشر للخلايا الجذعية (ولا سيما ESCs) على الحكم المذكور أعلاه. وفي حالة عدم جواز البيع، فإن أي مبلغ يُقبض لقاء التنازل عن العينة يجب أن يُعتبر في إطار أجر الخدمة أو تعويض الجهد، لا ثمن السلعة.

وفيما يخص الخلايا الجذعية المحثوثة المتعددة القدرات (iPSCs)، التي يُحصل عليها من تحويل الخلايا البالغة (مثل خلايا الجلد) إلى حالة متعددة القدرات ثم إلى خلايا متخصصة، فإن التحديات تكون أقل؛ لأن المادة الأولية (الجلد) مملوكة للفرد، وتغيير حالة الخلية هو عملية تقنية تؤدي عادةً إلى التملك المعنوي أو الملكية على المنتج النهائي، لا بيع الخلية نفسها ككائن مرتبط بالكرامة الإنسانية.

القسم الثالث: حصيلة الفتاوى الرئيسية والمقررات الفقهية – القانونية

قدم مراجع التقليد الأعلام للشيعة في إيران والعراق، بالنظر إلى الموازين الفقهية والتقدم الطبي، آراءً متمايزة نسبياً بشأن استخدام الخلايا الجذعية، وهي الآراء التي صاغت الإطار القانوني لبلادهم.

  • فتوى القائد الأعلى (استخدام الخلايا الجنينية): تُعد فتوى القائد الأعلى (آية الله خامنئي) من أهم الفتاوى في هذا المجال، ومؤداها أن استخدام الخلايا الجذعية الجنينية (ESCs) المأخوذة من أجنة لا مالك لها (مثل بقايا أجنة التلقيح الاصطناعي IVF المقرر إتلافها) أو الأجنة المصابة بتشوهات شديدة وغير القابلة للحياة (التي يجوز إجهاضها)، إذا كان ضرورياً لعلاج أمراض مستعصية وغير قابلة للعلاج، فإنه يحظى بالجواز المشروط. وقد صدرت هذه الفتوى بناءً على قاعدة التزاحم والضرورة الطبية، مع التأكيد على أنه لا يجوز استخدام هذه الخلايا للإخصاب مجدداً أو لمقاصد غير علاجية، ولا يجوز إتلاف الأجنة السليمة عمداً لهذا الغرض.

  • آراء سائر المراجع: يركز كثير من المراجع الآخرين بدرجة أكبر على حرمة إتلاف الجنين في أي مرحلة كانت، ولا يجيزون استخدام الخلايا الجذعية الجنينية (ESCs) مطلقاُ بسبب حرمة القتل (إتلاف النفس)، إلا إذا كان مصدر الخلايا من أجنة قُطع بعدم قدرتها على البقاء حية، أو استُخدمت مصادر غير بشرية (مثل الخلايا الحيوانية المهندسة).

  • المقررات الفقهية – القانونية في إيران: سعى الإطار القانوني في إيران في مجال البحوث البيوطبية والطب التجديدي إلى وضع استخدام الخلايا الجذعية الجنينية (ESCs) تحت رقابة شديدة وفي ظروف الضرورة العلاجية، أخذًا بفتوى الجواز المشروط. وتؤكد هذه المقررات عادة على ما يلي:

    1. أولوية استخدام الخلايا البالغة (ASCs) والمحثوثة (iPSCs).

    2. تقييد استخدام الخلايا الجنينية (ESCs) حصراً بالحالات التي يؤدي عدم استخدامها فيها إلى إزهاق روح الإنسان.

    3. الحظر المطلق لبيع وشراء الخلايا الجذعية البشرية كسلعة.

النتيجة والأفق المستقبلي

إن تكنولوجيا الخلايا الجذعية، وإن كانت تبشر بعلاجات ثورية، إلا أنها واجهت التخوم الأخلاقية والفقهية التقليدية بالتحدي. وفي حين أن استخدام الخلايا الجذعية البالغة (ASCs) حظي إلى حد كبير بالقبول في الإطار الفقهي، فإن المسألة الرئيسية تتركز حول المنشأ الجنيني (ESCs) الذي يتعارض مع حكم حرمة إتلاف النفس.

وللمستقبل، يُعد التحرك نحو “الفقه الحيوي/الديناميكي” أمراً ضرورياً. ويستلزم هذا الأمر اتجاهين رئيسيين:

  1. تطوير التقنيات البديلة: الدعم الأقصى لتطوير الخلايا المحثوثة (iPSCs)، التي ترفع التحديات الأخلاقية للمنشأ الجنيني، كحل فقهي-علمي مطلوب.

  2. إعادة تعريف الوضع القانوني للخلية: إدراك أن الخلايا الجذعية بعد الفصل والتمايز والتكثير تبتعد كثيراً عن حالة “الجزء الإنساني” الحي. ويجب تقديم تعاريف أكثر دقة لـ “تملك المنافع” لهذه المواد البيولوجية في إطار الخدمات الطبية، لا الملكية المطلقة للسلعة.

وطالما تؤكد المرجعية الفقهية على حفظ الكرامة الإنسانية، فإن استخدام الخلايا الجذعية يجب أن يتم في إطار صارم من الضرورة العلاجية والابتعاد عن أي تبادل مالي مباشر على الأجزاء البشرية، ولا سيما الجنينية. ويطلب هذا المسار حواراً مستمراً بين الفقه، والأخلاق الطبية، والتكنولوجيا الحيوية؛ لضمان أن تظل الابتكارات العلمية في خدمة الأهداف السامية لحفظ الحياة الإنسانية وكرامتها.


[١] Adult Stem Cells – ASCs
[٢] Embryonic Stem Cells – ESCs
[٣] Induced Pluripotent Stem Cells – iPSCs
[٤] ASCs
[٥] Embryonic Stem Cells – ESCs
[٦] Inner Cell Mass – ICM
[٧] عادة من اليوم ٥ إلى ٧ بعد الإخصاب.
[٨] ESCs
[٩] Implantation
[١٠] Cell Banking
[١١] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ٣٣٤.