قم – وفقًا لما أفاد به الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، تناولت الندوة العلمية الخامسة والثمانون بعد المائتين لهذا المعهد، والتي عقدت تحت عنوان «فقه المقاومة مع التأكيد على رؤية الإمام الشهيد»، التحديات الفقهية في مواجهة التهديدات المعاصرة. وفي هذه الندوة، طرح الأمين العلمي، الدكتور عبد الوهاب فراتي، العضو في الهيئة التدريسية لمعهد الثقافة والفكر، المسألة الرئيسية المتمثلة في ضرورة انتقال «فقه المقاومة» من الإطار العسكري المحض إلى منهج ثقافي وتربوي. واستناداً إلى بيانات القائد الشهيد، أكد على نقطة مفادها أن المقاومة ليست مجرد دفاع مسلح، بل هي روح وطنية ونمط حياة لأمة، ينبغي للفقه إضفاء الطابع المؤسسي عليه؛ وهو التحدي الذي يدفع الفقه التقليدي إلى إعادة النظر في مواجهة الحروب الناعمة والنفوذ الثقافي.
وإذ أحيا الدكتور فراتي ذكرى القائد الشهيد للثورة، قدّم تطبيق الفقه على المقاومة بوصفه المحور الأساسي للندوة. وأبرز المقترح المقدم من حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن مهاجرنيا، مطروحاً السؤال المحوري من منظاره كالتالي: «هل يجب على الفقه الإسلامي أن يحكم بالمقاومة المسلحة فحسب، أم يمكنه إضفاء الطابع المؤسسي على روح المقاومة أو ثقافة المقاومة بوصفها نمط حياة في المجتمع؟»
وشرح الدكتور فراتي في الاستمرار فرضية حجة الإسلام والمسلمين مهاجرنيا القائمة على التغيرات الأساسية للفقه في حال اعتبار المقاومة أمراً ثقافياً: «يجب أن يتحول الفقه من “فقه الفعل” إلى “فقه الوصف”، وأن يقدم قواعد الاستنباط من “فقه الجهاد” إلى “فقه الحياة الطيبة”، وأن يولي الاهتمام في النهاية لبحث “الزمان والمكان” في فقه المقاومة». وبحسب الأمين العلمي، فإن هذه التغيرات تنقل الفقه من الأحكام العملية الخاصة إلى تربية الصفات المقاوِمة وأحكام الحياة الطاهرة والفاعلة، التي تضرب بجذورها في رؤية القيادة؛ وهي الرؤية التي ترى المقاومة وراء الجهاد العسكري، كمقدمة للدعوة الثقافية.
وفي قسم العرض الرئيسي، أكد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن مهاجرنيا، العضو في قسم فقه السياسة والعلاقات الدولية بمعهد دراسات الفقه المعاصر، مع إعرابه عن تقديره للقائمين على الندوة وتوضيح خلفية اقتراح الموضوع، على النهج الثقافي الحديث. واستناداً إلى الأدبيات السياسية للشهيد آية الله الخامنئي، وصف المقاومة عمدتاً بـ «روح أمة» (ثقافية)، صريحاً: «إن القيادة طرحت أيضاً أكثر أبحاثها حول المقاومة بوصفها روح أمة. وعندما نقول روح أمة، فهذا يعني أمراً ثقافياً».
واعتبر الدكتور مهاجرنيا أن تحدي الفقه المعاصر يكمن في عدم الدراسة الجادة للمقاومة بوصفها «أمراً ثقافياً»، لافتاً: «إن المقاومة، كما يتضح من اسمها، تندرج في البداية تحت المقولة العسكرية وتُعدّ أمراً عسكرياً. وإذا طُرحت في الحكومة ودخلت في إطار البرامج الحكومية، فإنها تتحول إلى أمر سياسي. لكن بوصفها أمراً ثقافياً، ورغم حظوتها بالاهتمام، لم يُلاحظ بحث جاد في هذا المجال».
ويرى حجة الإسلام والمسلمين مهاجرنيا أن المصاديق التقليدية للفقه كـ الجهاد والدفاع تتحول في النهج الثقافي إلى صيرورة تدريجية، صريحاً في هذا الصدد: «في فقهنا التقليدي أيضاً وفي بحث الجهاد، تُعدّ مقولة “الدعوة” مقدمةً للجهاد. ويرى العديد من الفقهاء أنه إذا لم تكن هناك دعوة في الجهاد، ولا سيما الجهاد الابتدائي، فإن ذلك الجهاد يكون خلاف الشرع. فيجب حتماً قيام الدعوة ثم ورود العمل العسكري والمادي إلى الميدان. أي إنه حتى هناك، تُعدّ مقولة الثقافة متقدمة».
وشرح حجة الإسلام الدكتور محسن مهاجرنيا المؤشرات الرئيسية لثقافة المقاومة بناءً على رؤية القيادة، مؤكداً على جانبها الإنساني والمعنوي والاكتسابي. واعتبر المقاومة عاملاً منظماً للمجتمع و«روحاً» له، مضيفاً: «إن الأعمال الأخيرة كـ بحث “فقه الثقافة” لآية الله الأراكي واعدة، لكن هناك حاجة لدراسة أكثر عمقاً لرؤية القيادة لاستنباط أحكام فاعلة».
ولفت العضو في قسم فقه السياسة والعلاقات الدولية بمعهد دراسات الفقه المعاصر إلى أن الشهيد آية الله الخامنئي (رحمة الله عليه) نقل الفقه من تحديد الأحكام العملية إلى تربية الروح والوصف المقاوِم، مؤكداً على أربعة مناظير رئيسية: تشخيص الموضوع، والعيش الاجتماعي، والزمان والمكان، والجانب التربوي. وهذا النهج، الذي يضرب بجذوره في تعابير القيادة عن المقاومة كـ «روح وطنية»، يحول الفقه إلى أداة لبناء الإنسان وبناء المجتمع.
وفي الاستمرار، تناول شرح هذه المناظير الأربعة:
المنظر الأول: تشخيص الموضوع: بيّن حجة الإسلام والمسلمين مهاجرنيا أن القائد الشهيد غيّر الفقه من «فعل المقاومة» (مثل القتال أو الصمود في الميدان) إلى «فقه الروح» و«فقه الوصف»، مؤكداً: «في فقه المقاومة بوصفها ثقافة، لم نعد نتعامل مع “فقه الفعل” بل مع “فقه الروح”، ونتعامل مع “فقه الوصف”».
المنظر الثاني: العيش الاجتماعي أو «فقه الحياة الطيبة»: وُصفت المقاومة بأنها مقدمة لإيجاد المجتمع المثالي. وأضاف الدكتور مهاجرنيا: «هذا يضرب بجذوره في الثورة الإسلامية ورؤية القائد الشهيد المطروحة في ادبیات القيادة، حيث ورد بشأن الثورة الإسلامية أن مقاومة الأمة هي لإيجاد الحياة الطيبة، ولإيجاد الفضائل والمعنوية والصفات الإنسانية في المجتمع».
المنظر الثالث: الزمان والمكان: ترتبط هذه المقولة ارتباطاً وثيقاً ببحث الزمان والمكان، بالنظر إلى ديناميكية الفقه وانشباكه بالثقافة بوصفها أمراً اجتماعياً وعيشاً اجتماعياً.
المنظر الرابع: الأمر التربوي: أعاد العضو في قسم فقه السياسة والعلاقات الدولية تعريف المقاومة بناءً على مقاصد الشریعة: «المقاومة بوصفها أمراً تربوياً. فالثقافة والتربية والأخلاق وما إلى ذلك متشابكة مع بعضها. وإن أحد مستويات البحث الفقهي والمتفقه هو الالتفات إلى “مقاصد الشريعة”… فالشريعة ومقصدها يسعيان لإحياء الإنسانية، والكرامة الإنسانية، وإقامة العدل والقسط وما شابه ذلك».
وأكد أن هذا النهج يتحول من الحالة الصلبة والمادية إلى الحالة الناعمة والمعنوية، دون العدول عن الفقه التقليدي: «يتحول النهج من الأدوات الصلبة إلى الأدوات الناعمة». واختتم عرضه بالدعوة إلى العمل الجاد في هذا المجال.
وفي استمرار الندوة، قام الدكتور صادق حقيقة، العضو في قسم فقه السياسة والعلاقات الدولية بمعهد دراسات الفقه المعاصر، بنقد المطالب المطروحة. وأضفى نقد الدكتور حقيقة، القائم على لزوم «تضمين الصبغة الفقهية» للموضوعات المطروحة وكون المسائل محددة ومحل نزاع، أبعاداً جديدة على البحث. وأكد على الإبهام في تشخيص الموضوع والخروج من دائرة الفقه إلى المجالات الأخلاقية والتربوية، داعياً إلى تحديد الفرضيات المسبقة وتقييد نطاق البحث. وقال الدكتور حقيقة: «عنوان البحث هو فقه المقاومة وإن كان كذلك، إلا أن هناك تصرفاً قد حدث في كلمة المقاومة، وطُرح في الواقع نوع من البحث الثقافي المرتبط بشكل ما بالروح الوطنية وبحث الهوية، أو بتعبير آخر بالعيش الاجتماعي ونمط الحياة. وبناءً عليه، فهي فكرة جديدة، وتُعدّ قيمة إذا كانت مجرد طرح لفكرة تمتلك منطقاً».
وأضاف في الاستمرار: «من حيث منهجية البحث، يجب علينا أولاً تحديد الموضوع بالكامل. هل البحث هو بحث هوياتي وثقافي فقط، أم هو بحث أعم يشمل المسائل العسكرية (أي الجهاد الابتدائي وما شابه) والمباحث الثقافية معاً؟ وبناءً عليه، فإن الموضوع الذي طرحتموه غير محدد وكليّ في الوقت نفسه».
وذكّر الدكتور صادق حقيقة، مع تأكيده على التفكيك بين المجالات الفقهية والأخلاقية والثقافية، بضرورة العودة إلى المباني التقليدية مع النظرة الحديثة إلى المسائل المستحدثة. واستناداً إلى فهم آية الله المطادي عن العلامة الطباطبائي، طرح مسألة «الدفاع عن التوحيد في الجهاد الابتدائي»، قائلاً: «الدفاع عن التوحيد یعنی أنه حتى لو لم يهاجمنا أحد، فبمجرد أن الطرف الآخر كافر، يمكننا مهاجمتهم. وقصدي هو أنه حتى في فقه المقاومة بمعناه العسكري هناك عشرات المسائل، ويتسع شمول المسألة كثيراً أي يصبح البحث كلياً جداً». وأكد على لزوم كون الموضوع محدداً ومثاراً للجدل، مضيفاً: «يجب تحديد المسألة، أي مسألة مثارة للجدل. فإذا قلنا إن قصدنا هو أن يتمتع الناس بروح جيدة، فمن يخالف هذا؟… وبناءً عليه فإن المسألة لا تتحدد».
واختتم الدكتور حقيقة كلمته بالإعراب عن شكره، مؤكداً على لزوم التأمل في اتخاذ الموضوع وإضفاء الصبغة الفقهية عليه، ومنتقداً خروج البحث عن الطابع الفقهي.
وفي الاستمرار، أضاف حجة الإسلام والمسلمين خادم الذاكرين، بالإشارة إلى كتاب «معراج السعادة»: «إن هذه الأمور هي موضوع علم الأخلاق عمدتاً… وبناءً عليه، وكما تُفضلوا، يبدو أن الجانب الفقهي في هذا العرض باهت نوعاً ما، مما يتطلب المزيد من الدراسة والتحقيق».
ثم أُقيم قسم الأسئلة والأجوبة في استمرار هذه الندوة، وأجاب الدكتور محسن مهاجرنيا عن أسئلة الحاضرين.
وفي الختام، اعتبر الدكتور فراتي في تلخيصه لهذه الندوة أن هذه الندوة كانت فرصة مغتنمة إثراء الفقه المعاصر والاستجابة للمتطلبات الهويتية والاجتماعية للمجتمع في ضوء الرؤى الإسلامية الأصيلة، ولا سيما باستلهام من أفكار الشهيد آية الله الخامنئي.
