حوار خاص مع "الفقه المعاصر" مع سماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد حميد جوشقاني

تجلیات الفقه فی تسخیر الاقتصاد لخدمة الشعب/34

تتمتع بعض المفاهيم الفقهية، مع الحفاظ على الأصول، بقابلية التطبيق على الاقتصاد الشعبي؛ كـ «توسعة مفهوم التعاون» فيما يتعلق بالتعاونيات الحديثة (مثل الشركات الناشئة القائمة على التشارك الجماهيري)، أو «توسعة مفهوم الملكية والمال» بالنسبة لـ «ترميز الأصول»، أو وضع الضوابط الفقهية في الاقتصاد الرقمي لملكية البيانات والمعرفة، أو استخدام العقود الذكية.

إشارة: شَعْبَنَة الاقتصاد (إضفاء الطابع الشعبي على الاقتصاد) هي نظريةٌ مضى على طرحها في الفضاء الاقتصادي للبلاد زهاء عقد من الزمان. وقد أدى بيان هذه النظرية من قِبل القائد الشهيد للثورة الإسلامية إلى سَبْر أبعادها المختلفة من قِبل علماء الاقتصاد في البلاد. وتُعد المبادئ والافتراضات الفقهية لهذه النظرية إحدى هذه الأبعاد المفصلية. ويرى حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد جوشقاني، عضو الهيئة التدريسية بقسم الاقتصاد الإسلامي في جامعة المصطفى العالمية، أن هذه النظرية تظل غير مكتملة دون تبيين افتراضاتها المسبقة الفقهية. وبحسب هذا الأستاذ والباحث في الاقتصاد الإسلامي، فإن المفاهيم الفقهية الإسلامية لا تتنافى مع شَعْبَنَة الاقتصاد فحسب، بل إنها مع بعض القراءات الحديثة تُعبر بوضوح عن لزوم هذه النظرية. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص مع رئيس قسم فقه الاقتصاد بمعهد دراسات الفقه المعاصر:

الفقه المعاصر: ما هو دور علم الفقه في تحقيق شَعْبَنَة الاقتصاد؟

جوشقاني: شَعْبَنَة الاقتصاد ليست مجرد حل اقتصادي، بل هي رؤية تنموية تتطلب تناسقاً بين الأبعاد الحقوقية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية. ويستطيع علم الفقه من الناحية الحقوقية، وكذلك من جهة فقه الاقتصاد وفقه الحوكمة، أن يسهم في مسار شَعْبَنَة الاقتصاد. ومن هنا، يمكن دراسة دور علم الفقه في تحقيق شَعْبَنَة الاقتصاد ضمن أربعة محاور رئيسية:

١. تأمين المبادئ الشرعية لشعبنة الاقتصاد

يوفر الفقه الإسلامي إطاراً شرعياً لشعبنة الاقتصاد عبر تقديم أصول مثل العدالة الاقتصادية، ومكافحة الاحتكار (حرمة الاحتكار)، والتوزيع العادل للثروة (الزكاة، الخمس، الأنفال)، وحرمة الربا. وعلى سبيل المثال، فإن حكم حرمة الريع والأَثَرَة والاحتكار يمنع حصر الثروة في أيدي فئات خاصة، ويهيئ الأرضية للمشاركة العادلة للشعب. كما إن إلغاء المعاملات الربوية والمحرمة يوجه الاقتصاد نحو الأنشطة الحقيقية والمثمرة والنظيفة التي تكون غالباً أكثر شعبية وفي متناول الجميع.

ومثال آخر تتمثل في الأحكام الفقهية مثل وجوب العمل، وحرمة البطالة، والحث على الصناعة والزراعة، وهي أمور تخلق الدافع للمشاركة الفاعلة للشعب في الإنتاج الوطني. كما أن أحكام الحلال والحرام في التجارة توفر بيئة سالمة للأنشطة الاقتصادية الشعبية.

٢. إيجاد البنى التحتية المشروعة للمشاركة الاقتصادية للشعب

يهيئ الفقه الأرضية للمشاركة التطوعية للشعب في الاقتصاد عبر تصميم مؤسسات مثل الزكاة، القرض الحسن، وشركات المضاربة والمشاركة.

يدعم الفقه الإسلامي النماذج الاقتصادية التشاركية مثل التعاونيات (استناداً إلى أصل التعاون)، والوقف (لدعم القطاعات العامة)، وشركات المضاربة (لتوسيع الملكية الجماعية). وتُعد هذه المؤسسات أدوات فقهية لشَعْبَنَة الاقتصاد.

٣. إعادة تعريف الملكية والمالية في إطار العدالة

يؤكد الفقه الإسلامي على أن البشر بوصفهم خلفاء الله هم أمناء على المال. وتوفر هذه الرؤية أرضية لنقد الرأسمالية الاحتكارية وترويج المشاركة الجماعية في الاقتصاد.

٤. تعزيز الأخلاق الاقتصادية في المجتمع

لا يقتصر الفقه على القواعد الحقوقية فحسب، بل يولي اهتماماً بالتربية الأخلاقية للأفراد أيضاً (مثل النهي عن الإسراف، والترف، والخداع في المعاملات، وأكل السحت والريع). وتُعزز هذه التربية الأخلاقية بيئة الثقة والمشاركة العامة في الأنشطة الاقتصادية.

٥. الحد من هيمنة الدولة وإدارتها المباشرة

استناداً إلى نظرية ولاية الفقیه، لا ينبغي للدولة الإسلامية التدخل المباشر في الشؤون الاقتصادية إلا في حالات الضرورة (كالرقابة وتنظيم السوق أو مواجهة الاحتكار والتسهيل). ويسهم الفقه عبر التفكيك بين الشؤون السيادية وشؤون الإدارة والإنتاج في تقليص البيروقراطية الحكومية وتعزيز القطاع الشعبي.

٦. المساعدة في الشفافية والمسؤولية الاجتماعية

يؤكد الفقه الإسلامي على حق الناس وحفظ الأموال العامة، ويُحرم أي نوع من الفساد الاقتصادي أو الاختلاس. وتُشكل هذه الأصول قاعدة للرقابة الشعبية على الاقتصاد والشفافية المالية.

الفقه المعاصر: ما هي المبادئ والافتراضات الفقهية التي تستلزمها شَعْبَنَة الاقتصاد؟

جوشقاني: تختلف شَعْبَنَة الاقتصاد عن الخصخصة. فشَعْبَنَة الاقتصاد تعني زيادة مشاركة عموم الشعب في اتخاذ القرارات، وصناعتها، والأنشطة الاقتصادية، بحيث تُدار اقتصاد البلاد بناءً على إرادة الشعب وقدراته، وتقتصر الدولة على دور الرقابة والتسهيل وتهيئة الأرضية. بعبارة أخرى، ينبغي لعموم الشعب تولي الأنشطة الاقتصادية؛ بحيث يُنجز الشعب الأنشطة ويتنعم بثمارها في الوقت ذاته. وهذا يستلزم توجيه الأنشطة الاقتصادية نحو المجالات التي تعود عوائدها على عموم المجتمع وتحقق المصالح والمنافع العامة؛ بخلاف الخصخصة التي تسعى إلى التنافسية وجني المزيد من الأرباح. ومن الطبيعي أن هذا الهدف الأخير يوجه الأنشطة نحو السلع والخدمات الأكثر ربحية فحسب.

وبناءً على هذه المقدمة، ففي بعض الحالات التي تُطرح فيها الملكية الحكومية أو الملكية العامة، يمكن طرح هذا الافتراض الفقهي ومفاده أن الدولة – مع حفظ حق ملكيتها – لا تملك حق المباشرة في النشاط الاقتصادي، وينبغي تفويض أي نشاط اقتصادي مستهدف إلى الشعب، مع احتفاظ الدولة بدورها الرقابي والتسهيلي. وهذا الفرض يمكن أن يكون من جهة نتيجةً، ومن جهة أخرى مبيناً للحكم الفقهي القاضي بكراهة استئجار الذات (إجارة الأجير لنفسه).

إن شَعْبَنَة الاقتصاد – بوصفها نمطاً اقتصادياً قائماً على المشاركة العامة – تتطلب افتراضات ومبادئ فقهية تُستنبط من المصادر الإسلامية (القرآن، السنة، العقل، والإجماع). وتوفر هذه المبادئ الإطار الشرعي والأخلاقي اللازم لتحقيق الاقتصاد الشعبي. وأهم هذه المبادئ هي:

  1. التوزيع العادل للموارد (لا الملكية المطلقة للدولة/القطاع الخاص)؛

  2. المشاركة العامة عبر المؤسسات الشرعية (التعاونيات، الوقف، المضاربة)؛

  3. دور الدولة التنظيمي والرعائي (لا التدخل المباشر)؛

  4. الشفافية والمحورية الأخلاقية في كافة المعاملات.

الفقه المعاصر: هل نحتاج لتحقيق شَعْبَنَة الاقتصاد إلى تغيير بعض المبادئ والافتراضات المسبقة لفقه الاقتصاد؟

جوشقاني: يُشكل فقه الاقتصاد جزءاً من الاقتصاد الإسلامي. وحيث إن الاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد شعبي، وقد مر تعريف شَعْبَنَة الاقتصاد، فإن الافتراضات والمبادئ لفقه الاقتصاد المتأثرة بالموضوعات الاقتصادية تتجه نحو مسألة شَعْبَنَة الاقتصاد، أو بعبارة أدق، الحفاظ على شعبية الاقتصاد. وبخلاف بعض الحالات التي تتطلب طبقاً للحكم الثانوي الخضوع المباشر لإشراف الدولة، فإن مقتضى الأحكام الفقهية في سائر الموارد هو شعبية الاقتصاد.

ولمزيد من التوضيح لمسألة تغيير المبادئ الفقهية لتحقيق شَعْبَنَة الاقتصاد، نحتاج إلى ترسيم حدود دقيقة بين الأصول الفقهية الثابتة والاجتهاد المرن في القضايا الاقتصادية. فهناك سلسلة من المبادئ غير القابلة للتغيير (الثوابت الفقهية)، كما أن بعض الأصول الفقهية الاقتصادية غير قابلة للتغيير، مثل:

  • حرمة الربا: وبناءً عليه يجب ألا يؤدي أي نموذج لشَعْبَنَة الاقتصاد إلى ممارسة الربا.

  • الملكية العامة للأنفال: وبناءً عليه يجب أن تظل الموارد الاستراتيجية تحت الرقابة العامة في شَعْبَنَة الاقتصاد.

  • حرمة الاحتكار والأَثَرَة: يجب ألا تؤدي شَعْبَنَة الاقتصاد إلى حصر الثروة في أيدي فئات جديدة.

غير أن هناك مجموعة من المبادئ تُعد في زمرة المتغيرات الفقهية. فبعض المفاهيم الفقهية تتمتع – مع الحفاظ على الأصول – بقابلية التطبيق على الاقتصاد الشعبي؛ كـ «توسعة مفهوم التعاون» فيما يتعلق بالتعاونيات الحديثة (مثل الشركات الناشئة القائمة على التشارك الجماهيري)، أو «توسعة مفهوم المالية والمال» بالنسبة لـ «ترميز الأصول»، أو في الاقتصاد الرقمي مثل وضع الضوابط الفقهية لملكية البيانات والمعرفة، أو استخدام العقود الذكية.

ومثال آخر يتجلى في النظر إلى «العامل»؛ ففي الفقه التقليدي يُعتبر العامل «أجيراً»، ولكن إذا كانت شَعْبَنَة الاقتصاد هي المنظورة، فإن العامل يُطرح بوصفه شريكاً وله حصة من القيمة المضافة والمتحققة.

والنتيجة هي أن شَعْبَنَة الاقتصاد لا تخالف الفقه فحسب، بل يمكنها عبر العودة إلى أصول مثل «التعاون» و«العدالة» أن تحقق إحياء الاقتصاد الإسلامي. غير أن هذه العملية تتطلب: ١. الاجتهاد المنهجي من قِبل فقهاء مطلعين على الاقتصاد الحديث؛ ٢. خوض التجارب في قالب اختبارات عملية؛ ٣. الشفافية لكسب الثقة العامة.

الفقه المعاصر: هل يمكن القول إن أحد مبادئ شَعْبَنَة الاقتصاد هو لزوم تقليص حجم الدولة وتدخلها الأدنى في الاقتصاد؟

جوشقاني: وفقاً للتعريف المقدم لشَعْبَنَة الاقتصاد وأن الدولة في المجال الاقتصادي مجرد مراقب ومسهل، فإن حجم الدولة يتقلص تلقائياً؛ ولكن القول بأن لشَعْبَنَة الاقتصاد ملازمة ضرورية مع ذلك فليس بالضرورة، إذ يمكن لقطاعات من الاقتصاد أن تكون حكومية ومع ذلك تكون شعبية؛ أي يكون للشعب تأثير مباشر في مسارها ويتنعم بنتائجها. أما فيما يخص تدخل الدولة، فنعم، إن مقتضى شعبنة الاقتصاد هو التدخل الأدنى للدولة بحيث يقتصر على حدود الرقابة والتسهيل. وعلى سبيل المثال، في النظرية الفقهية التقليدية يثبت للدولة الإسلامية حق المباشرة والإدارة في الأنفال والموارد العامة، ولكن في نظرية شَعْبَنَة الاقتصاد ينبغي للدولة الخروج من الإدارة المباشرة للشركات والمؤسسات مع الحفاظ على دورها الرقابي والتنظيمي والتسهيلي.

والسؤال الأكثر أساسية هو: هل يمتلك الفقه القائم الأدوات اللازمة لهذه التحولات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب دراسة الطاقات المتاحة في الفقه القائم والحاجة إلى الابتكارات الاجتهادية.

فمن جهة الطاقة والقدرة، يمتلك الفقه الإسلامي آليات مرنة يمكن أن تكون قاعدة للاقتصاد الشعبي؛ مثل طاقة العقود التشاركية التي يمكن تطبيق التعاونيات الحديثة عليها، أو استخدام طاقة الوقف في الوقف الإنتاجي للاستثمارات الشعبية، وكذا طاقة الصلح والجعالة التي يمكنها توفير البيئة الشرعية للعقود الحديثة (مثل منصات مشاركة الموارد).

وبناءً عليه، يمتلك الفقه المتاح الطاقة اللازمة، غير أنه بحاجة إلى اجتهاد حيوي وتعاون بيني بين الفقهاء والاقتصاديين. وتُظهر نماذج مثل «المصرفية الرقمية الخالية من الربا» أن الفقه يستطيع التناغم مع الاقتصاد الحديث، إلا أن سرعة هذا التكيف تتطلب مزيداً من التسارع.

الفقه المعاصر: هل كانت الجهود التاريخية للشيعة لتمويل المرجعية والحوزات العلمية عن طريق الشعب وتجنب تدخل السلطة في هذا الأمر، خطوةً في طريق شَعْبَنَة الاقتصاد أم كانت لها دوافع أخرى؟

جوشقاني: توجد في المجتمع سلسلة من المؤسسات التي تتسم خدماتها بالطابع التدريجي والاستمراري، وليست بحيث يكون زمن تخصيص التكلفة قارباً لزمن الحصول على النتيجة، أو حتى في بعض الحالات لا تكون النتيجة الحاصلة ملموسة ومحسوسة للمجتمع بشكل مباشر. وخدمات الحوزة العلمية من هذا القبيل؛ إذ تكون خدمات الحوزة أحياناً كالإنتجات الوسيطة لا المنتجات النهائية. ولكن من جهة أخرى، فإن هذه الأنشطة والخدمات لا يمكن بيعها وتغطية تكاليفها لعلل متعددة. فتمويل هذه المؤسسات إما أن يكون من قِبل الحكومة أو من قِبل الشعب أو عبر تعريف آلية أخرى كامتلاك أصول مدرة للدخل.

إن الخيار الأول (الحكومة والدولة) يؤدي إلى تضخم حجم الدولة وإلقاء أعباء مالية ثقيلة على كاهلها، ومن جهة أخرى فإن الاعتماد المالي لمركز محوري كالحوزة العلمية يؤثر على أدائه لوظائفه الدينية تجاه أداء الحكومة. والخيار الثالث يحمل إلى جانب مشاكله شبهة دخول الحوزة العلمية في الفضاءات الاقتصادية والاستفادة من الريع والمحسوبية. ومن هنا، فإن الخيار الوحيد هو التمويل عن طريق الشعب. وبالتالي، فإن هذا القرار بأن يكون التمويل المالي للحوزات العلمية ونفقاتها عن طريق الشعب وألا يُحمل على الدولة، يمكن اعتباره خطوة حقيقية في طريق شَعْبَنَة الاقتصاد.

وبعبارة أخرى، تُظهر بعض الشواهد أن الهيكل المالي للعلماء والمرجعية الشيعية كان يمتلك خصائص مشتركة مع الاقتصاد الشعبي:

  • المصادر المالية الشعبية: الخمس، الزكاة، النذورات، والوقف؛ كلها كانت تُؤمن بناءً على المشاركة التطوعية للشعب وليس عبر الضرائب الحكومية. وهذا الأمر عزز نوعاً من الملكية العامة اللامركزية.

  • الاستقلال عن السلطة: كان علماء الشيعة باعتماهم على هذه المصادر يبتعدون عن التبعية للحكومات، ويمكن اعتبار هذا النموذج عينة بارزة للاقتصاد الشعبي الإداري المستقل.

ومع ذلك، فإن الدوافع الرئيسية لهذا النظام المالي لم تكن بالضرورة اقتصادية محضاً، بل كانت تدور حول أمور من قبيل حفظ الاستقلال الديني، والحفاظ على قوة المقاومة بوجه الحكومات العلمانية، واستمرار التواصل بين المرجعية والشعب، وهي أمور ذات أبعاد سياسية ودينية واجتماعية.