إشارة: يواجه «حق المساواة الإنسانية» عندما يدخل نطاق الفقه جملةً من التحديات. وتتجلى هذه التحديات تارةً في الأحكام المختلفة للرجال والنساء في الدية والإرث والشهادة، وتارةً أخرى في الأحكام المميزة لغير المسلمين مقارنةً بالمسلمين في النكاح والدية والتمتع بالحقوق المدنية. والآن، كيف السبيل لحل هذه التحديات؟ هل ينبغي القبول بهذه التحديات أم تغيير الأحكام الفقهية بما يتوافق مع هذا الحق العقلائي؟ يعتقد حجة الإسلام والمسلمين محمد جليلي شاهمنصوري أن هذه الأحكام المميزة لا تتنافى ذاتيًا مع حق المساواة الإنسانية. ويرى -وهو من أساتذة السطوح العالية في حوزة قم العلمية وعضو مرکز شؤون النخب فيها- أن هذه الأحكام لا تكون قابلة للتغيير إلا في حال عروض العناوين الثانوية. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” معه:
الفقه المعاصر: ما هو حق المساواة الإنسانية وما هي أبعاده؟
جليلي: إن حق المساواة الإنسانية في منظومة الفكر الفقهي لدينا والقانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية هو أصل بنيوي يؤكد على تساوي جميع الأفراد في الكرامة الذاتية، والحقوق الأساسية، وإمكانية الوصول العادل إلى الفرص، ويرفض أي تمييز جائر أو امتيازات تفتقر إلى التبرير الشرعي والعقلي.
هذا الحق يمتلك من جهة مبنى ذاتيًا–تكوينيًا مقررًا من قبل الشارع المقدس للـ «إنسان بما هو إنسان» ككرامة تكوينية؛ كما يصرح القرآن الكريم: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (الإسراء: ٧٠)، وكما يبيّن الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»، وهو ما يدل كقاعدة فقهية وأخلاقية على نفي أي امتياز قائم على العرق أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية.
ومن جهة أخرى، يمتلك هذا الحق جانبًا اعتباريًا–تعاقديًا يتجلى في قالب القواعد والقوانين الموضوعة لتنظيم علاقات المواطنين وضمان العدالة الاجتماعية. وفي القانون الأساسي، تؤكد الأصول ٣ (الفقرة ٩)، و١٩، و٢٠ على رفع التمييز الجائر، وتساوي حقوق الناس، ومساواة الرجل والمرأة في حماية القانون (مع مراعاة الموازين الإسلامية)، وهو ما يستند بدوره إلى المباني القرآنية والفقهية وسيرة العقلاء.
يمكن تحلیل أبعاد حق المساواة الإنسانية في أربعة محاور متمايزة:
الأول: المساواة في الكرامة، وهي صفة غير قابلة للسلب، وتُبيّن في الفقه بمفاهيم مثل احترام النفس المحترمة ومنع إهانة أرواح الأشخاص وأعراضهم.
الثاني: المساواة الحقوقية، بمعنى مسواة الجميع أمام القانون والجهاز القضائي، وفقًا لقاعدة «الناس سواء كأسنان المشط» وأصول القضاء الإسلامي.
الثالث: المساواة في الفرص، والتي تدل على إيجاد ظروف عادلة للوصول إلى الموارد والإمكانيات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، وتستلهم روحها من الآية الكريمة: «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ» (الحشر: ٧).
الرابع: المساواة الحمايية، بمعنى تمتع جميع الأفراد على حد سواء بحماية الدولة والمجتمع في صيانة أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، انطلاقًا من قاعدة نفي السبيل ووجوب الدفاع عن كل نفس محترمة.
ومع ذلك، فإن الفقه الإسلامي يفرق بین المساواة في الكرامة، وهي مطلقة وعامة، وبين التفاوت في بعض الأحكام الشرعية القائمة على الحكمة والمصلحة التشريعية (مثل أحكام الإرث أو الدية). وبناءً على ذلك، فإن حق المساواة الإنسانية في نظامنا الفقهي–الحقوقي هو مفهوم ثنائي الأبعاد ومعقد، يجب إعادة تعريف حدوده وضمان تطبيقه في ضوء المصادر الإسلامية الأصيلة والمقتضيات الاجتماعية المعاصرة.
الفقه المعاصر: بشكل عام، ما هي الأحكام الشرعية التي يُعتقد أنها تتنافى مع حق المساواة الإنسانية ويجب رفع اليد عنها؟
جليلي: اعتبر الناقدون أحكامًا مثل التفاوت في إرث أو دية الرجل والمرأة، والتفاوت في دية المسلم وغير المسلم، أو القيود المتعلقة بالشهادة (مثل اعتبار شهادة امرأتين مقابل رجل واحد) منافيةً لحق المساواة الإنسانية. ومع ذلك، فإن هذه الأحكام شُرّعت على أساس مصالح نوعية وحكمة تشريعية، ولا تنفي الكرامة الذاتية للإنسان. ولا يمكن رفع اليد عن هذه الأحكام إلا في حال تحقق العناوین الثانوية كـ الضرورة، أو الحرج، أو التغير الفعلي للموضوع. وبغير ذلك، تظل الأحكام المذكورة سارية وواجبة التنفيذ في إطار الشريعة، وتجتمع مع المساواة الإنسانية بمعناها الصحيح.
الفقه المعاصر: هل يمكن عدّ التفاوت في أحكام الرجل والمرأة في أمور مثل الدية والإرث والشهادة منافيًا لحق المساواة الإنسانية؟
جليلي: كما ذكرتُ، لا يمكن عدّ الفوارق الموجودة في أحكام الرجل والمرأة في مجالات كالديّة والإرث والشهادة منافيةً ذاتيًا لحق المساواة الإنسانية؛ إذ إن هذه الأحكام شُرّعت بناءً على مصالح نوعية، وحكمة تشريعية، وهيكلية العدالة التوزيعية في الشريعة، وهي ناظرة إلى التفاوت في الأدوار والمسؤوليات والظروف الاجتماعية، لا إلى تقييم وجودي للإنسان. إن حق المساواة الإنسانية في الفقه یعنی التساوي في الكرامة الذاتية والحقوق الأساسية المشروعة، ويمكنه التعايش مع الفوارق الحكيمة في الأحكام. وفقط في حال تحقق العناوين الثانوية، تبرز إمكانية تعديل هذه الأحكام أو تغييرها في إطار الاجتهاد المعتبر.
الفقه المعاصر: هل يمكن عدّ التفاوت في أحكام الكافر والمسلم في أمور مثل الدية والشهادة ووجوب دفع الجزية وغيرها منافيًا لحق المساواة الإنسانية؟
جليلي: هذا السؤال في الحقيقة تكرار للبحث السابق، وإجابته هي ما ذكُرتُه أنفًا؛ التفاوت في الأحكام بين المسلم والكافر، كالدية والشهادة والجزية، لا يتنافى ذاتيًا مع حق المساواة الإنسانية بمعناها الفقهي، وفقط في فرض تحقق العناوين الثانوية تتوفر إمكانية تعديله في إطار ونسق الاجتهاد المعتبر والحي.
