وفقًا لما أفاد به الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، عُقدت الندوة العلمية السادسة والثمانون بعد المائتين لهذا المعهد تحت عنوان «أهمية تشخيص الموضوعات الفقهية من منظار القائد الشهيد مع التأكيد على الفقه الطبي»، بحضور جمع من الأساتذة والخبراء في هذا المجال.
في مستهل هذه الندوة، رحب حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد مهدي كريمينیا، الأمين العلمي للندوة، بالحضور، مؤكدًا على أهمية وضرورة تناول موضوع الندوة.
وفي الاستمرار، استعرض حجة الإسلام والمسلمين الدكتور بيات، رئيس مؤسسة تشخيص الموضوعات، مكانة وأهمية تشخيص الموضوعات الفقهية بالاستناد إلى البيانات والوثائق المعتبرة، موضحًا: «لقد أكد قائد الثورة دوماً على الدور الحيوي لتشخيص الموضوعات في الفهم العميق للمسائل الفقهية والاستجابة لمتطلبات العصر».
ثم استعرض الدكتور بيات أربع وثائق رئيسية تعكس اهتمام قائد الثورة الخاص بتشخيص الموضوعات الفقهية:
-
المخطوطة المباركة لمعظمه عام ٢٠١١م على مشروع تأسيس مركز تشخيص الموضوعات.
-
بياناته في أحد دروس البحث الخارج حول موضوع خاص في العام نفسه (٢٠١١م).
-
بيانات معظمه خلال لقائه بكوادر مركز تشخيص الموضوعات بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠١٦م.
-
وبياناته في لقائه بكوادر المركز عام ٢٠١٨م.
وأشار حجة الإسلام والمسلمين الدكتور بيات إلى المكانة الخاصة للمباحث الطبية والصحية والغذائية في الفقه الإسلامي، عادًا هذا المجال من أوسع المجالات الفقهية وأكثرها تطبيقية، حيث يشمل الجمهورَ كافةُ شرائح المجتمع. وأبرز الفارق بين هذا المجال والعديد من أبواب الفقه الأخرى قائلاً: «إذا كان نطاق الجمهور في مباحثنا الفقهية عادةً ما يكون محدودًا (من حيث الجنس أو السن أو الزمان أو المكان أو الموقف الخاص)، فإن موضوعات الطب والصحة والتغذية تتسم بسعة كبيرة من حيث العمومية والشمول؛ فنحن منذ ولادتنا، بل وحتى قبلها وإلى آخر لحظات الحياة، نتعامل مع الموضوعات الطبية».
وأكد رئيس مؤسسة تشخيص الموضوعات أنه لا يوجد في المباحث الطبية «لا قيد للجنس، ولا للموقع الزمني، ولا المكاني، ولا أي قيد آخر للمكلف». وهذه الخصوصية تحديدًا جعلت من الموضوعات الطبية والغذائية والصحية مجالاً هامًا وذا أولوية في الفقه؛ وفي حال التوصل إلى مبانٍ منقحة في هذا المجال، يمكن اعتباره من أبرز المحاور الفقهية.
كما صرّح مشيرًا إلى المباحث الحديثة في الفقه، بأن المباحث الطبية تتمتع بغنى أكبر مقارنة بالموضوعات الأخرى، ولها مكانة «مستغنية ومحط اهتمام خاص» في مجال المسائل المستحدثة؛ بنحوٍ لا يُشاهد فيه مثل هذا الغناء في تناول المسائل الجديدة في بعض الموضوعات الأخرى.
وأضاف حجة الإسلام والمسلمين بيات: على الرغم من قرون من الجهود في سبيل تطوير الفقه، إلا أنه لا تزال هناك حاجة جادة لتشخيص الموضوعات في هذا المجال.
وقسّم الفقه إلى دورتين: القديم والمعاصر، قائلاً: «إن الفقه المعاصر، ولا سيما في تناوله للمباحث المستحدثة، يعتمد على التغيرات والتطورات الموضوعية. وفي حين ظلت الأحكام الإسلامية ثابتة، يتفاعل الفقه المعاصر مع التغيرات والتطورات في المجتمعات».
وأكد رئيس مؤسسة تشخيص الموضوعات على أن ضرورة تشخيص الموضوعات في الفقه المعاصر تُحسّ بقوة في الوقت الحاضر، ويجب إدراج هذا البحث بصورة منهجية وبدقة أكبر في جدول أعمال الفقهاء. وأشار إلى أن الفقهاء أولو اهتمامًا لتشخيص الموضوعات في مصادرهم الفقهية، غير أن قائد الثورة أشار إلى وجود فراغات في منظومة الفقه يجب معالجتها.
وشرح چالشهای الفقه المعاصر مشيرًا إلى التغيرات الأساسية في الموضوعات؛ ففي الفقه القدیم كانت الموضوعات محدودة وبسیطة، وكان ثبات نمط الحياة يمنع من وقوع تغيرات كبرى في هذا المجال. أما الآن، ومع توسع المعرفة البشرية والتغير في نمط الحياة، أصبحت الموضوعات متكثرة للغاية، ومتغيرة، ومُعقدة. فعلى سبيل المثال، كانت مسألة «الدم» بوصفه نجاسة تمتلك حكماً محددًا في القديم، أما اليوم ومع التغيرات التي طرأت على المعرفة البشرية والتفاعلات الاجتماعية، فإنها تتطلب دراسة دقيقة وشاملة.
وتابع حجة الإسلام والمسلمين بيات موضحًا أن الفقه المعاصر يواجه چالشين رئيسيين: الأول، التلاعب أو التغيير في الموضوعات القديمة، والثاني، تعقيد المسائل الجديدة مثل بحث «الموت الدماغي» الذي تحول إلى موضوع معقد ومثير للجدل. وتضاعف هذه التغيرات من ضرورة إيلاء اهتمام خاص لتشخيص الموضوعات في الفقه المعاصر، وتؤكد على أهميته في الاستجابة لمتطلبات العصر.
وتلزم هذه التحولات، الناشئة عن تغيرات نمط الحياة وتقدم المعرفة البشرية، الفقهَ بالبتّ واتخاذ القرار بشأن الموضوعات الناشئة؛ فمباحث مثل “بنك حليب الأمهات” و”دم الحبل السرّي” التي لم تكن تحظى باهتمام كبير في الماضي، اكتسبت اليوم أهمية خاصة بسبب التطبيقات الطبية والخلايا الجذعية. كما أن المباحث الطبية والصحية، مثل تغيير الجنس، تشكل نماذج كثيرة لموضوعات تتطلب عملاً دقيقاً ومنهجياً في مجال تشخيص الموضوعات.
وفي هذا الصدد، أكد قائد الثورة على لزوم صياغة إطار ومبانٍ محددة لتشخيص الموضوعات، ولا سيما فيما يتعلق بالموضوعات المستحدثة وعلاقتها بالعلوم الأخرى.
واختتم حجة الإسلام والمسلمين بيات بالشرارة إلى المنهج الاستنباطي لقائد الثورة في مواجهة الموضوعات، مضيفاً أن هناك مقالة تتم صياغتها في مركز تشخيص الموضوعات بمحورية منهج تشخيص الموضوعات لدى القائد الشهيد (رضوان الله عليه).
وفي الاستمرار، بين حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد علي قاسمي، معاون البحوث في المركز الفقهي للأئمة الأطهار (عليهم السلام)، مكانة وأهمية تشخيص الموضوعات الفقهية من منظار القائد الشهيد، قائلاً: «بناءً على بيانات قائد الثورة، لا ينبغي النظر إلى تشخيص الموضوعات بوصفه مجرد عمل هامشي أو تابع لمجال الأحكام؛ بل إن تشخيص الموضوعات الدقيق هو التمهيد والشرط اللازم للفهم الصحيح وإصدار الحكم».
واستند معاون البحوث في المركز الفقهي للأئمة الأطهار (عليهم السلام) إلى الاقتباسات الواضحة من لقاءات القائد الشهيد بكوادر مركز تشخيص الموضوعات، موضحًا أنه صرّح قائلاً: «لا ينبغي القول هنا إن هذا موضوع وإن الحوزة تُعنى بالأحكام فلا حاجة لنا به. كلا، بل إننا بحاجة ماسة إليه».
وأوضح حجة الإسلام والمسلمين قاسمي أنه وفقاً لهذا التوجيه، يجب أن يتمتع الشخص المتكفل بتشخيص الموضوعات برصيد علمي مناسب، مضيفاً: «يؤكد القائد الشهيد على هذه النقطة وهي أن تشخيص الموضوعات المرتبط بالفقه يتطلب “فضلاً حوزوياً”؛ أي شخصاً يمتلك إشرافاً تخصصياً على الموضوع وفي الوقت نفسه يستطيع تحديد العقد الفقهية فيه بدقة».
ولإيقاح هذا المعنى، ضرب مثالاً بالموضوعات الطبية، موضحاً أن الأطباء يقدمون أحياناً معلومات علمية فحسب، لكن المهم في تشخيص الموضوعات الفقهية هو الصياغة الفقهية للمسألة والتحديد الدقيق لمحل النزاع والعقد الحكمية. وفي هذا السياق، أشار الدكتور قاسمي إلى أمثلة مثل التلقيح الاصطناعي، وإهداء الأجنة، والتبرع بالأعضاء قائلاً: «قد ينجح الطبيب العادي في بيان الأصل العلمي للموضوع، لكن الطبيب الذي يمتلك فضلاً حوزوياً يستطيع بصورة أفضل تسليط الضوء على نسبة هذه الموضوعات بالمباحث الفقهية وكيفية صياغتها».
ولفت معاون البحوث في المركز الفقهي للأئمة الأطهار (عليهم السلام) إلى أن هذه الفهومات تستند إلى كلمات القائد الشهيد خلال لقاءاته بكوادر مركز تشخيص الموضوعات، وتظهر أن تشخيص الموضوعات يُعدّ من الأركان الجادة للفهم الفقهي والإجابة على المسائل الجديدة.
وأشار في الاستمرار إلى مسألة تغيير الجنس، مؤكداً أن هذا الموضوع اكتسب أهمية مضاعفة لا سيما بالنظر إلى التحولات الاجتماعية والعلمية. وكان قائد الثورة في البداية وقبل أن تتأزم هذه المباحث، يعمل في إجاباته على الاستفتائات وفق فتوى الإمام الخميني. وأشار إلى أنه في الفتوى الأولية، أعلن قائد الثورة: «لا إشكال في العملية الجراحية المذكورة لكشف واقعهم الجنسي وإظهاره»، طبعاً بشرط ألا تستلزم فعلاً محرماً.
وفي استمرار الندوة، أكد آية الله القائني على أهمية «تشخيص الموضوعات» في كافة العلوم، ولا سيما الفقه، مبيّناً أن المعرفة الدقيقة بالموضوع قبل إصدار الحكم أو الخوض في البحث تحول دون وقوع الإشكاليات وتشويش الأذهان العامة وزيادة تعقيد المسائل. وتجري هذه القاعدة في الفلسفة والعرفان والكلام والتفسير والأصول ولا تقتصر على الفقه.
وذكر آية الله القائني في كلمته أمثلةً موضحاً أن العديد من الخلافات العلمية تعود إلى غياب تعريف موحد ومعياري للمفاهيم. وأضاف: كان لبعض المراجع فتوى واحدة في موضوع معين، لكن بعد سفر الحج (على الرغم من تدريسهم لأحكام الحج طويلاً دون الذهاب إلى مكة بأنفسهم سابقاً) أو بعد سفر علاجي إلى دول مثل إنجلترا، تغير رأيهم. ولم يكن هذا التغير في الفتاوى بسب تغير في مصادر الكتاب والسنة، بل بسبب التحول في الانطباعات والتوقعات الاستنتاجية التي كوّنوها حول الموضوعات والعلاقة بين الموضوع والحكم. ونتيجة لذلك، ثبتت هذه النقطة وهي أن نطاق الحقائق أوسع بكثير مما كان يُتوقع سابقاً.
وفي ختام هذه الندوة العلمية، أعرب حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد مهدي كريمينیا عن تقديره لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور بيات، وحجة الإسلام والمسلمين الدكتور قاسمي، وآية الله القائني، مؤكداً على أهمية تشخيص الموضوعات الدقيق في الفقه وضرورة تناولها برؤية حديثة وموضوعات ذات صلة بحضور الأساتذة في الجلسات العلمية القادمة.
ولفت إلى أن معهد دراسات الفقه المعاصر يرحب دوماً بأراء الخبراء، وأن تواصل الباحثين مع هذا المركز من شأنه أن يثري المباحث العلمية.
