حجة الإسلام والمسلمين السيد فريد موالي زاده في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

مبادئ الفقه في التربية/

التحدي الرئيسي للتربية في مستقبل العالم هو مسألة الأسرة. فالحضارة الإلحادية العالمية تسعى لمنع تشكيل الأسرة الفطرية، وتقليل وظائف الأسر المتشكلة إلى الحد الأدنى، وإبعاد الأسرة عن سلسلة التربية. والحل لمواجهة هذا التحدي هو إيكال إدارة تربية الفرد إلى أيدي الأسر.

إشارة: تبدو الدراسات المستقبلية في النظرة الأولى بمعنى التنبؤ بالمستقبل، غير أنها من زاوية أخرى رسمٌ للمستقبل الذي يجب بناؤه. وفيما يخص الدراسات المستقبلية لفقه التربية، فإننا ننظر بالمعنى الثاني. وفي هذا الصدد، أجرينا حواراً مع حجة الإسلام والمسلمين السيد فريد موالي زاده، أستاذ البحث الخارجي في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم. وهو يعتقد أن فقه التربية يجب أن يغدو محورياً على الأسرة لكي يصل إلى النمو والتسامي. كما يعتبر فقه التربية علماً لا يمكن الاستغناء عنه في أمر التربية ولا يمكن تصور أي منافس له. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع أستاذ البحث الخارجي في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم:

الفقه المعاصر: ما هي أهم المسائل التي تواجه فقه التربية في المائة عام القادمة؟

موالي زاده: النقطة المهمة في مستقبل فقه التربية هي الاهتمام بدور الأسرة في عملية التربية. فمسألة الأسرة هي التحدي الرئيسي بين الحضارة الإلحادية المادية والحضارة الإسلامية. فالحضارة الإلحادية تسعى لتغيير التعريف الفطري للأسرة من جهة، وإيجاد البدائل للأسرة الفطرية من جهة أخرى. بعبارة أخرى، يسعى أرباب الحضارة الإلحادية للقيام بهذين الأمرين:

  1. إضافة أنواع إلى ماهية الأسرة تتنافى مع الفطرة؛ فعلى سبيل المثال توسيع تشكيل الأسرة من علاقة الزوجية بين الرجل والمرأة إلى العلاقة الجنسية بين رجلين أو امرأتين.

  2. إيجاد البدائل للأسرة الفطرية؛ أي الحد من وظائف الأسرة واقتصارها على تلبيتها للحاجة الجنسية أو التناسل، وطرح البديل بعد ذلك، ثم سلب مسألة التربية التي هي أهم وظيفة للأسرة منها. إن مسألة الحد من وظيفة الأسرة وتأطيرها في تلبية الحاجة الجنسية وسائر الحاجات الحيوانية، والمساكنة (الزواج الأبيض)، ومسألة المثلية الجنسية، ومسألة التناسل من الطرق غير المعتادة كـ الخلايا الجذعية، ومسألة فصل أفراد الأسرة عن الأسرة، ومسألة اقتناء الحيوانات الأليفة؛ كلها نماذج لسعي التيار العالمي في اتجاه إبعاد الأسرة عن عملية التربية.

في المقابل، فإن الحضارة الإسلامية القائمة على الفطرة التوحيدية وهداية القرآن وأهل البيت (ع) يجب أن تتطرق في المستقبل أكثر من ذي قبل لمسألة الأسرة، وألا تكتفي بمنح الأسرة دوراً في التربية فحسب، بل تتقدم بشعار “التربية المحورية على الأسرة”؛ أي أن تغدو الوظيفة الرئيسية للأسرة هي التربية، وتُؤكل إدارة التربية إلى الأسرة؛ لأن السر الرئيسي للتربية هو إيجاد بيئة هادئة إلى جانب المودة والمحبة، والتي تكمن نواتها الرئيسية في المحيط الأسري.

الفقه المعاصر: هل ستتغير الافتراضات المسبقة والمبادئ لفقه التربية في المائة عام القادمة؟ وكيف تتوقعون هذه التغييرات في أي الأجزاء ستكون؟

موالي زاده: المبادئ بمعنى مجموعة المقولات من سنخ “الوجود والعدم” التي تتطرق من زاوية كلية إلى معرفة العالم والرؤية الكونية. ويمكننا التعبير عن هذه المجموعة بالفكر والانديشة التي تُعد البنية التحتية للفقه البرامجي. وفقه التربية ليس مستثنى من هذه القاعدة. وفيما يخص مبادئ فقه التربية يجب القول: عندما تتجه التربية في المستقبل نحو التربية المحورية على الأسرة، فإن مبادئ فقه التربية يجب أن تغير مسارها نحو مبادئ الأسرة أيضاً. وفي التربية المحورية على الأسرة يجب علينا البحث والحوار حول مبادئ الأسرة. وفي هذا الصدد يجب الاهتمام بنقطتين بالغتي الأهمية:

أولاً: اعتبار الأسرة بمعناها الهوياتي الاستقلالي التجمعي.
ثانياً: اكتشاف التفاوت بين العلاقات السببية والنسبية ومفهوم الأسرة.

الفقه المعاصر: هل ستتغير طريقة «البحث» و«الحل» لمسائل فقه التربية في المائة عام القادمة؟ وكيف تتوقعون أن تكون هذه التغييرات؟

موالي زاده: يجب أن تكون طريقة حل المسألة في فقه التربية برامجية المحور لا فرعية المحور. فنحن حتى الآن تطرقنا للمسائل بغالبية فرعية المحور؛ أي بنهج منفعل بوجه المسائل المستحدثة؛ وبمعنى أننا اعتبرنا كل مسألة جزيرة مستقلة يجب استنباط حكمها. وكان الفقهاء يرون أنفسهم ملزمين بعدم ترك أي مسألة جديدة دون إجابة؛ ومن هنا فهذا النهج لا يختص بالعصر المعاصر، بل كنا نشهد ممارسته في سيرة الفقهاء منذ الماضي البعيد. غير أن هذا النهج حد أدنى، ويُلحق الخلل بفاعلية الفقه في إدارة المجتمع؛ في حين أنه للحركة في المستقبل والرؤية الحضارية للإسلام، يجب التناطق مع المسائل بنهج برامجي المحور؛ أي حل المسألة أو البحث فيها بالنظر إلى برنامج الفقه في التربية. وطبيعياً فإن صيرورة الفقه برامجي المحور تتأثر بمبادئه؛ أي إن نوع فكرنا ورؤيتنا الكونية للإنسان والأسرة يستطيع التأثير في الأحكام الفقهية لفقه التربية. بعبارة أخرى، يجب أن نستطيع تقديم جهازنا الفكري والحكمي في التربية، وحينئذٍ نستطيع تصميم هيكل برنامج بناءً عليه. فأن نقتصر في فقه التربية مجرد بحث حدود تأديب الولي بالنسبة للولد من زاوية الحكم الشرعي التكليفي والوضعي، فلن يكون نافعاً ولا فاعلاً في المستقبل؛ بل إن رؤية الفقه لمكانة التأديب في التربية يجب أن تُحظى بالاعتبار في برنامج شامل، حيث تُعد المحورية الأسرية للتربية إحدى الطرق الرئيسية لجعل فقه التربية برامجي المحور.

الفقه المعاصر: هل ستتغير إجابات الفقهاء عن مسائل فقه التربية في المائة عام القادمة؟ وفي أي اتجاه تتوقعون أن تكون هذه التغييرات؟

موالي زاده: بالنظر إلى تغيير توجه التربية من المحورية الفردية إلى المحورية الأسرية، وكذا تغيير طريقة حل المسألة من فرعية المحور إلى برامجية المحور، وأيضاً تأثير المبادئ الحكمية والفكرية على الاستنباط الفقهي عبر بناء الأجهزة الفكرية، فإن الإجابات ستتغير أيضاً.

الفقه المعاصر: كيف تقيمون التواصل والتفاعل بين الفقهاء وعلماء التربية في المائة عام القادمة؟

موالي زاده: يعود التواصل بين الفقهاء وعلماء التربية في المستقبل إلى بدء الحوار والنقاش حول المبادئ الفكرية للتربية؛ ومن هنا سيكون أكثر إثماراً. ففي الوضع الحالي تعود غالبية التحديات إلى أننا نذهب مباشرة نحو المسائل والحلول ونصل بشكل أقل إلى نتيجة محددة؛ أما في المستقبل فستغدو الاتصالات قائمة على المحورية المبدئية لا المحورية المسألية؛ ومن ثم فبعد اتضاح المبادئ سنصل في المسائل إلى نتائج أكثر وأنفَع.

الفقه المعاصر: ما هي الاقتراحات والحلول التي تقدمونها لحل المسائل المرتبطة بفقه التربية في المستقبل بشكل أفضل؟

موالي زاده: يبدو أن الاقتراحات جليّة في ضمن الإجابات السابقة. وجعل التربية محورها الأسرة هو الاقتراح الرئيسي في هذا القسم.

الفقه المعاصر: للتغلب على تحديات فقه التربية في المائة عام القادمة، ما هي الحلول التي تقترحونها؟

موالي زاده: التحدي الرئيسي للتربية في مستقبل العالم هو مسألة الأسرة. فالحضارة الإلحادية العالمية تسعى لمنع تشكيل الأسرة الفطرية، وتقليل وظائف الأسر المتشكلة إلى الحد الأدنى، وإبعاد الأسرة عن سلسلة التربية. والحل لمواجهة هذا التحدي هو إيكال إدارة تربية الفرد إلى أيدي الأسر. إن الأنشطة التربوية للمراكز والمجموعات الخارجة عن نطاق الأسرة كـ المدارس، والجامعات، والمساجد، والأماكن الدينية، والمراكز الثقافية والرياضية؛ يجب أن تُنجز جميعاً بمشاركة الأسر وإدارة الأسر. وإن مطالبة الأسر بالتربية وتوقع متابعة التربية من الأسر يؤدي إلى توطيد دعائم الأسرة أيضاً، وسنصل في النقطة المقابلة للحضارة الإلحادية إلى النتيجة.

الفقه المعاصر: ما هي العلوم التي تُعد منافساً حالياً ومستقبلياً للفقه في حل مشاكل تربية المجتمع الإسلامي؟

موالي زاده: يبدو أنه لا يوجد للفقه أي منافس أو بديل في ساحة التربية؛ لأن الفقه علم لا يمكن تسمية العلوم الإنسانية الإسلامية في حقل التربية منافساً له؛ بل إن تنحي الفقه عن حقل التربية يتسبب بنشوء تناقضات متعددة للفرد الخاضع للتربية. وإن أحد الفروق الرئيسية بين العلوم الإنسانية الإسلامية والعلوم الإنسانية غير الإسلامية يكمن في المبادئ الفكرية. فالآن لو دُونت العلوم الإنسانية الإسلامية بناءً على المبادئ الإسلامية فهل يسبب ذلك تنحي فقه التربية؟ في الجواب نقول: كلا؛ ففقه التربية يمتلك مكانته الخاصة إلى جانب العلوم الإنسانية الإسلامية للتربية. وبناءً عليه لا ينبغي القول إنه بوجود فقه التربية لا حاجة لنا لتدوين العلوم الإنسانية الإسلامية في حقل التربية.